خطبة: حفظ اللسان عن السب والفحش

خطبة الجمعة , حفظ السان عن السب والفحش , خطب مكتوبة

نعم يا أخي الإمام، هذه خطبة جمعة —مكتوبة— بعنوان: حفظ اللسان عن السب والفحش. ولعلك ترى وتسمع ما آلت إليه الأمور، من فُحش الألفاظ والسَّب والشَّتم، وكذلك ترويج الشائِعات والأكاذيب والمشي بالغيبة والنميمة بين الناس.. وغيرها الكثير من الآفات الشنيعة التي يتسبب فيها اللسان.

هنا، والآن؛ جِئتُك يا صديقي بهذه الخطبة الجميلة، لعلها أن تكون ناقوس خطر يدق في قلوب من يستمعها ويقرأها.

عناصر الخطبة

  • الإسلام دين مكارم الأخلاق، وهو دين اللطف والرحمة.
  • وجوب حفظ اللسان عن السب والفحش والبذاءة واللعن.
  • خطورة آفات اللسان وأثرها السلبي على العلاقات الاجتماعية.
  • آفات اللسان منها ما يستوجب العقوبة في الدنيا ومنها ما يستوجب العقوبة في الآخرة.

الخطبة الأولى

الحمد لله..

يقول الله ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾.

لقد ربط الله ﷻ في هذه الآية بين تقوى الله ﷻ، والقول السديد الذي يصلح ولا يُفسد، يبني ولا يهدم وما ذاك إلا لأن صلاح اللسان من أهم الأسباب التي تؤدي إلى صلاح النفس وصلاح القلب وبالتالي تحقيق التقوى، فاللسان والقدرة عن التعبير عن مكنونات النفس ومشاعرها من أعظم النعم التي امتنَّ الله ﷻ بها على عباده، وهذه النعم والعطايا تستوجب من المؤمن دوام شكر الله ﷻ عليها.

وشكر الله ﷻ يكون بدوام ذكره واستعمال هذا اللسان فيما أمرنا الله ﷻ به، فقد دعتنا شريعة الله ﷻ لقول الخير والكلام الحسن قال عز شأنه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وأُمرنا أن نختار الكلمة الطيبة التي تسلك بنا سُبُل الهدى، وتجنبنا سبل الردى، حتى ننعم يوم الدين مع الفائزين، وندخل الجنة إن شاء الله آمنين، لا نسمع فيها إلا خيراً، ولا نقول إلا خيراً، قال ﷻ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً﴾، وبذلك نعلم أن توجيه الكلام نحو القول المفيد هو هداية من الله وتوفيق منه، قال ﷻ: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ﴾.

فالكلمة الطيبة تنتج الثمار الصالحة التي تحيي المجتمع وبها يزدهر ويرتقي، وتؤلف بين القلوب وتصلح ذات البين، لذلك شببها الله ﷻ بالشجرة الطيبة قال ﷻ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لذا نرى الفاروق عمر —رضي الله عنه— وهو رجل الدولة؛ ينبهنا إلى أهمية تعزيز ثقافة التواصل اللفظي الإيجابي بين أبناء المجتمع فيقول: “لَوْلَا ثَلَاثٌ لَسَرَّنِي أَنْ أَكُونَ قَدْ مُتُّ: لَوْلَا أَنْ أَضَعَ جَبِينِي لِلَّهِ، وَأُجَالِسَ أَقْوَامًا يَتَلَقَّطُونَ طَيِّبَ الْكَلَامِ كَمَا يُتَلَقَّطُ طَيِّبُ الثَّمَرِ، وَالسَّيْرُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ”.

وكما أن الإسلام حث على طيب الكَلِم ولين الجانب فقد حذّر ونبه من سوء الأدب وبذاءة اللسان، والكلام الخبيث والتعرض للآخرين بالسب والشتم وقد شبّه الله ﷻ الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة التي لا تستند على أساس من الصحة، بل هي قائمة على الكذب والغش والتزوير، قال ﷻ: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ إبراهيم: 24، وقد عدّ النبي ﷺ الكفّ عن أعراض الناس من جوهر الإسلام فقال ﷺ: «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» سنن النسائي.

وعدّ التلفظ بسب الآخرين وشتمهم من الفسوق فقال: « قتال المسلم كفر، وسبابه فُسوق» سنن الترمذي.

فإذا تغافلت المجتمعات عن هدي النبي ﷺ في الكلام وحفظ اللسان، وانتشرت مقالة السوء، وأصبح التواصل بين الناس قائماً على الكذب والشتم واللعن والقذف، فإن ذلك مؤذن بتصدّع بنيان المجتمع، وانهدام أركانه، وانتشار ثقافة الكراهية، ويتبعها بعد ذلك القتال والقتل، ولذلك قيل بأن جرح اللسان، أحدُّ من جرح السِنان.

وقد يرجى لجرح السيف بـرء
جراحات السنان لها التـئـام

وجرح السيف تدمله فيبـرى
ولا برءٌ لما جرح اللســان

ولا يلتام ما جرح اللســان
ويبقى الدهر ما جرح اللسان

من أجل ذلك أكد الإسلام على حرمة التعدي على الآخرين، وأمرنا الله بتحرّي الصدق في كلامنا، وتحرّي الموضوعية في حديثنا وتعاملنا، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، ودعانا إلى استشعار المسؤولية نحو تصرفاتنا وأقوالنا فقال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وجاء في وصية النبي ﷺ لمعاذ بن جبل —رضي الله عنه— في الحديث الذي أوصاه فيه بأركان الإسلام، ومستحباته، ثُمَّ قَالَ له بعد ذلك: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ»؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ».

كما نجد أن حُجَّة الإسلام الإمام أبا حامد الغزالي —رحمه الله—، وهو ممن اعتنى بمجالات التربية وتهذيب النفوس، وفق ما قررته الشريعة المطهرة، يفرد كتاباً خاصاً في كتابه “إحياء علوم الدين” لآفات اللسان، جمع فيه مادة مهمة في استخدام اللسان في طاعة الله ﷻ، وذكر فيه حرص السلف الصالح على أن يكون نطقهم ذكراً.

فمما نقله الإمام الغزالي رحمه الله: “قال عبد الله بن مسعود —رضي الله عنه—: والله الذي لا إله إلا هو ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان، وقال طاووس: لساني سَبُعٌ إن أرسلته أكلني، وقال وهب بن منبه: حق على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه، حافظاً للسانه، مقبلاً على شأنه، وقال الحسن: ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه.

وقال الأوزاعي: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز رحمه الله، أما بعد: فإن من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومن عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه، وقال بعضهم: الصمت يجمع للرجل فضيلتين؛ السلامة في دينه، والفهم عن صاحبه، وقال محمد بن واسع لمالك بن دينار: يا أبا يحيى حفظ اللسان أشد على الناس من حفظ الدينار والدرهم”.

نعم صدق من قال:

احفظ لسانك أيها الإنسان
كم في المقابر من قتيلِ لسانِه

لا يلدغنّك إنه ثُعبان
كانت تهابُ لقاءَه الشجعان

أيها الإخوة الكرام: إن من الأمراض الأخلاقية المنتشرة الآن —وللأسف— وخاصة في مجتمع الشباب، أن نسمع السباب والشتم هنا وهناك، وفي الشوارع والأزقة، حتى في البيوت، ما يُدمع العين ويُؤلم القلب، وقد عرف العلماء البذاءة أنها: التعبير عن الأمور المستقبحة “العورات” بالعبارات الصريحة الواضحة، وهي نوع من أنواع السباب والشتم واستحقار المسلمين ونشر الرذيلة في المجتمع.

وقد وجّهنا النبي ﷺ إلى الابتعاد عن مثل هذه الألفاظ لأنها تنافي كمال الإيمان، ولا تليق بشخصية الإنسان المسلم، أن يتنزل بألفاظه إلى درجة الانحطاط، فقال عليه السلام: «لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ».

وإن من المظاهر المنتشرة في وقتنا الحاضر هو إطلاق اللسان والثرثرة، والاستخفاف بالكلمة، وإطلاق الإشاعات واتهام الآخرين واغتيال الشخصيات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وغالباً ما تكون هذه الأخبار منقولة دون تدقيق أو تمحيص، فنجد أن بعض الناس يعبر عن رأيه بأسلوب بعيد عن الحياء والخلق والفضيلة – ونسي قول الله ﷻ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ سورة ق18، وكم أحدثت هذه التعليقات الساخرة، أو السب والشتم عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي من ويلات وأحدثت من مشاجرات بين الناس والعائلات بسبب سوء استخدام هذه الوسيلة التي سخرها الله ﷻ للإنسان، فبدل أن نحفظها ونشكر الله ﷻ عليها بحسن استخدامها يقوم البعض باستخدامها الاستخدام الخاطئ.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران: 102.

عباد الله: إن من أساليب تطهير اللسان من آفاته والتعدي على الآخرين بالسب والشتم والاتهامات الباطلة أن يعود المسلم نفسه دائماً على ترك فضول الحديث، والمواظبة على ذكر الله ﷻ، فاللسان الذي تعود على ذكر الله ﷻ، لن يشتم عباد الله، واللسان الذي واظب على الصلاة على النبي ﷺ، لن ينطق إلا بخير، وهو دليل على صفاء النّية وقوة الإيمان، فمن أحب شيئاً أكثر من ذكره، ومن أكثر من ذكر شيء أحبه، فكثرة الذكر لله ﷻ ولنبيه ﷺ، يزيد الإيمان في القلب ويغذيه، وأما من داوم لسانه على السب والشتم، فقلبه فارغ مُظلم وهو دليل على نقص التقوى والإيمان في القلب، لذلك كانت عقوبتهم في الآخرة من جنس عملهم، فقال النبي ﷺ «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة»، صحيح مسلم، فالشفعاء والشهداء يحتاجون إلى لسان يشفعون به لمن يحبون أمام الله ﷻ، ومن تعود لسانه على السب والشتم واللعن في الدنيا، لن ينطق بخير في الآخرة.

وها هو النبي صلوات الله عليه، يصوب الأخلاق بتنزيه الألسن بالبعد عن السب واللعن، حتى ولو كان الشخص الذي سيتوجه له اللعن من العصاة؛ لأن السب والشتم تقود إلى العداوة والبغضاء، لذلك كان السب والشتم سبباً للإفلاس في الآخرة، يستوجب عقوبة الله ﷻ ،فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ —رضي الله عنه— قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ؟». قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ ، وَصِيَامٍ ، وَزَكَاةٍ، وَيَأتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ [مِنْ الْخَطَايَا] أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» صحيح مسلم.

فعلى كل واحد منا أن يقف أمام مسؤوليته اتجاه نفسه ومجتمعه، وأن يحفظ حقوق أبناء المجتمع وكرامتهم، وأن يبتعد عن الانتقاص من قدر الآخرين بالسب والشتم، تأسياً بفعل نبيهم ﷺ، وفعل الصحابة —رضي الله عنهم— الذين عرفوا خطورة هذه الآفة، فالتزموا بالورع والتقوى الذي عمَّر قلوبهم، وقوَّم ألسنتهم، فكان أبو بكر الصديق —رضي الله عنه— يُشير إلى لسانه ويقول: “هذا الذي أوردني الموارد”.

وكان ابن عباس —رضي الله عنهما— يأخذ بلسانه ويقول: “ويحك قل خيراً تغنم، واسكت عن سوء تسلم، وإلا فاعلم أنك ستندم”.

اعلموا عباد الله؛ أن الواجب علينا أن نحفظ ألسنتنا لنحصل على الغُنم ونسلم من الغُرم والندم وبذلك نسعد في حياتنا وبعد مماتنا.

والحمد لله رب العالمين..

خُطب جمعة مُميَّزة عن نفس الموضوع

بعد أن اطَّلعتم على الخطبة أعلاه، نود أن نوفر لكم المزيد من الخطب ذات المحتوى المُشابه عبر موقع المزيد.كوم؛ ومنها:

وفقنا الله وإياكم لكل خير.


التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: