أن تعيش في ظل أحدهم

كان «المتنبي» ذكيا دقيق الملاحظة، وشده أن كثيرا من الموهوبين والأذكياء لا يعطون ويقدمون الجهد المتلائم مع قدراتهم ومواهبهم، بل ربما كانوا هم أكثر الناس كسلا وخمولا، وأقلهم عملا وجهدا، فقال:

«عجبت لمن له حد وقد / وينبو نبوة القضم الكهام – ومن يجد الطريق إلى المعالي / فلا يذر المطي بلا سنام – ولم أر في عيوب الناس شيئا / كنقص القادرين على التمام».

فكان سيد الشعراء وفيلسوفهم يرى من «له حد وقد» حسب تعبيره أي كالسيف شديد الحدة والوضوح غير أنه يضرب بليونة وضعف، ويرى الإنسان يعرف طريق المعالي غير أنه يترك طريقها ويفضل عليها الخمول والجمود، وأن يبقى حتى ليخول للرائي أنه ضعيف العزيمة كسيرها.

وهذه الظاهرة منذ المتنبي وللأزمان التالية من بعده بل وقبله. وثمة ظاهرة مقاربة ومتاخمة: وهي أن مجموعة ممن تحصلوا العلم والمعرفة والفهم والقدرة الكافية يرضون أن يكونوا فقط إلى جوار شخصيات أخرى يستضيئون بظلها ويعيشون على أكلها ويتفيؤون خيراتها دون أن يصنعوا أشياءهم الخاصة ومدنهم المستقلة.

من حق المعرفة والعلم والثقافة على أصحابها ألا يكونوا مجرد مقلدين أو أتباع أو مقربين مخلصين أو ممن يرددون خلف كل رأي فكري وثقافي «آمين» لمجرد أنهم يعيشون على ظلال أناس آخرين.

لو رضي أفلاطون بأن يكون مجرد تلميذ لسقراط لما كان هو الفيلسوف العظيم أفلاطون، ولو رضي مالك بن أنس بأن يكون مجرد ابن الشيخ أنس الأصبحي لما كان هو الإمام مالك، ولو رضي الغزالي أن يكون مجرد شارح ومعلق على كتب الجويني لما كان هو الإمام الغزالي، ولو رضي ابن تيمية أن يكون جده المجد ابن تيمية لما كان هو شيخ الإسلام.. ولو رضيت هيلاري كلينتون بأن تكون مجرد زوجة رئيس سابق للولايات المتحدة الأمريكية لما كانت هي وزيرة الخارجية الحالية.

بقلم: عبدالله العودة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى