خطبة: وما نرسل بالآيات إلا تخويفا – مكتوبة

خطبة الجمعة , وما نرسل بالآيات إلا تخويفا , خطب مكتوبة

وفي رِحاب الآية الكريمة من سورة الإسراء ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾، أعددنا هذه الخطبة المنبريَّة المباركة؛ والتي نواكب بها الأحداث والنوازل الأخيرة التي حدثت وحلَّت على الأراضي العربية والإسلامية، والتي ابتُلي بها ملايين المسلمين حول العالم.

الخطبة الأولى

الحمد لله، الحمد لله..

أيها المؤمنون: يقول الله ﷻ: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾، قال قتادة: (إن الله ﷻ يخوف الناس بما يشاء من الآيات لعلهم يعتبرون ويذكرون)، فالمسلم لا يدرك الحكمة الإلهية من ارسال آيات الله، اهي عقاب وعذاب، أم رحمة وابتلاء، يقول ﷻ: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾، ولكن ثقتنا بالله كبيرة.

لذلك؛ وجب شكر الله ﷻ على كل حال، ان ما حدث من كارثة في سوريا وفي تركيا يمكن ان يحدث في أي مكان وقد يكون مرتبطا بذنوب، وقد لا يرتبط ولكن القضية أيها الاخوة هي رعاية شؤون الناس، وعلاج مشاكلهم والمحافظة على أنفسهم وعلى ممتلكاتهم، إن مما يؤسف له –يا عباد الله– أن مع كل كارثة نراها ونتابع أحداثها نرى أن الصوت الأعلى هو التحليل المادي، فالأعاصير هي بسبب تيار هوائي، والغبار بسبب منخفض جوي، والطوفان سببه زيادة منسوب الماء، والزلازل بسبب تشقق ارضي او تصدع بحري، وهكذا متناسين مدبرها ومصرفها؟!، فأين خالقها؟! أين موجدها؟!

أين قول العظيم الجبار: ﴿بأن ربك أوحى لها﴾؟!، لقد رأينا الاعلام يلتقط الصور ويعد التقارير من اجل البيع والسبق الصحفي، فلم تربط تقاريرهم بالخالق المدبر، وانما عزت ذلك للطبيعة، وكأن الخالق لا دخل له في حدوثها، مما يجعل هذه التفسيرات الحسية القاصرة لا تحرك القلوب إلى ربها، بل تزيد الغفلة، وقسوة القلب، وقلة الاتعاظ، ولاحظوا أيها الاخوة سرعان ما ترجع الفضائيات الى برامجها التي لا تتقي الله فيها، وكان الزلزال والدمار والقتل حدث عابر عادي لم يؤثر فيها، وليت الأمر ينتهي عند هذا بل يتعدى ذلك الى تحميل الناس كل المشاكل، وتبرئة الأنظمة من تقصيرها في أداء واجب الرعاية وتضييع الأموال، والاغرب في ظل هذه الكوارث وعظم التقصير ترى الاعلام يروج ويصور تفقد الحاكم أمام الكاميرات، ثم ينتهي الأمر، ثم يبدأ بعمل التقارير الاقتصادية وتأثير الزلزال على العملة والبورصة والاقتصاد، وقد نسي أرواح الناس، والذين تحت الأنقاض، وكأنهم ارقام وسلة في سوق تجاري وسبق صحفي.

أيها المؤمنون: شاهد الناس ما يحدث في سوريا وسياسة المكيالين وهو امتداد لمعاناة مستمرة سبقت الزلزال منذ اثني عشر عاما، وهي في حد ذاتها كوارث متتالية لا حصر لها من شدتها، ومن كثرة المتآمرين عليها، فقد منعت الأنظمة كل إغاثة عن المهجرين المظلومين فيها، طاعة لأمريكا بإجماع دولي منذ اثني عشر عاما متتالية، لتأتي هذه الكارثة لتكشف ما تم تغييبه عن الناس من تآمر الحكام على الشام وحصار المخلصين فيها، فطائرات الإغاثة تتجه الى تركيا، بينما جثث الموتى من أهل الشام الذين قضوا في تركيا تتجه الى سوريا، فوقعوا بين أمة مكبلة وبين حكام خونة ولكنهم معتمدين على أنفسهم طالبين العون من الله يرفعون شعارهم الباقي مالنا غيرك يا الله.

ولم يقتصر الأمر على عدم الإغاثة والإعانة بل تعدى ذلك لمنع كل من يقدم لهم معونة ومعاقبته كان الله في عونهم قتلى وجرحى وموتى ومفقودين، ثلوج وامطار، لا دواء ولا ماء لا مأوى ولا ديار، امراض وفقر ووحل ودمار وخيام، وقتل وحصار واعصار والمؤامرة تكبر يوما بعد يوم أمام أعين اغنى امة، دينا ومالا ورجالا، ولكنه الابتزاز السياسي للمخلصين مقابل المعونات والإغاثة، والتنازلات والمفاوضات فهي استغلال رخيص لجريح او مذبوح، قاتل الله الأنظمة العميلة واعلامها والمتآمرين.

عباد الله: إن أساس المشكلة في الرعاية الحقيقية والصحيحة للناس، والضنك الذي نعيشه سواء في وقت الرخاء أو وقت الشدائد والكوارث، هو إبعاد الإسلام عن معترك الحياة، وغياب دولة الإسلام، والخليفة الذي يقاتل من ورائه ويتقى به، وإبدال ذلك بالنظام الرأسمالي الذي لا ينظر للأمور إلا نظرة مادية غير إنسانية، فلا يضع اعتبارا إلا للجدوى الاقتصادية والكسب المادي في التعامل مع الكوارث، من خلال بيع المعدات والأدوية والإعمار، وعلى الحسابات المادية وتكلفة الاحتياجات وحجم الخسائر قبل أن تنظر إلى حياة الانسان، وحجم المعاناة الناتجة عن الكوارث وانهائها، أما إذا نظرنا إلى مبدأ الإسلام؛ فإننا نرى العكس تماما، فالإسلام يحاصر المشكلة قبل تأزمها، ويضع لها الحلول الشافية السريعة، ورعاية شؤون كل فرد من أفراد الرعية، وكفايته ومساعدته حق من حقوقه قال ﷺ: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته؛ فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته».

فهذه النظرة السامية للإنسان وقيمته وكرامته غير موجودة في أي نظام غير الإسلام؛ فالأحكام الشرعية في المعالجات العملية تنصب على خدمة هذا الإنسان ورفعته، والمحافظة على حياته وصيانة عرضه وماله وعلاقاته والخلافة هي الدولة الوحيدة التي تطبق المعالجات الشرعية التي فرضها الإسلام، وقد طبقها المسلمون عمليا لما حصلت الكوارث والجوائح والشدائد.

وتعتبر الكوارث الطبيعية من براكين وزلازل وأعاصير وفيضانات وعواصف والكوارث الحربية من بيولوجية وكيماوية أيضا تتطلب التحضير والتهيئة المسبقة لمحاولة منعها، والتقليل من تأثيرها أو للتعامل مع آثارها بسرعة وفعالية واجب على الخليفة قال ﷺ: «فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته»، وقال ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» فيجب عليه منع وإزالة الضرر المترتب من هذه الكوارث، وإغاثة للمنكوبين والملهوفين قال رسول الله ﷺ: «إن المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخونه، ولا يسلمه في مصيبة نزلت به»، وهذا يشمل الفرد كما يشمل الدولة، فأفراد المسلمين ليسوا معفيين من المساعدة والمساهمة في جهود التصدي للكوارث والإغاثة قال ﷺ: «من ضار أضر الله به، ومن شاق شاق الله عليه»، وعلى هذا فواجب الدولة الإسلامية تعين لجنة من المختصين في كل ولاية يكون عملها على أربعة أصعدة:

  1. الأول: العمل المسبق للحد من وقع الكوارث ونتائجها، والتخفيف من أثرها بإجراءات استباقية كإنشاء السدود وشبكات الصرف لمنع الفيضانات، وبناء المساكن والملاجئ وكذلك ما يلزم الرعية من ثقافة عن الزلازل والبراكين والانفجارات كإغلاق صمامات أمان لأنابيب الغاز والنفط وبرامج إرشاد الرعية لكيفية التصرف الصحيح حال حصول الكوارث.
  2. الثاني: وضع خطط العمل للكوارث كتدريب وتهيئة طواقم الإغاثة المختلفة ومن قوات خاصة شرطة وجيش، وكذلك تطوير وسائل إنذار مبكر وخطط إخلاء، وخطط لتأمين وتوصيل المؤن والمواد الغذائية والمعدات للمنكوبين، وخطط لمعالجة آثار الكارثة الطبيعية أو الحربية حال حصولها.
  3. الثالث: التعامل مع الكارثة: بنقل طواقم ومعدات الإغاثة الأولية إلى المناطق المنكوبة، ومواصلة دعمها للبحث عن الضحايا وإنقاذهم، وتزويد المناطق المنكوبة بالاحتياجات الإنسانية الأساسية أو نقل السكان إلى مناطق آمنة أخرى.
  4. الرابع: إصلاح نتائج الكارثة: تقوم اللجان بعد الكوارث بوضع خطط للتعامل مع نتائج الكارثة بعد جهود الإغاثة الأولية لإعادة وضع المناطق المنكوبة إلى ما كانت عليه قبل الكارثة بإعادة إصلاح البنى التحتية والمباني المتضررة، وإعادة تأهيل المناطق المنكوبة وتعميرها.

يقول ﷺ: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى».

وقد روي عن أن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه– أمد الأعراب في عام الرمادة بالإبل والقمح والزيت من كل أرياف المسلمين، فقد “كتب عمر –رضي الله عنه– إلى أبي موسى بالبصرة وكتب إلى عمرو بن العاص بمصر وإلى سعد بن أبي وقاص في العراق ومعاوية في الشام وعالج قضية القحط عام الرمادة فنحن أمة واحدة لا تقطعها حدود كما هو حاصل اليوم، حيث قطعتنا الحدود والسدود، وفرقتنا الدول الكافرة، ومنعتنا القرارات الدولية، فأيّنا يستطيع عبور الحدود لإنقاذ أهل الشام، وأينا يستطيع السفر إلى اليمن ومساعدته، وأينا يستطيع السفر لفلسطين ومساعدتها، وأينا يستطيع السفر لباكستان أو أفغانستان ليغيثها وأين يأمن على مال يجمعه لإيصاله؟، ألا قاتل الله الأنظمة وقاتل الأمم المتحدة ومن أسسها التي لا تسمح بالتبرع بالأموال إلا من خلالها، لتسرق ما تريد وتعطي من تريد، وتحرم من تريد، لتكشف من عنده ذرة من نخوة لمسلم وحرص الأخ على أخيه، ولتعرف توجهه وميوله لتصنفه أو تصفية.

أيها المؤمنون: أن إمكاناتنا المادية والبشرية كفيلة بأن نعالج كل قضايانا، وكل نوازلنا وكوارثنا دون تدخل من أحد، فأمة الإسلام امة عظيمة بدينها لا تحتاج لفرق الإنقاذ والإغاثة التابعة للدول الكافرة، لذلك يجب منعها من دخول البلاد متسترة تحت شعارات الإنسانية وإغاثة المنكوبين، ولكنها في حقيقتها تعمل للصد عن سبيل الله، فغالبا ما تستغل الكوارث للتبشيري والتنصير كما حصل بعد التسونامي في إندونيسيا، أو خطف الأطفال كما حصل مع المنظمة الفرنسية في تشاد، او دعم المتمردين وإثارة الفتن كما حصل في دارفور في السودان، فضرر هذه المنظمات قطعا أعظم من نفعها.

وفي المقابل، إذا كانت الكارثة في دولة من دول الكفر، فإن للدولة الإسلامية أن تساعد في الأعمال الإغاثية بإرسال الطواقم المختصة أو المساعدات، وفق ما يراه الخليفة من مصلحة للدولة وللدعوة إلى الإسلام، على أن لا تؤدي هذه المساعدات إلى تقوية الدولة المنكوبة عسكريا، هذه هي الرعاية الحقيقية وهي الرعاية التي أوجبها الله على خليفة المسلمين، في دولة الخلافة حيث تنعم الامة بالرحمة والعدل والطمأنينة وتوفير الحاجات الأساسية التي أوجبها الشرع للإنسان، ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

الخطبة الثانية

الحمد لله..

فيا إخوة الإيمان: منذ مائة عام وأم الإسلام تعيش سلسلة من الكوارث ومن أعمها كارثة هدم الخلافة الإسلامية وتمزيق أمة الإسلام وتسلط الحكام وإضاعة الأموال، وكارثة تنحية أحكام الإسلام وتوقف إقامة الحدود، وكارثة إفساد الأسرة والمرأة والأجيال، وكارثة سيطرة الكافر المستعمر على أرض الإسلام، وكارثة الاستهزاء بالنبي وتمزيق القرآن، وكارثة استمرار احتلال المسجد الأقصى.

هذه الكوارث أخبر عنا النبي ﷺ فقال: «لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل القتل»، وعلى هذا فحق على من عقل عن نبيه ﷺ هذه الأخبار، وسمع وشاهد مثل هذه الزلازل أن يسعى لعمل الآخرة حق سعيها، وأن يسابق عمره بالعمل الصالح الذي يقربه عند ربه زلفى وخير الأعمال الدعوة إلى الله وإقامة حكمة بخلافة على منهاج النبوة الدعوة والعمل لكسر الحدود لإغاثة أهل تركيا واليمن والشام الجريح واستدفعوا البلاء بكثرة الاستغفار، وارجعوا إلى ربكم حقا وصدقا، كما رجع خيار أئمتكم الذين جمعوا العمل الصالح مع الخوف من الله في أزماتهم.

الدعاء..

خُطب مُختارة.. ذات صِلة:

  1. ↵ الأولى: خطبة جمعة مؤثرة عن الزلازل – مكتوبة
  2. ↵ الثانية: خطبة (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) مكتوبة
  3. ↵ الثالثة: –لنفس الموضوع–: خطبة عن الزلازل – آيات وعبر

الآن؛ وبعد خطبة الأسبوع هذه؛ والتي تحدَّثنا فيها في رِحاب قول ربنا ﷻ ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾. يُمكنكُم أن تطلبوا المزيد من خطب الجمعة في التعليقات أدناه.

أضف تعليق

error: