خطبة: فضل الصبر على البلاء وأسباب دفعه «مكتوبة» مُحْكَمة

خطبة جمعة مكتوبة , فضل الصبر على البلاء وأسباب دفعه «مكتوبة» مُحْكَمة

وكما تناولنا هذا الموضوع من قبل، وبشكل كبير؛ نُكمِل اليوم مع خطبة: فضل الصبر على البلاء وأسباب دفعه. وهي -كما تعوَّدتم معنا- خطبة مكتوبة ومُحْكَمة المعاني والألفاظ والمواعِظ، وبليغة الكلمات والعبارات والفصاحة.

أدعوكم الآن لتنهلوا منها ما يطيب لكم، أو كلها؛ سائلين الله ﷻ لنا ولكم كل التوفيق.

مقدمة الخطبة

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾.

﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً﴾.

﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً.يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾.

الخطبة الأولى

أما بعد عباد الله؛ فقد اقتضت حكمة ربنا الحكيم العليم أن يبتلى عباده في هذه الدار بالمصائب والبلاء والمحن في أنفسهم وأموالهم وذرياتهم وجميع شئونهم قال ﷻ: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾.

وقال ﷻ: ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم﴾. وقال ﷻ: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم﴾.

فجعل الله ﷻ هذه الدار ممزوجة ببلائها وراحتها ممزوجة بعنائها ولذتها بآلامها وصحتها بسقمها وفرحها بغمها فهي دار ابتلاء وامتحان، فوطن نفسك أيها المسلم على ما يصيبك من البلاء والمصائب واصبر على ما أصابك فإن ذلك من عزم الأمور، وارض عن ربك وتب إليه توبة نصوحاً وقم بالأسباب التي شرعها الله لرفع ذلك عنك ودفعه، واعلم أن اصابتك بالبلاء والمصائب خير لك إن اتقيت الله لقول النبي ﷺ: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له» — رواه مسلم.

وقال ﷺ:«ما يصيب المسلم من نصب -وهو التعب- ولا وصب -وهو المرض- ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يُشاكها إلا كفًر الله بها من خطاياه» — متفق عليه.

وفي المتفق عليه أيضاً قال ﷺ: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطً الله ﷻ به سيئاته كما تُحط الشجرة ورقها».

وهي سبب لرفعة الدرجات وعظم الثواب قال النبي ﷺ: «يودُ أهلُ العافية يوم القيامة، حين يُعطى أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قُرضت بالمقاريض» — رواه الترمذي بسند حسن.

وقال النبي ﷺ: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله ﷻ إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط» — رواه ابن ماجه والترمذي بسند حسن.

وقال النبي ﷺ: «إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه مما يكره حتى يُبلًغه إياها» — رواه أبو يعلى، وابن حبان بسند صحيح.

وقد يكون الابتلاء يا عباد الله دليلاً على قوة الإيمان وكماله يدل له ما رواه ابن ماجه والترمذي بسند صحيح عن مصعب بن سعد عن أبيه -رضي الله عنه- قال: قلتُ: يا رسول الله! أيُ الناس أشدُ بلاءً؟ قال: «الأنبياءُ! ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة».

قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- مبيناً حكمة وثمرة ابتلاء الله لعباده بالمصائب والمحن: ومن رحمته؛ أن نغص عليهم الدنيا وكدرها لئلا يسكنوا إليها ولا يطمئنوا إليها ويرغبوا في النعيم المقيم في داره وجواره فساقهم إلى ذلك بسياط الابتلاء والامتحان فمنعهم ليعطيهم وابتلاهم ليعافيهم وأماتهم ليحييهم.

وقال أيضاً: فما أصاب العبد من مصيبة قط دقيقة ولا جليلة إلا بما كسبت يداه وما يعفو الله عنه أكثر وما نزل بلاء قط إلا بذنب ولا رفُع بلاء إلا بتوبة ولهذا وضع الله المصائب والبلايا والمحن رحمة بين عباده يُكفًر بها من خطاياهم، فهي من أعظم نعمه عليهم وإن كرهتها أنفسهم، ولا يدري العبد أيُ النعمتين عليه أعظم: نعمته عليه فيما يكره أو نعمته عليه فيما يحب..

أسباب دفع البلاء

والواجب على المسلم عند نزول البلاء والمصائِب به أن يصبر عليها ويحتسب وأن يدفعها بما أرشد إليه الشارع من الأسباب؛ ومنها:

توحيد الله ﷻ والإخلاص له: فهو أعظم دافع للبلاء، وأسرع مُخلًص من الكروب، فقد فزع يونس بن متى -عليه السلام- إلى الله بدعاء التوحيد وإفراد الله بالعبادة، وتنزيهه سبحانه واعترافه بالذنب، فنجاه من الغم قال ﷻ ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين﴾.

وقال ﷻ: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجًاهم إلى البر إذا هم يُشركون﴾ وقال ﷻ: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور﴾.

قال ابن القيم -رحمه الله-: لا يُلقي في الكرب العظام سوى الشرك، ولا يُنجي منها إلا التوحيد، وقد علم المشركون أن التوحيد هو المنجي من المهالك ففرعون نطق بكلمة التوحيد عند غرقه لينجو، ولكن بعد فوات الحين.

ومنها: الصلاة بخشوع وطمأنينة: فعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: خسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ فصلى بالناس…، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثم قام فخطب الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا للصلاة» — متفق عليه.

قال الإمام النووي -رحمه الله-: قوله ﷺ: «فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة»، وفي رواية: «فصلوا حتى يُفرًج الله عنكم»، معناه: بادروا بالصلاة وأسرعوا إليها، حتى يزول عنكم هذا العارض الذي يُخاف كونه مقدمة عذاب.

وفي صحيح البخاري قال رسول الله ﷺ: «دخل إبراهيم قرية فيها جبار من الجبابرة، فقيل له: إن ها هنا رجلاً معه إمرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة وقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني عنك، فأخبرته أنك أختي، فلا تكذًبي حديثي، فأرسل إليها، فلما دخلت إليه قام إليها، قال: فأقبلت تتوضأ وتصلي، وتقول: الله إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تُسلط عليَ هذا الكافر، قال: فغُطً حتى ركض الأرض برجله -يعني أنه اختنق حتى صار كأنه مصروع-، فقال: ادعي الله ولا أضرك، فدعت الله فأُطلق، ثم تناولها ثانية، فأُخذ مثلها أو أشد، فال: ادعي الله ولا أضرك، فدعت فأُطلق، فدعا بعض حجته، وقال: إنكم لم تأتوني بإنسان، إنما أتيتموني بشيطان! فأخدمها هاجر فأتت إبراهيم، فالت: رد الله كيد الكافر. أو الفاجر. في نحره وأخدم هاجر».

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: وفي الحديث… أن من نابه أمر مهم من الكرب ينبغي له أن يفزع إلى الصلاة.

وقال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا، ولا سيما إذا أُعطيت حقها من التكميل ظاهراً وباطناً، فما استُدفعت شرور الدنيا والآخرة ولا استجلبت مصالحها بمثل الصلاة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون.أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيهم من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

هنا كذلك: خطبة عن الصبر على البلاء وعلى أقدار الله – مكتوبة ومؤثرة

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد.. عباد الله ومن الأسباب التي يدفع بها البلاء:

ملازمة الاستغفار: فالاستغفار من أهم أسباب دفع البلاء، قال ﷻ: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾.

قال أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه-: أمانان كانا على عهد رسول الله ﷺ، رُفع أحدهما وبقي الآخر: ﴿و ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾.

يعني أن الله امن الأمة من أن يعذبها بأمانين الأول وجود النبي ﷺ بينهم، والثاني استغفارهم فهو أمان لهم من العذاب أيضاً، فمات النبي ﷺ وبقي الاستغفار فهو أمان من عذاب الله في كل وقت وأوان.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: أما العذاب المدفوع، فهو يعم العذاب السماوي، ويعم ما يكون من العباد، وذلك أن الجميع قد سماه الله عذاباً.

ومنها الدعاء بتضرع وإلحاح: فالدعاء من أقوى الأدوية لدفع البلاء، يدل قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: الدعاء سبب يدفع البلاء، فإذا كان أقوى منه دفعه، وإذا كان سبب البلاء أقوى لم يدفعه، لكن يخففه ويضعفه.

وقال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: الدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله.

ومنها الإكثار من الصدقة: فإن الصدقة من أهم أسباب دفع البلاء قبل وقوعه، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المُصلى، فمر على النساء، فقال: «يا معشر النساء تصدقًن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار» — الحديث متفق عليه.

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: وفي هذا الحديث من الفوائد.. أن الصدقة تدفع العذاب.

وقال العلامة ابن القيم: للصدقة تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو ظالم، بل من كافر، فإن الله ﷻ يدفع بها عنه أنواعاً من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس، خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به، لأنهم جربوه.

وقال أيضاً -رحمه الله-: في الصدقة فوائد ومنافع لا يحصيها إلا الله، فمنها أنها تقي مصارع السوء، وتدفع البلاء حتى إنها لتدفع عن الظالم.

ثم اعلموا أن الله ﷻ أمركم بأمر عظيم بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، فقال جل من قائل عليماً: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾.

وأقِـم الصَّـلاة..

إخواني الخطباء؛ قدمنا لكم في هذه الصفحة خطبة عن فضل الصبر على البلاء وأسباب دفعه. وهي من إلقاء فضيلة الشَّيخ الدكتور علي بن غازي التويجري -جزاه الله خيرا-. وهنا أيضًا نص خطبة الجمعة.. في رحاب قول الله ﷻ ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾. ونسأل الله الكريم اللطيف ﷻ أن ينفع كل من قرأ هذه الخطبة أو نشرها أو ساعد نشرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: