عباس الحيطة.. اللي ما عندهوش ريحة الدم

عباس الحيطة.. اللي ما عندهوش ريحة الدم

أتعرفون (عباس الحيطة) يا قرائي الأعزاء؟.. لا أشك أنكم قرأتم بعضًا من سيرته النضالية العطرة التي دونها الشاعر المتميز أحمد مطر، بشكل فاجع مكثف، يدعو للتقيؤ، هذا إذا لم يدفع للانتحار هروبًا من (خلقة) هذا العباس (اللي ما عندهوش ريحة الدم) والذي اخترعه ببراعة قلم أحمد مطر الذي يقطر وجعًا ساخرًا، وسخرية موجعة!.

وأهم ملامح شخصيته -رغم كونه أستاذًا في الادعاء، والمظهرة، والاعتراض، والشجب- أن عباسًا هذا شخص (جدار) مسلوب الأحاسيس، تلطمه على خده فلا ينتبه، تصفعه على قفاه فلا يهتم!.

هو هكذا وأكثر، بل إن أعداءه ليفعلون به الأفاعيل، ويسوون فيه الهوايل، ويرتكبون معه ما لا يتخيل، وهو (آخر تمام) لا يحمر له وجه، ولا يرف له جفن، ولا يغضب حتى لو رأى امرأته وبناته تحت رجل، ورأى ماله وحلاله في أيدي اللصوص، ورأى أبناء أخيه يذبحون من أعناقهم!.

وهو جميل الشكل، فارع القامة، معجب كثيرًا بنفسه، يرى أنه بُرَم، وأنه خطير، وأنه كبير، وأنه (عايش) بغض النظر عن شكل الحياة التي يحياها، بل إنه كثيرًا ما يكرم اللصوص إذا دخلوا بيته (لينفِّضوه) على أساس أن إكرام الضيف واجب، وأن مكارم الأخلاق العباسية تقتضي الترحيب بالسيد الضيف، حتى لو قال بنفسه إنه يدخل سارقًا!.

ولكم في عباس العبرة

اسبحوا معي في فضاء أحمد مطر قليلاً، وانظروا شيئًا من أخلاق أخينا عباس حفظه الله: عبر اللصُّ إليه وحل ببيتهْ / أصبح ضيفَه ْ / قدم عباس له القهوة.. ومضى يصقل سيفه.. صرخت زوجته: عباس / أبناؤك قتلى.. عباس / ضيفك راودني… عباس / قم أنقذني يا عباس.. عباسُ وراء المتراس.. منتبهٌ لم يسمع شيئًا / زوجته تغتاب الناسْ.

ويبدو أنه في لحظة صحو نادرة الحدوث أحس صاحبنا عباس بشيء من وخز الضمير، المستتر وراء تلال من الهمود، والغباء، وانطفاء الرجولة، وموت المروءة، فحركته شكّة الضمير هذه ليستخدم تكتيكًا جديدًا، يناور به (أعدقاءه)، بعد أن تأمل ما يدور حوله، ووجد أنه لا بد من موقف: اللصُّ دق بابهُ / عباس لم يفتح لهُ / اللص أبدى ضجرَهْ / عباسُ لم يصغِ لهُ / اللص هدّ بابَهُ / وعابَهُ / واقتحم الباب بغير ( إذنه ) وانتهرهْ: يا ثورُ: أين البقرةْ؟ عباس دس كفـه في المخصرة / واستل منها خنجره / وصاح في شجاعةٍ (معتبرة): في الغرفـة المجاورة!! اللص خط حوله دائرةْ / وأنذرهْ : / إياك أن تجتاز هذي الدائرة …

احترم أخونا عباس كلام اللص، لأنه أعطاه كلمة رجال؛ رغم أنه: علا خوار البقرة ْ / خف خوارُ البقرة / خار خوار البقرة / واللص قام بعدما أشبع منها وطرَهْ / ثم مضى وصوتُ عباسٍ يدوي خلفهُ: فلتسقط المؤامرة / فلتسقط المؤامرة / فلتسقط المؤامرة)

ولما تطوع أحد الساخرين وسأل أخانا النشمي عباسًا: – والخنجر : ما حاجتُك به؟ – للمعضلات القاهرة. – وغارةُ اللص؟!. – (ألم ترَه ؟) / لقد قطعتُ دابرَه / جعلت منه مسخرة / انظر: لقد غافلتُه ، واجتزت خط الدائرة !!).

ما قصرت والله، عشت يا أخ عباس، عشت رمزًا للنخوة والرجولة وبعد النظر!.. عشت رمزًا للغيرة ، والمحافظة على القيم ، والموت دون الشرف اللي زي عود الكبريت.

عشت يا أبا الأهوال، يا أبا المراجل والشوارب، عشت يا أبا العوائد ، يا رمز النضال !.. هذه هي النخوة ، وهذه هي البطولة في أبهى تجلياتها !.

أرأيتم؟ لقد غافله عباس البُرَم، واجتاز خط الدائرة! أرأيتم أقسى من هذا قسوة، وأقوى من هذا قوة؟ وأنكى من هذا في العدو أثرًا؟!.

خذوا ما شئتم ومرحباً!

لقد ظللت أرصد بطولات عباس هذا حتى (انفجرت مرارتي) من كثرة مفاجآته، ومواقفه غير المسبوقة في التاريخ!:

  • لقد مزقوا قرآنه -كلام ربه تعالى- ووضعوه في المراحيض، وسخروا منه ومن دينه، وهو يبتسم، ويرسم علامة النصر بإصبعيه، وكأن هذا القرآن لا يعنيه!، رغم أنه يعلن أنه مسلم، يخاف الله في السر والعلانية.
  • لقد اتهموه هو وذريته بالتخلف والإرهاب والظلامية وعداوة الحضارة، وهو لا يبالي، ولا يهتم، لأنه واثق أنه أنظف واحد في الكون، وأن الذين يرمون هذه الاتهامات (مش قصدهم) فهم إما لا يعنونه، أو لا يقصدون هذا الكلام!
  • ولقد أخذوا بناته وحريمه ونساء إخوانه سبايا ومحظيات وسراري، وهو لا يفكر في الأمر؛ على أساس أن ذلك تطور طبيعي، وإنقاذ للعائلة من التلاشي والضياع، وزرع لقيم جديدة، وأخلاق جديدة، ولأنهم مش هايخسوا، بل هايزيدوا!
  • ولقد جوعوا أطفاله، و(فعصوا) رَبعه، وأعدموا إخوانه، وقتلوا بعضهم صبرًا، وأعدموا آخرين بحبس الماء عنهم والطعام، وكان راضيًا عن ذلك تمامًا، لأن له في ذلك فلسفة عجيبة، فأولاده يمكن أن ينجب غيرهم، وربعه ما عاينوا خير، ويستاهلون، وأبناء أخيه هؤلاء (ما اتربوش، ويستاهلوا الأدب، ويستحقوا اللي يجرى عليهم!).
  • ولقد جاء السماسرة فأخذوا بيوت عباس وأراضيه، وميراثه، وما تستحقه ذريته، حينًا بشيء من الثمن الذي يدفعه بشماله ثم يستعيده بيمينه وفوقه بوسة، وحينًا بالهبة، وحينًا (بالدراع)، وحينًا كان يرجوهم أن يأخذوها، فيرفضون حتى يقبل أرجلهم، ويقدم لهم بعض الهدايا!
  • لقد طلبوا من عباس أن ينزل لهم عن عقله، فقال (حلال عليكم) خذوه، هنيئًا مريئًا، واعملوا به ما شئتم.
  • أمروه أن يسلمهم نساءه، فهتف بكل كبرياء: شرفٌ أن أسلمكم شرفي، وعزة أن أسلمكم نسائي.
  • وفرضوا عليه أن يعطيهم أبناءه، فقال: خذوا ما شئتم، ودعوا ما شئتم، وما أخذتم أحب إلي وإلى أهلي مما تتركون!.

وله فينا أجداد

لقد حيرني عباس حيرة شديدة، رغم أني أعرف أن له في تاريخي أجدادًا، ربما تنزعه عروقهم، من أول نشامى طسم وجديس العرب الذين فرض عليهم خصومهم (حق الليلة الأولى) لأي عروس، يفترعونها ويهتكون عرضها قبل أن يدخل بها زوجها، حتى قالت إحداهن بعد أن انتُهكت: ( لا أحد أذل من جديس / أهكذا يفعل بالعروس؟!) مرورًا بالأهبل النعمان بن المنذر، عبد الفرس، الذي كان يعوض كبرياءه السليبة بيوم السعد ويوم النحس، والخائن العربي الأكبر أبي رغال مرشد الفيل، والأحمق جبلة بن الأيهم، الذي استكبر على الإسلام فذُل عند الروم، مرورًا بابن العلقمي، خادم التتر فالمعلم يعقوب خادم نابليون والفرنسيس، وصولاً إلى كثير من اليعاقبة والعلاقمة الذين يجدون تكريمًا لم يلقه أجدادهم السابقون، فإذا كان قبر أبي رغال قد رجمته العرب، وصار عنوانًا للخيانة، فإن آباء رغال المعاصرين يكرمون!.

أرأيتم؟ إنهم يكرمون عباسًا، يعطونه (أجدع) شهادة، يسخرون وسائل الإعلام كلها لتتحدث عنه: عباس خرج / عباس دخل / عباس راح كوبنهاجن / عباس زار تل حبيب / عباس قبض / عباس تألق / عباس أبدع / عباس تقيأ / عباس شاطر / عباس (أجدع كتير) من المعلم يعقوب، ومن ابن العلقمي وكل الجواسيس والعملاء، وليعش عباس، ولتمت الأمة، وليمت تاريخها، وقيمها..

وبصراحة تستاهل، فأمة لا تغضب للقرآن غير جديرة بالحياة!

بقلم: الشيخ عبد السلام البسيوني

⇐ واقرأ أيضًا بعضًا مما لدينا:

أضف تعليق

error: