اسمحوا لي أن أختار طريقي

صديقتي س. تسكن في إحدى المدن الأمريكية الكبرى على عكسي. هاتفتني في أحد الأيام وهي مهمومة. كنت أشكو لها مللي من الضغط الدراسي وشوقي لأهلي.. لا زالت ن. في مرحلة اللغة وأقول لها: «استمتعي استمتعي»..

كانت قبل الذهاب لأمريكا تحدثني عن خوفها من مواجهتها مع الذات.. ولكن هذه المرة قالت ببساطة: «كل شيء متوفر هنا.. كل ما أريد إنجازه.. لكني لا أملك حق الاختيار! كل ما أريده هو أن أختار مصيري». ااه كم آلمتني يومها واستصغرت ذاتي وشكواي.

قالت س.: «في الرياض لم تكن ظروفي العائلية تسمح لي بالمشاركة في الكثير من الأنشطة وتطوير ذاتي لأسباب كثيرة. وأنا هنا في أمريكا التي من المفروض أن تكفل لي حق تحديد مصيري.. لكني لا أملك ذلك.. ما زلت لا أملك حق اختيار ما أريد أن أفعل في وقت فراغي أو الجامعة التي أريد الدراسة بها أو أي شيء بسبب وجود أخي معي».

حاولت تهدئتها وقلت لها أنت المتحكم الأساسي في حياتك وأنك حرة بمنحك لأهلك حق تحديد مسار حياتك وأن بإمكانك أن تواجهيهم بما تريدين وتتحملي النتائج سواء كانت إيجابية أو سلبية. لكنك اخترت أن تستمعي وتحترمي رغباتهم وتنفذيها بغض النظر عما إذا كان هذا القرار صائبا أم لا، وهو في رأيي ليس قرارا خاطئا فأنا أخضع للكثير من رغبات والدي إذا لم نستطع الوصول إلى حل وسط لأسباب عدة أهمها ثقتي بهما وأني مدينة لهما لما أنا عليه اليوم.

أعترف أن المحاولة كانت ناجحة في إعطاء س. دفعة إيجابية بعض الشيء. ولكن ما زلت لا أعلم إن كان ما قلته لها صحيحا أم لا! فكلما حاولت استرجاع تفاصيل تلك المكالمة أجد أن الهدف الرئيسي كان إخراجها من الحالة السلبية التي كانت تعيشها. هذه الحرية الخاصة من يكفلها؟ من السبب الرئيسي في أن س. تمشي طوع رغبات أهلها لا رغباتها هي؟. هل المشكلة في س.؟ أم أهلها؟

الكثير مما نطالب به من الحريات الخاصة كنساء سببها الرئيسي هو المجتمع.. المجتمع.. المجتمع.. ثم النظام. والدليل أن س. تسكن أمريكا التي تحمي حقها تماما لا تشعر بحريتها.. وأمثالها كثيرون.

فلو كانت س. قامت بما تريد.. قد تتسبب في الكثير من المشاكل بينها وبين أهلها أو قد تخسرهم.. هل يستحق ما تبحث عنه هذا؟ بالتأكيد لا.. وإلا لكانت فعلت ذلك.

وأهل س. ليسوا مختلفين في ما يقومون به.. صور كثير من النساء المقهورات نراها كل يوم أمامنا.. هنا وفي أمريكا.. الكثير منهن منعهن أزواجهن من الدراسة بحكم «الاختلاط» الذي «يبيحه لذاته ويحرمه عليها».. الكثير من النساء السعوديات هناك حبيسات المنازل دون القدرة حتى على الذهاب للسوبرماركت.. واللجوء للقضاء سيجعلها «مطلقة» لتعود إلى مجتمع يتهمها بألف تهمة ويعيبها بمليون عيب ثم يلفظها خارجه.

المجتمع الذي لا تزال فئة منه تعامل المرأة ككائن حي لا يستطيع اتخاذ القرار.. وإذا أراد البعض أن يهين الرجل يعيره بتشبيهه بالـ «حريم»! وإذا أراد مدح المرأة يقول لها: «عن ألف رجال»..

كم يحتاج هذا المجتمع حتى يتغير؟ وهل سيتغير يوما؟ وهل وضع أنظمة تكفل للمرأة حقوقها كاملة ستنهي هذا أو تساعد في إنهائه أو هل يسوء؟

بقلم: نجلاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: