تربية الأطفال.. بين الثواب والعقاب

تربية الأطفال.. بين الثواب والعقاب

تختلف تربية الأطفال في الدول العربية والإسلامية من طبقة اجتماعية إلى أخرى وحسب ظروف كل بيئة من الناحية الاقتصادية والمادية، فأطفال الفقراء يتلقون تربية تختلف في الغالب عن تربية الأطفال الذين وُلدوا لآباء موسرين وأغنياء.

الطفل الفقير يتربى في كنف أسرة تنقصها الوسائل المادية لتوفير تربية عصرية حديثة ومنفتحة، لكنه بالمقابل قد يتلقى تربية محافظة ومرتكزة على الأخلاق الطيبة رغم فقر الأسرة وحاجتها للمال.

أما أطفال الأسر الغنية فإنها لا تجد أدنى صعوبة في توفير اللوازم المادية المرافقة للعملية التربوية، حيث لا يعاني الأب من أي مشكلة في هذا الصدد، غير أنه بالمقابل قد يجد أعسر المشكلات في تربية ابنه بسبب الدلال والحرية الزائدة عن الحد التي يتشربها في أحضان أسرته التي غالبا ما تلبي كافة طلباته المادية، مما يؤثر على تكوين شخصيته في المستقبل.

اختلاف أنماط التربية

وبالتالي تتأثر تكون تربية الأطفال بالبيئة والوضعية المادية للأسرة، فغالبا ما يتلقى أطفال الأسر الفقيرة تربية قاسية أو تفتقد إلى الحنان والعطف بسبب انسياق الأبوين لتوفير لقمة العيش أكثر من التفكير في تربية الأبناء خاصة إن كانوا كثرا، في حين أن أطفال الأغنياء يمتلكون المال ولكنهم قد يسقطون في مشكلة الدلال الزائد عن الحد، مما يفسد تربيتهم ويؤثر عليهم في مستقبل حياتهم.

وكلتا الطريقتين في التربية، أي القسوة أو الحنان المفرط، تتضمنان مساوئ عديدة في تكوين شخصية الطفل، حيث يعتبر التربوي المغربي المصطفى سنكي أنهما طريقتان غير صائبتين، فالقسوة الشديدة تخنق أنفاس الأبناء، وتفوت عليهم الفرصة للتعلم من خلال ارتكاب الأخطاء، وبالتالي اكتساب الثقة في القدرات الشخصية، والإهمال تهرُّب من المسؤولية وإخلال بالواجب الذي أُمِر به الآباء شرعا وعقلا وقانونا..

ويرى الباحث التربوي أن غياب الحوار والتفاهم بين الأبوين قد يؤدي إلى اعتماد مقاربات متناقضة في تربية الأبناء، كأن يلجأ أحدهما لأسلوب اللين، بينما يعتمد الآخر أسلوب الحزم، فيظهر الأبوان أمام الأبناء متناقضين فيتنازعان ويختصمان وأحيانا بحضور الأبناء وتضيع رمزيتهما التربوية.

واقرأ هنا عن: الأسس الصحيحة التي يجب أن تقوم عليها تربية الأطفال

الثواب والعقاب

ومن أساليب التربية التي تشكل تحديا أمام الآباء مسألة الجزاء والعقاب للأطفال، حيث يعتقد بعض المُربين أن العقاب يجب أن يكون في كل وقت وحين، وكلما أخطأ الطفل خطأ ولو كان صغيرا، لكن الصواب أن العقوبة لها شروطها وحيثياتها التي تجعلها وسيلة تربوية ناجعة عوض أن تكون وسيلة لا تربوية تؤثر على سلامة شخصية الطفل.

وفي هذا الصدد، يشدد الخبير التربوي عبدالسلام الأحمر على أهمية العقاب في التربية، بحيث يمكن المتربي من التنشئة على تحمل المسؤولية والوعي بالعواقب الناجمة عن السلوك الخاطئ، والذي تلازمه نتائجه الضارة بالنسبة لمرتكبه وبالنسبة لمحيطه البشري والبيئي، لكن الارتباط بين الفعل ومآلاته قد لا يكون واضحا وعاجلا، فإذا كانت الآثار آجلة خفيت العلاقة بين الخطأ وعاقبته، مما يستدعي ترتيب نتيجة مؤلمة قريبة ومنضبطة هي العقوبة التي يمارسها المربون على النشء.

ويحدد الإخصائي المغربي بعض التوجيهات الرئيسة ليكون العقاب نافعا في حق الطفل صغير السن، ومنها: تعدد أنواع العقوبات والتدرج في استعمالها نحو الإيلام البدني؛ فيمكن حرمان الطفل من بعض محبوباته، وتركه أحيانا يقع في نتائج عمله المقلقة بحسب تقدير كل حالة، كما يمكن إظهار الغضب من عمله أو عتابه عليه إذا كان ذلك مجديا، ويمكن معاقبته بحصره في مكان معين لمدة وجيزة وكافية لإشعاره بأنه في حالة عقوبة، والأفضل حسب الأحمر أن تتاح له الفرصة ليختار بنفسه بين متعدد من العقوبات حتى يقتنع أكثر بأنه يستحق التأديب على ما فعل.

ويرى الباحث المغربي أنه من التوجيهات التي يجب أن تصاحب أسلوب العقاب: تعليم الطفل الرحمة والسماحة والعفو والحلم بالتجاوز عن العقاب البدني إلى غيره أو التخفيض في العقوبة، كأن يقول له مؤدبه «بدل أن أحرمك من لعبتك يوما كاملا فإني سأحرمك منها نصف يوم فقط لأنني واثق من أن ذلك كاف لإشعارك بأن العمل الذي قمت به غير صحيح أو غير محمود».

وتجِد هنا كذلك: تربية الأبناء في غياب الأب

التربية بالحوار

وتشكو كثير من الأسر عدم وجود حوار بين الأطفال والآباء والأمهات، وإن وُجد الحوار فإنه يكون حوار الطرشان أحيانا بسبب غياب أسس ودعائم فهم آليات الحوار لدى الطرفين خاصة من طرف الأب الذي يعامل طفله ويربيه على كونه نسخة ثانية منه، ويتصرف إزاءه كمن يتصرف في بضاعة تابعة له أو كائن عليه أن يطيع وينفذ دون تعليل ولا تبرير ولا إبداء رأي.

ويعتبر الحوار من أنجع الوسائل التربوية، إذا تمت ممارسته وفق مجموعة من الشروط حددها الخبير التربوي عبد السلام الأحمر في بضع نقاط منها:

  • احترام المربي لرأي الطفل وعدم تخطئته دون أدلة مقنعة، فإذا ضاق صدره بالرأي المخالف وترجم ذلك إلى تضجر وتوتر فشل الحوار ولم يفض إلى نتائجه.
  • على الوالدين فتح صدريهما للأبناء وحسن الاستماع لهم، وهم يدلون بأفكارهم ويعبرون عن مواقفهم الشخصية، وعدم الامتعاض منها أو الانزعاج من غرابتها، والرد عليها بما يكشف عوجها أو بعدها عن الصواب، وتعويد الأبناء على الحوار منذ بداية نطقهم حتى ينشأوا على حبه والولع به لأن تأخيره إلى سن متأخرة يقلل من حظوظ نجاحه.
  • اعتبار المربي كل فشل في الحوار بسبب سوء توظيفه له، أو تسرعه في الوصول إلى النتائج المنتظرة وقلة الصبر على المحاور، حتى لا يتهم الطفل بأنه هو السبب، لأن الطفل لا يلام على كثرة أخطائه وبعد رشده، وإنما يلام مربوه الذين لم يحسنوا مخاطبته بما يغير سلوكه.

ويؤكد المتحدث أن طفل اليوم غير طفل الأمس، فهو كثير الأسئلة ولا يتقبل ما لم يقتنع به ويستبين أهميته في حياته، وفي المقابل نجد الآباء منغمسين في مشاغل الحياة ومشاكلها، مما يجعل حوارهم لأبنائهم نادرا ومتسما بالتوتر والعزوف عن الاستمرار إلى حين تحقق النتيجة المرجوة، وتجدر الإشارة إلى أن وجود جهاز التلفاز بغرفة الأكل واجتماع الأسرة مانع ومخرب للحوار بين الوالدين وأبنائهما، مما يستوجب ضبط تشغيله وإيقافه قصدا لفسح المجال أمام حوار أسري هادئ ومتواصل.

ويرى الأحمر أن من نتائج الحوار: تعرف كل من المتحاورين على وجهة نظر الطرف الآخر، وتمييز نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف بهدف تقليص دائرة الاختلاف إلى أدنى ما يمكن بحيث يظل في بعض الجوانب الهامشية ولا يطول الثوابت التي تجتمع عليها الأسرة وتمثل أساس العلاقة بين أفرادها.

وهنا نطَّلع على: مشاجرة الأبناء كيف نحلها؟

عادات تحرم الفتيات

وتلعب العادات دورا سيئا في متابعة كثير من الفتيات القرويات الصغيرات للتربية والتعليم بالمدارس، حيث تتحدث الإحصائيات الرسمية عن 17٪ تقريبا فقط من فتيات البوادي والقرى بالمغرب ممن يتابعن تعليمهن بشكل عادي ومستمر، في حين تبلغ النسبة العامة لتمدرس الفتاة بالمغرب زهاء 60٪ في مدنه وقراه معا.

ومن بين أسباب هذا الوضع: الفكر الذي يؤمن به بعض الآباء في البوادي بأن مكان الفتاة هو بيتها ولا داعي لأن تتعلم أو تتربى، فتربيتها ستكون في بيت زوجها حين تكبر، فيتم حرمانها من التعليم بسبب هذه العادات التي تتفشى في القرى المغربية رغم أنها لم تعد بذلك الزخم والتأثير كما كانت في سنوات خلت.

وفي هذا السياق، يعتبر الباحث المغربي محمد أرجدال أن «جهل الآباء بإيجابيات التعليم يحدو بهم إلى القول بعدم أهمية تمدرس الفتاة مادام مصيرها المكوث بالبيت، لكنهم يغفلون حقيقة مهمة حتى بالنسبة للنهوض بمسؤولية البيت بما في ذلك تربية الأطفال. فالأم تحتاج إلى قسط من التعليم ليتسنى لها الاضطلاع بمسؤولية الأمومة في ظروف حسنة».

ويردف أرجدال بأن «الآباء يعتبرون تعليم الفتاة أمرا يحدث اضطرابا في تماسك المجتمع القروي الشيء الذي لا ينسجم مع قيم الأنوثة وخصوصياتها، بالإضافة إلى العديد من المبررات الواهية كالحرص على عرض الفتاة ورفض الاختلاط واعتبار المدرسة مضيعة لمستقبل الفتاة حيث تحول بينها وبين مهام الزوجة والأم المستقبليتين».

بقلم: حسن الأشرف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى