خطبة مكتوبة عن موضوع: حسن الظن بالله «تعالى».. صوره وقيمته

خطبة مكتوبة عن موضوع: حسن الظن بالله «تعالى».. صوره وقيمته

عناصر الخطبة

  • حسن الظن بالله هو جزء من الإيمان، يشمل توقع الرحمة والعفو والنصر.
  • التأكيد على قول الله ﷻ: “أنا عند ظن عبدي بي”، مما يشير إلى أهمية التوكل والثقة بالله.
  • حسن الظن يتضمن الاعتقاد بحكمة الله في كل موقف، سواء كان خيرًا أو بلاءً.
  • الاستناد إلى الدعاء، مع التأكيد على ضرورة اليقين بالإجابة.
  • التأكيد على نصر الله للمؤمنين والتحذير من مواقف المنافقين الذين يثبطون الناس من الإيمان بالنصر.
  • الإشارة إلى أهمية حسن الظن في بناء الصبر والثقة، وذلك من خلال قصة الصحابيين أمام الغار.
  • التأكيد على أن حسن الظن يعكس صدق الإيمان بالقدر وقبول ما تقدره الله.

مقدمة الخطبة

إن الحمدَ لله، نحمدُك ربنا، ونستعين بك، ونستغفرك، ونعوذُ بك يا عظيم من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ سورة النساء: الآية 1. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ الأحزاب: 70، 71.

الخطبة الأولى

عباد الله، حسن الظنّ باللّه ﷻ من الإيمان الصادق. وهو أن يعتقد المؤمن أن الله ﷻ يرحمه ويعفو عنه ويكرمه وينصره عند الشدائد والابتلاءات. قال ﷺ: «يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : أنا عند ظنِّ عبدي بي فليظُنَّ بي ما شاء» رواه ابن حبان. فهو انتظار الجميل من الجميل ﷻ.

يقول الله ﷻ: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ سورة البقرة : 249. ويقول الله ﷻ: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ* الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ سورة البقرة: 45،46. أي الذين يعتقدون لقاء الله، وأنهم عائدون اليه.

يقول ابن مسعود رضي الله عنه: [ما أعطي عبدٌ مؤمن خيراً من حسن الظنّ بالله ﷻ والذي لا اله غيره لا يحسنُ عبدٌ بالله عز وجل الظنّ إلا أعطاه الله ﷻ ظنّه ذلك بأنّ الخير بيده].

ويكون المؤمنُ حسنَ الظنّ بربه إذا أيقن أن الله ﷻ المتصرف الوحيد الحقيقي في الكون، وأن فعل الله في هذا الكون لا يخلو من حكمة، فإذا صرف الله عن العبد حسنةَ يكون فيها خيرٌ من جهة أخرى. وإذا ابتلاه الله بمصيبة فيكون ذلك لدفع مصيبة أعظم عنه. قَالَ ﷺ: ‏«عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» رواه‏ مسلم

ومن صور حسن الظنّ باللّه اليقين بالإجابة عند الدعاء، يقول الله ﷻ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ سورة البقرة: 186، قال ﷺ : «ادْعُوا اللهَ وأنتمْ مُوقِنُونَ بالإجابةِ، واعلمُوا أنَّ اللهَ لا يَستجيبُ دُعاءً من قلْبٍ غافِلٍ لَاهٍ» أخرجه الترمذي. فمن حسن الظنّ الثقة أن الله لا يختار الا الخير لعباده.

ومن حسن الظنّ باللّه اليقين بكشف الضر والبلاء، يقول الله ﷻ: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ النمل: 62. وقد وعد الله بكشف السوء ولو بعد حين وبعد الصبر والابتلاء.

ومن حسن الظنّ اليقين أن الله ناصرٌ لدينه وعباده، يقول الله ﷻ: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ سورة الصف: 8، ويقول الله ﷻ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الروم: 47.

وفي المقابل نجد موقف المنافقين المرجفين يثبطون الناس من نصر الله للمؤمنين في كل زمان ومكان، يقول الله ﷻ: ﴿بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ سورة الفتح: 12، وبذلك خيّب الله ظنّهم ومرادهم.

إنّ تحقيق حسن الظنّ في حياة المسلم يجعله صابراً محتسباً واثقاً قوياً، فهذا رسول الله ﷺ يقول عندما وقف الكفار أمام الغار يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما، يقول الله ﷻ: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ التوبة: 40، وكذلك قالها سيدنا موسى عليه السلام عندما أقبل فرعون وجنوده، قال أصحابه له: ﴿إنَّا لَمُدْرَكُون﴾ فقال سيدنا موسى عليه السلام: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين﴾ سورة الشعراء: 61،62.

وهذا اليقين وحسن الظنّ ما نحتاجه اليوم وهو دليل على صدق الإيمان بالقدر خيره وشره من الله ﷻ. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال ﷺ: ﴿يقول الله ﷻ: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه؛ ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلى شبراً، تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلى ذراعاً؛ تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي؛ أتيته هرولة﴾. رواه البخاري وأخرجه مسلم، وهذا الكلام المبارك فيه تحفيز لنا معشر المسلمين لنقول باللسان ونثبت هذا في القلب أننا يا ربنا نحسن الظنّ بما تقدره علينا من المقادير.

وعن جابر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله قال ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: ﴿لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظنّ بالله عز وجل﴾ رواه مسلم.

نسأل الله ﷻ أن يقوي إيماننا به وتوكلنا عليه، وأن يلهمنا حسن الظنّ به، وبالمؤمنين، وأن يعيذنا من الشيطان الرجيم وخطواته وحزبه.

وقيمة حسن الظنّ المحبة والمحبة لله وحسن الظنّ بالله تجعلك مع الله، يقول الله ﷻ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ سورة البقرة: 152. روى البخاري ومسلم: ” أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟، قَالَ: ﴿وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَها﴾؟ قَالَ : لاَ شَيْءَ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ. فَقَالَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». فَحُسن الظنّ بالله ومحبته تجعلك مع الله في الدنيا والآخرة.

اللهم إنا نتوجه اليك في أهل غزة والضفة وأهل فلسطين أن تنصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين. وارحم شهداءهم وتقبلهم في الصالحين. وخصَّ برحمتك أولئك الذين قضوا تحت الأنقاض ولم يتمكن أحد من الوصول اليهم أو الصلاة عليهم أو العثور عليهم من حجم الدمار وتطاير الأشلاء. اللهم وأنزل عليهم السكينة والطمأنينة، وشافي الجرحى والمصابين والمكلومين منهم. وخفف عنهم واربط على قلوبهم يا رب. ونذكّر أن الصلاة على الغائب من الشهداء والذين هم تحت الأنقاض بعد الصلاة والاذكار والسنة البعدية للجمعة.

⇐ هنا أيضًا: خطبة عن حسن الظن بالله ﷻ

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ سورة آل عمران: 102.

عباد الله: اعلموا أن من دعا بدعاء سيدنا يونس عليه السلام: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ استجاب الله له، ومن قالها أربعين مرة فإن كان في مرض فمات منه فهو شهيد وإن برأ برأ وغفر له جميع ذنوبه، ومن قال: “سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة، حُطَّتْ خطاياه وإن كانت مثل زَبَد البحر”.

وفي المصائب والكرب والشدة أوصى الرسول ﷺ بدعاء الكرب وهو: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾ رَوَاه الْبُخَارِيّ. فندعو به في شدائدنا وشدائد أهل غزة وفلسطين، واعلموا أن هذا الدعاء يناجي الله ﷻ في اسمه العظيم تذللاً لعظمة الله، والحليم رجاءً لحِلم الله، وربّ السموات والأرض ربّ العرش العظيم يقيناً بأن الأمر كله بيد الله، وأكثروا عند تكالب الأعداء علينا من قول ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، لأنّ الله ﷻ يقول: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ آل عمران: 173،174

اعلموا عباد الله ان الله قد أمركم بأمر عظيم بدأ به بنفسه وثنى بملائكة قدسه، فيقول الله ﷻ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ سورة الأحزاب: الآية 56، عن أُبي بن كعب رضي الله عنه: ﴿أنّ من واظبَ عليها يكفى همه ويُغفر ذنبه﴾، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا»، وصلاة الله على المؤمن تخرجه من الظلمات الى النور، يقول الله ﷻ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ سورة الأحزاب: الآية 43، وهذا يتطلب التخلق بأخلاقه ﷺ. ونقتدي بسنته في البأساء والضراء وحين البأس.

والحمد لله ربّ العالمين..

أضف تعليق

error: