خطبة عن التوبة الصادقة النصوح وفضائلها «مؤثرة — مكتوبة»

أعتقد -بشكل شخصي- أنها أحد أهم الموضوعات والعناوين التي يجدر بالأئمة معاودتها دوريًا. هي خطبة عن التوبة الصادقة النصوح، والرجوع إلى الله -سبحانه-. أعتقد أنكم تؤيدوني هذا الرأي أيضًا!

هنا نقدم لكافة الأئمة والخطباء الذين يتابعونا عبر منصة موقع المزيد، وخاصة في ملتقى الخطباء الخاص بنا، خطبة مؤثرة جدا عن التوبة والرجوع إلى الله عز وجل والندم على الماضي والعمل حاضرًا والاستعداد كما يجب لما هو آت.

مقدمة الخطبة

الحمد لله، حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه. وأُصلي وأُسلم على نبيه وحبيبه المصطفى ‹صلى الله عليه وسلم› الذي قال ﷺ «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي»؛ رسول الله ‹صلى الله عليه وسلم› الذي كان يكثرُ من الاستغفار والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى.

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم إنا نسألك في هذا اليوم الكريم المبارك أن تحشرنا تحت لوائه يوم العرض عليك يا رب العالمين ولا تحرمنا من مجالسته في الفردوس الأعلى من الجنة بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

الخطبة الأولى

عباد الله؛ أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله العظيم؛ فقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بها في كتابه فقال جل شأنه «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون»؛ وأمرنا بالزيادة منها فقال سبحانه «وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب»؛ وأمر الناس جميعاً بها فقال سبحانه «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة»؛ «يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم»؛ «يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده».

أحبابي في الله إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدي هدي الحبيب المصطفى ‹صلى الله عليه وسلم› يقول ربنا تبارك وتعالى في كتابه العزيز الحكيم وهو أصدق القائلين ومن أصدق من الله قيلا ومن أصدق من الله حديثا؛ لا أحد، يقول سبحانه «وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون»؛ وقال أيضًا «يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه».

كما أن النبي ﷺ بيَّن عن التقوى فقال “التقوى هاهنا” وأشار إلى صدره ثلاث مرات.

اللهم اجعلنا منهم يا رب، اللهم اجعلنا منهم يا رب مع النبي ‹صلى الله عليه وسلم› «ويقول النبي ‹صلى الله عليه وسلم› والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» وفي رواية مائة مرة أو كما قال ‹صلى الله عليه وسلم›

أيها الأحبة بالنظر إلى حالنا وأحوالنا وما نعانيه. لابد أن نقف وقفة مع أنفسنا هذه الوقفة هي المحاسبة «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم» لابد من وقفة، ما هذا الذي يُصيبنا؟ ما هذا الذي يدور بنا؟ ما هذا الذي أهمنا وأغمنا؟ ما هذا الذي أتعب قلوبنا؟ ما هذا.

ما السبب في ذلك؟ لابد أن تبحث عن السبب؛ لا تعالج النتائج قبل أن تعالج السبب.

السبب أيها الاخوة هو في بعدنا عن الله والله كلما تأملنا ونظرنا في أي مشكلة وجدنا أن السبب الأوحد فيها هو في بعدنا عن الله سبحانه وتعالى.

لأن الله سبحانه وتعالى يقول «ولو أن أهل القري أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض» الله الذي يقول فإلى من نسمع أيها الإخوة؛ إلى الدجالين والمنجمين أم إلى الذين لا يعبدون الله، لابد أن نسمع إلى الله سبحانه وتعالى، لابد أن ننصت لكلام الله «وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون» لابد أن نستمع إلى ربنا سبحانه وتعالى.

نجلس أمام التلفزيون ونسمع عن حدوث كذا يوم كذا، سيموت فلان ويعيش فلان وننسى الله الذي أمرنا بطاعته والذي أمرنا بعبادته، فإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله هكذا علمنا النبي ‹صلى الله عليه وسلم›

لماذا هذا البعد عن الله؟ لماذا هذا الهجر لدين الله سبحانه وتعالى؟

رسولنا حريص علينا

يجب على كل مسلم أن يتعلم تلاوة القرآن الكريم لماذا؟ لأن في تلاوة القرآن الفائدة العظمى فالله سبحانه وتعالى سيسألنا عن كل آية في الكتاب، ألم أنزل إليكم كتابا تقرأونه؟ ألم أرسل هذا الكتاب على رسول تعرفونه؟ «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم».

رسول الله ‹صلى الله عليه وسلم› حريص علينا أكثر من أنفسنا ولذلك لا يكمل إيمان الإنسان حتى يحب النبي ‹صلى الله عليه وسلم› أكثر من نفسه وماله وولده والناس أجمعين عليه الصلاة والسلام.

نعيب زماننا والعيب فينا

لماذا البعد عن الله؟ لماذا ونحن بحاجة إلى الله؟ فإذا طلبت فاطلب من الله «وخزائني ملآنة، وخزائني لا تنفد أبدًا».

يجب علينا في هذه الظروف الحالكة أن نعود إلى الله؛ لا نسب الأيام؛ فلا نقول هذا العام كان عاماً مليئًا بالهموم والغموم ونشتكي الزمان.

نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا — وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا

وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنبٍ — وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا

فالعيب فينا نحن وليس في الزمان، فالزمان هو الزمان؛ اليوم كأمس، غد، بعد غد.

استغل وقتك في طاعة الله

أنت أيها الإنسان قطعة من هذا الزمان الذي تعيش فيه، فاستغل وقت حياتك في طاعة ربك وعد إلى الله سبحانه وتعالى «يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله» والتوبة هي الإنابة والعودة والرجعة إلى الله سبحانه وتعالى.

الله سبحانه وتعالى خلقنا على فطرة سليمة «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا»؛ خلقنا الله مسلمين، خلقنا الله موحدين مُقرين له بالعبودية، ولذلك لا يؤاخذنا الله سبحانه وتعالى بذنب قبل أن نعقل وقبل أن نفهم فالعقل كما يقول العلماء هو مناط التكليف؛ أي قبل ألا يكون عندك عقل فلست مكلفاً لا يؤاخذك الله سبحانه وتعالى على شيء من عملك.

لكن بعدما أن أصبحت عاقلاً يحاسبك الله سبحانه وتعالى ويفتح لك الكتاب ويسجل عليك ما فعلته من حسنات وسيئات.

باب التوبة مفتوح

انظروا إلى رحمة ربكم، انظروا إلى كرم ربكم، انظروا إلى فضل الله سبحانه وتعالى عليكم.

فإذا تاب العبد تاب الله عليه، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم لقيتني لا تشرك به شيئا غفرت لك على ما كان منك ولا تبالي.

إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مُسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها؛ أي عند قيام الساعة.

باب التوبة مفتوح، والله موجود، يجب علينا أن نعود إلى الله الخالق الرازق المعز المذل. «قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير».

لا يرد القضاء إلا الدعاء

اسألوا الله واطلبوا منه، ونحن في ظروف حالكة؛ فالأمراض تتوالى والأزمات تتوالى ونحن ننظر إلى متى سيحدث كذا؟ وماذا نفعل في كذا؟ وننسى الله.

قولوا يا رب، واملؤوا مساجد الله بالدعاء، الجأوا إلى الله بالدعاء فلا يرد القضاء إلا الدعاء، أخلصوا في نيتكم إلى الله سبحانه وتعالى. يجب علينا أن نتوب إلى الله سبحانه وتعالى توبة نصوحا، أن نقلع عن الذنب الذي نفعله، وأن نندم على ما فات، وأن نعزم على ألا نعود إلى المعاصي أبدا.

وأن نرد الحقوق إلى أصحابها «من كان بينه وبين أخيه مظلمة فليتحلله منها الآن قبل أن يأتي يوم لا دينار ولا درهم». صالحوا إخوانكم، بروا آبائكم، صلوا من قطعتم.

أصلحوا ما بينكم وبين الله تفوزوا في الدنيا والآخرة

عباد الله يجب أن نصلح ما بيننا وبين أنفسنا ونصلح ما بيننا وبين الله حتى يصلح الله سبحانه وتعالى لنا حالنا، لابد أن نحسن من أحوالنا لابد أن نتصالح مع الله سبحانه وتعالى، يجب أن نحارب الفساد الذي في أنفسنا قبل أن نحارب الفساد الخارجي.

فالله سبحانه وتعالى خلق الدنيا وما فيها لخدمة هذا الإنسان؛ سخر لك الجن، وسخر لك الملائكة، وسخر لك الشمس وسخر لك القمر، وسخر لك السماء، وأنزل لك في الأرض نعم لا تحصى ولا تعد وتشتكي من الفقر.

النبي ‹صلى الله عليه وسلم› يقول لن تموت نفس حتى تستكمل أجلها ورزقها، فلماذا الخوف؟ لابد أن تأخذ رزقك الذي قدره الله لك، ولا بد أن تعيش العمر الذي قدره الله لك، وحينما ينتهي والله لو اجتمع أهل الأرض جميعا على أن ينفعوك لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، فكن على يقين من ذلك.

يا أخي المسلم كن على يقين من كلام ربك وكلام نبيك، فإذا استمعت إلى غيرهما فلا تلومن إلا نفسك. سيُحاسبك الله وسيسألك سبحانه وتعالى.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده؛ وبعد؛ أيها الاخوة الأحبة؛ الإنسان يتكلم بما يشعر ولكن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم «وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين».

أذكر نفسي وأذكركم فأنتم أخوتي في الله وأنتم أحبابي في الله، ونحن نحب أن نكون جميعا في الجنة مع رسول الله ‹صلى الله عليه وسلم› فنذكر أنفسنا عسى الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا، عسى الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا على طاعته ومرضاته.

لابد أيها الإخوة أن نتصالح مع أنفسنا، نرد الحقوق إلى أصحابها، تحللوا اليوم قبل أن يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه الندم، وسيقف كل إنسان بين يدي الله حتى المجاهد في سبيل الله، حتى الشهيد لا يدخل الجنة حتى يؤدي ما عليه من حقوق حتى وإن جاد بنفسه وماله في سبيل الله. وحتى إن كانوا أحياء عند ربهم يرزقون. فلن يدخل الجنة أحد حتى يوفي ما عليه من حق.

فسددوا في الدنيا قبل الآخرة، وأحسنوا إلى بعضكم البعض، عسى الله سبحانه وتعالى أن يحسن حالنا وأن يردنا إليه رداً جميلا.

الدعاء

  • اللهم إنا نسألك في هذا اليوم الكريم مبارك أن تردنا إليك ردا جميلاً يا رب.
  • ردنا إليك رداً لا سخط فيه ولا غضب برحمتك يا أرحم الراحمين.
  • اللهم تب علينا توبة ترضيك عنا يا ذا الجلال والإكرام.

عباد الله؛ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون؛ أذكروا الله الحليم الكريم يذكركم، واشكروه على عظيم نعمه يزِدكم؛ وأقِم الصلاة.


تفاصيل الخطبة

  • العنوان: خطبة عن التوبة الصادقة النصوح وفضائلها «مؤثرة — مكتوبة»
  • ألقاها: الشيخ الدكتور محمد البيلي.

كلمة المُحرِّر

لطالما استمعت منذ صغري للعديد من الخطب المنبرية عن التوبة والرجوع إلى الله عز وجل؛ ومن بين هؤلاء الشيوخ الذين كان المنبر لهم منارة ومنصَّة لإلقاء أقوى خطبهم في هذه الموضوعات.

أعتقد أنه عندما تُذكر خطب التوبة ليوم الجمعة، يتبادر إلى الأذهان الشيخ محمد حسان، الشيخ محمد العريفي، الشيخ محمد راتب النابلسي، الشيخ عبد الحميد كشك.. وآخرون من فرسان المنابر.

كما أن عديد منصَّات صالت وجالت طارِحة عديد خطب بهذا الموضوع، مثل شبكة الألوكة، صيد الفوائد.. وغيرهم

هنا خطبة مكتوبة عن التوبة الصادقة وفضائلها، كما تطرَّقت إلى ضرورة تقوى الله -تعالى- والرجوع إليه وخشيته وطاعته، وأن نُحسن نيتنا، وأن نجعل عملنا كله لله. كما تُنبهنا الخطبة إلى أهمية وقيمة الدعاء الذي يرد القضاء ويمنع البلاء. وعلينا بالإصلاح بيننا وبين أنفسنا أولاً وقبل اللوم والسب في الزمان.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: