زواج شاب ملتزم: بين ضغوطات الأهل وحب فتاة صالحة

زواج شاب ملتزم: بين ضغوطات الأهل وحب فتاة صالحة

«فطين» يسأل: أنا خريج الهندسة والحمد لله، والحمد لله ملتزم دينيًّا، ولم يكن لي أي علاقات من أي نوع مع الجنس الآخر، ليس خجلاً، ولكني متأكد أنه ليس لي حق من أي نوع في أي بنت، ولأني أخاف على العفة كنت أرفض هذا الأمر حتى يكرمني الله بالزوجة الصالحة.

الحمد لله أنا أعمل في شركة جيدة وبمرتب جيد جدًّا، فشجَّعني ذلك على الزواج، وأنا لي شرط أساسي بالنسبة للزوجة وهو الدين. وأنا أشترط أن تكون متدينة وعلى درجة عالية من الخلق الرفيع، والحمد لله لم أكن أنظر لا لشكل أو جمال. فوفقني الله لوجود إنسانة جيدة وعلى دين عالٍ جدًّا، بل إني أظن أنها تسبقني من الناحية الدينية، وملتزمة أكثر مني، وتحفظ من القرآن الكثير بما يفوقني بكثير، ومن كرم الله أنها كانت أيضًا على قدر كافٍ جدًّا بالنسبة لي من الجمال والحمد لله، فضلاً عن الأسرة الطيبة.

ولكن أهلي للعلم لا يفكرون مثلي بالنسبة للزوجة ومواصفاتها، فعرضت عليهم الأمر فوافقوا، وكانوا سعداء بالبنت، وازداد حبهم لها مع الوقت. فخطبت البنت وكنا في منتهى السعادة والحمد لله، وكنا في شدة التوافق والتفاهم، ثم حدث لي شيء في حياتي هدَّد حياتي الأمنية وكان من الممكن أن يهدد مستقبلي بالكامل، فخاف أهلي عليَّ جدًّا، وأنا أجد لهم العذر في ذلك، فما كان منهم إلا أن رفضوا إتمام هذا الزواج، مع العلم أنه كان قد بقي شهر واحد فقط على عقد الزواج. وأصرَّ أهلي على موقفهم ورفضوا إتمام الموضوع، ومع الضغط النفسي الشديد من أقاربي الذي من الممكن أن أصفه أنه غير آدمي اضطررت لتنفيذ مطلبهم، ووقتها لم أكن أفكر بطريقة سليمة بسبب هذا الضغط النفسي.

وأنا الآن حزين على هذا القرار جدًّا، ولكنه ابتلاء من الله وعليّ الصبر. أنا الآن أحس بقدر كبير من الحب لهذه الفتاة، هو حب لله وليس لشيء آخر، وقد ذكرت أني كنت مضطرًّا لفسخ الخطوبة. الآن أنا غير موافق ورافض لما حدث. وأودّ للرجوع للبنت مرة أخرى مع إصرار أهلي على موقفهم الذي أقول لك إنهم ليس لهم حق فيه أبدًا، ويقيني أنهم يظلمون البنت هكذا، وليس لها أي ذنب لما حدث لي، ولكن دافع الخوف من أهلي عليّ هو الذي جعلهم يصرون. وخوفي الآن أنه مع مرور الوقت سيرفض أهلها قبولي مرة أخرى إذا حاولت الرجوع، مع العلم أن أهل البنت يعذروني جدًّا ويتفهمون موقفي.

أريد أن أعرف ما هو الحل؟ البنت مرتبطة بي جدًّا. هل أقوم بتحرك فردي من ناحيتي وأحاول أن أرجع للبنت دون موافقة أهلي، مع خوفي برفض أهلها بقبولي دون موافقة أهلي؟ فهل يحق لي ذلك من الناحية الشرعية أم أن هذا فيه عقوق للوالدين؟

وأنا والحمد لله أستطيع أن أتكفل بنفسي في موضوع الزواج من الناحية المادية، وهذا ما كان سيحدث منذ البداية، وأعتقد أنه مع مرور الوقت فإن هذا الخوف سيتلاشى إن شاء الله.

مما يشجعني على هذا أنهم يحبون البنت جدًّا، ويكنُّون لها كل الاحترام. مع خوفي أن يرفض أهلي بعد ذلك أي بنت من اختياري، وخوفي من أن يغير أهلي من طريقة اختياري – لأنهم لا يهتمون بالمواصفات الدينية كما أهتم أنا بها – أو من ألا أجد مثلها تفهمني وأفهمها.

وكما أقرأ من المشاكل الأخرى أخاف أن أظل أفكر فيها حتى لو حدث أني تزوجت من أخرى، فأكون قد ظلمت نفسي وظلمت زوجتي هذه.

آسف جدًّا للإطالة، ولكن أرجو أن تفيدوني في هذا، وألا تنسوني في صالح دعائكم.

الإجابـة

الابن العزيز: أشكرك على ثقتك ، وأرجو الله عز وجل أن يجعلني عند حسن ظنك، وأن يعيننا جميعًا لنخرج لكم أفضل ما في أنفسنا من اهتمام وعناية ، ولنمنحكم أكبر ما في قلوبنا من حنان ورعاية ، ونشكر الله سبحانه أن هيأنا لننير درب الحائرين، ونأخذ بأيدي السائلين، ونسأله تعالى أن يأخذ بأيدينا جميعًا، ويؤلف قلوبنا على طاعته، ويجمعنا على محبته.

رسالتك فيها بعض التوضيح والتفصيل، لكنني لم أفهم السبب الذي جعل أهلك يطلبون منك فسخ الخطبة والتفريق بينك وبين هذه الفتاة التي أحبها قلبك واقتنع بها عقلك، فهل ما هدَّد حياتك أمنيًّا هو ناتج عن خطبتك لها مثلاً ؟ أم أنه ناجم عن ارتباطك بجماعة محظورة سياسيًّا ؟ إذا كان السبب في الفتاة أو أهلها فقد أجد لأهلك عذرًا، أما إذا كانت الفتاة ليس لها علاقة من قريب أو بعيد في هذا الأمر، فلماذا تفسخ خطبتك منها ؟ هذا الأمر بحاجة إلى توضيح.

فهل أهلك يخشون من كون التزام الفتاة بالدين يجرُّ عليك الشبهة مرة أخرى؟ هل لوالدها مثلاً نشاطات سياسية تجعل أمر زواجك بهذه الفتاة مدعاة للشك بك أمنيًّا إذا أصبحت صهرًا له؟

ومع ذلك فعبارتك التي تقول فيها: ( ليس لهم – أي لأهلك – حق فيه أبدًا، ويقيني أنهم يظلمون البنت هكذا، وليس لها أي ذنب لما حدث لي) توضح شيئًا من اللبس، فلماذا استجبت لرغبات أهلك ما دمت تراها رغبات ظالمة؟ أنت شاب يا بني ولست بنتًا لتخضع لأهلك بهذا الشكل، وقد ورد عن الرسول – عليه الصلاة والسلام – أن فتاة شكت له أن أباها زوَّجها من ابن أخيه ليرفع بعا خسيسته – أي ليرفع بها من شأنه – فخيَّرها الرسول عليه الصلاة والسلام في فسخ العقد، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكنني أردت أن يُعلم أن ليس للآباء من الأمر شيء.

فهذه فتاة تتكلم في القرن السابع الميلادي، وأمام خير الخلق خلقًا وفهمًا ودينًا وتقى، وتبدي حقها في الاختيار وعدم حق الأهل في الإجبار، فلا يعارضها عليه الصلاة والسلام، بل يسكت كدليل لإقراره بما تقول، ثم ها أنت شاب ولست فتاة، وفي القرن الحادي والعشرين، وتجيز ما صنع أهلك، فهل يعقل هذا؟

هل هم الذين سيتزوجون ويعيشون مع شريكة حياتك أنت؟ طبعا لا، فلماذا هذه الديكتاتورية من طرفهم، ولماذا هذا الخنوع من طرفك؟

حجتهم واهية جدًّا في خوفهم عليك أمنيًّا، خاصة مع قولك بأن الفتاة ليس لها ذنب فيما حصل، فهل ما حدث لك سيمنعك من خطبة فتاة أخرى؟ هل وجهت لهم هذا السؤال؟! هل ستقضي عمرك كله عزبًا؟!

الوضع الذي كان من الممكن قبوله هو خوف أهل خطيبتك عليها من الارتباط بك، على أساس أنهم يفكرون بمستقبلها فيما إذا تعرضت – لا سمح الله – مرة أخرى لمثل الظروف السابقة، وليس خوف أهلك، فلماذا هذا الخطأ في الحكم على الأمور؟

وصدقني لو أن خطيبتك وافقت أهلها على تركك لما عذرتها؛ لأن المستقبل بيد الله سبحانه، ولا مبرر لأحد أن يعيش في ظل الخوف من الغد، فهذا يتعارض مع الإيمان بقضاء الله سبحانه لقوله عليه الصلاة والسلام: “واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف”.

إذا كان خوف أهلك لا مبرر له، فلماذا تدعْهم يظلمونك ويظلمون فتاتك ويظلمون حبكما لأجل لا شيء؟ الجور والظلم حرام باتفاق كل العلماء والفقهاء ودعاة الأخلاق والمدافعين عن حقوق الإنسان، فلماذا توافق أهلك على الظلم بسكوتك عن تغيير أفكارهم الخاطئة؟

حبك لهذه الفتاة حب مدعم من العقل كما بدا في رسالتك، فأنت تقول بأنك أحببتها لأخلاقها ودينها، ثم لجمالها، فلماذا تخسرها بهذه السهولة؟

يا بني: دافع عن حبك، وعن حقك في الاختيار، واتبع سبيل الحكمة مع أهلك، خاصة أنهم يحبون خطيبتك، ورغم أنهم لا يهتمون بصفاتها الدينية – كما ذكرت – فقد أحبوها، وهذا دليل على أنها فعلاً ملتزمة بالدين والأخلاق بالشكل الذي استطاعت معه أن تحبب أهلك فيها، أي أنها كما قال عليه الصلاة والسلام: “المؤمن إلف مألوف فلا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف”، ففتاة كهذه لا تستحق إلا أن تحرص عليها كما تحرص على كنز، وهذا ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء: المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا دعاها لبته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله”.

ورغم كل استنتاجاتي عن دين فتاتك وأخلاقها، فلا مانع من أن تنظر إليها بعين العقل أكثر، فإذا وجدت نفسك ما زلت مقتنعًا بها محبًّا لها، فلا تتخلى عنها أبدًا، وتفاهم معها بكل وسيلة مباحة ومتاحة كي تنتظرك ريثما تقنع أهلك، وأعتقد أن أهلها لن يمانعوا في ذلك ما داموا يعذرونك ويتفهمون موقفك.

إذا كان ما حدث لك لم يمضِ عليه وقت كبير بحيث إن أهلك ما زالوا يعانون من الصدمة بسبب حبهم لك وخوفهم عليك، فانتظر قليلاً حتى تهدأ آلامهم التي لا سبب لها سوى ضعف إيمانهم. وأرى من الحكمة أن تظهر لهم أنك تناسيت موضوع الخطبة كليًّا، وإذا فتحه أحدهم أو إحداهن فعليك أن تغلقه بلطف، وكأن الأمر لا يعنيك من قريب أو بعيد.

ولكن عندما تجد أن صدمتهم اللامفهومة قد زالت، وأن نارهم غير المبررة قد خمدت، أو أن الأمر قد مضى عليه زمن مناسب، ومع ذلك هم يصرون على موقفهم، فهنا يحسن أن تفتح الموضوع مع أشدهم محبة لك وأكثرهم تفهمًا لوضعك، وإذا لم تجد أذنًا مصغية منهم فحاول أن تُدخل أحدًا من أقربائك الذين تثق بعقله وقدرته على الإقناع.

وإذا لم تنفع المرونة واللين ولم تُجْدِ كل وسائل الإقناع بالحوار والدبلوماسية، فلا عليك أن تلجأ لآخر الدواء وهو الكي، ورغم أنني لا أحبذه مع الوالدين الذين أمرنا الله سبحانه ببرهما، لكنني أجد أنه ليس من حقهما أن يتماديا بممارسة سلطتهما بهذا الشكل المتعنت، ولك عليهما حقوق كما أن لهما عليك حقوقا، ومن أهم حقوقك أن يخلّيا بينك وبين اختيارك الذي ستكون أنت مسؤولاً عنه.

وقد ذكرت هذا الدواء في استشارة سابقة؛ وهو المقاومة السلمية والمقاطعة، بحيث تنعزل عن أهلك في غرفتك وتظهر لهم عدم رغبتك بمشاركتهم سواء في الطعام أو في الحديث، واغتنم عزلتك في القرب من الله ﷻ كي يكون معك، بأن تفوض له أمرك، وتشكو إليه سبحانه ضعفك، وتبرأ من حولك وقوتك إلى حوله وقوته عز وجل، وهو القادر سبحانه أن يفرج كربك ويكشف ضرك.

ولا تنسَ أن تكون بينك وبين ربك راضيًا بما يختاره لك، أي لا تدع الحزن واليأس يعرفان الطريق إلى قلبك، بل كن متفائلاً في سرك، واعلم أن الله تعالى سيهيئ لك من أمرك رشدًا، ولن يكلك إلى نفسك، وما دمت معه سبحانه فلن يتخلى عنك، وكما ورد في الحديث القدسي: “أنا عند حسن ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء”.

ورغم نصحي لك بهذه الطريقة كآخر وسيلة لحل المشكلة، فأرجو أن لا فهمك لكلامي خطأ بأنني أحرضك على أهلك، بل ما أريد قوله: إنني أشعر أن أهلك تغلب عليهم العاطفة، فيمكنك أن تطرق على نقطة ضعفهم هذه حتى ينكسر هذا الجدار القاسي والصلب ظاهريًّا، ولكنه غالبًا يخفي خلفه حنانًا وعاطفة، فهم يقسون عليك دون أن يعرفوا أنهم يسيئون إليك، ولكن لا تنسَ أن الطَّرق بقسوة لا يكون إلا بعد العزف على أوتار قلوبهم برقة، “لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا”.

⇐ وتضيف د. فيروز عمر مستشارة فريق الحلول:

أريد أن ألفت نظرك لشيء أخير وهو رأي الفتاة في المشكلة، فهناك سؤالان واضحان يجب أن تعرف إجابتهما من الفتاة قبل أن تبدأ خطوات خطتك مع أهلك:

  1. السؤال الأول: هل لديها استعداد أن تنتظر حتى تأتي الفرصة المناسبة لإعادة فتح الموضوع مع أهلك، مع العلم أن هذا قد يستغرق شهورًا؟ وماذا لو تقدم لها شخص آخر خلال هذه الفترة؟.
  2. السؤال الثاني: هل لديها الاستعداد أن تعيش معك وأهلك رافضون لها وتتقبل ما يمكن أن يقع عليها من سوء معاملة، أو على الأقل برود في المعاملة، وتتقبل أيضًا تحميلهم إياها لأي خطر أمني تتعرض أنت له، وأن يقولوا لها -على الأقل بنظراتهم: أنت السبب فيما حدث لابننا؟

من الأمانة أن تعرف إجابة هذين السؤالين، وأن تكون خطيبتك متحملة المسؤولية معك في قرار زواجكما بكل مشكلة؛ حتى لا يأتي اليوم الذي تقول لك فيه: أنت ظلمتني بهذا الزواج وبهؤلاء الأهل الذي يسيئون معاملتي ولا يرضون عن وجودي في حياتهم.

السؤال الأول تستطيع أن تعرف إجابته عن طريق شخص وسيط، والسؤال الثاني تعرف إجابته بعد اتخاذ خطوات عملية نحو الخطبة.

⇐ هذه أيضًا بعض الاستشارات السابقة:

⇐ أجابتها: ليلي أحمد الأحدب

أضف تعليق

error: