خطبة: رحمة الله ﷻ وسعت كل شيء

خطبة: رحمة الله ﷻ وسعت كل شيء

عناصر الخطبة

  • الله ﷻ هو الرحمن الرحيم ورحمته شملت كل المخلوقات.
  • الله ﷻ رحيم بعباده وعلى العباد التخلق بصفة الرحمة.
  • الرحمة خلق إسلامي رفيع تجلت في رسول الله ﷺ وفي وصفيه رؤوف رحيم.
  • مظاهر رحمة الله ﷻ لا تعد ولا تحصى لأنها من النعم السوابغ ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾.
  • باب الرحمة في المسجد الأقصى المبارك يذكر المسلمين والناس أجمعين بأن الأقصى مسجد الرحمة والرضوان.

الخطبة الأولى

الرحمة من الأخلاق الإسلامية الفاضلة التي حثّ عليها ديننا الحنيف، ووصف الله ﷻ بها سيدنا محمد ﷺ، قال الله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين} [الأنبياء: 107]، فمدار الأمر كلّه في الإسلام على الرحمة، فالإسلام دين الرحمة، ونبيه نبي الرحمة، وتعاليمه وتكاليفه مبنية على الرحمة، وذلك لأنّ الله ﷻ ما قصد أن يشقّ على الخلق، بل قصد بهم الرفق، وإيصالهم إلى مراتب الكمال والسعادة والهداية بأيسر الطرق وأقربها إليه سبحانه.

وقد ذكر الله ﷻ رحمته في القرآن الكريم في آيات كثيرة، بل إنه سبحانه ابتدأ كتابه بها، فقال سبحانه في مطلع سورة الفاتحة: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} [الفاتحة: 1]، وقال الله ﷻ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم} [الحديد: 28]، وقال سبحانه: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيم} [الأنعام: 54].

وكان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يذكرون رحمة الله ﷻ عندما يدعونه، فإن رحمة الله مفتاح باب الرجاء والدعاء، فهذا موسى عليه السلام يرفع يديه ويقول: { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف: 151]، وهذا أيوب عليه السلام يدعو ربه: { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]، وهذا يعقوب عليه السلام يقول لأبنائه: {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين} [يوسف: 64].

وقد اختار ربنا ﷻ للعباد أن يذكروا رحمة الله دائماً، فإذا وقفوا بين يدي الله في صلاتهم قالوا: {الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم}، وإذا قرأوا القرآن قالوا في بدايته وعند أول كل سورة: {بسم الله الرحمن الرحيم}، لتتعمّق في نفوسهم سعة رحمة الله ﷻ وشمولها لكلّ شيء، وليعلموا بأنّ الله هو الرحمن الرحيم، وأنه أرحم بخلقه من كل أحد.

وقد بين لنا القرآن الكريم مدى سعة رحمة الله ﷻ، وذلك لنتعلق بها، ولا نقنط أو نيأس من رحمة الله بسبب المعاصي والذنوب، فإن رحمة الله واسعة وسعت كل شيء، قال الله ﷻ: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُون} [الأعراف: 156]، فرحمة الله تبلغ ما بلغ علمه، تصيب النملة في جحرها، والجنين في بطن أمه، والحوت في البحر، فعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا، خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ» رواه البخاري.

وجاء عن النبي ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه مسلم، فانظروا أيها المؤمنون إلى سعة رحمة الله، كيف أن هذا الجزء الواحد الذي أنزله الله في الأرض قد شمل كل شيء في الأرض من جميع المخلوقات.

عباد الله: على المسلم الحرص على استجلاب رحمات الله ﷻ والحذر من معصيته التي تؤدي إلى غضبه ﷻ، وبالتالي فإن النتائج ستكون شديدة، والعواقب ستكون وخيمة في الدنيا والآخرة، وعلى المسلم الحريص على سلامته ونجاته من عذاب الله ﷻ وعقابه، أن يتذكر بأن الله ﷻ كما أنه غفور رحيم، فإنه كذلك شديد العقاب بمن عصى وعاند انحرف عن طريق الحق والهداية، قال ﷻ: ﴿حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ غافر: 1–3.

غير أن من مظاهر عظمة رحمة الله سبحانه، أنها سبقت غضبه، وهذا ما بيّنه القرآن الكريم، قال الله ﷻ: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيم} [النور: 14]، وقال الله ﷻ: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلً} [الكهف: 58]، فالله ﷻ يرى أهل الذنوب والمعاصي وهم يفعلون المنكرات وينتهكون الحرمات، ولكن رحمته بهم تسبق غضبه عليهم، فيمهلهم لعلهم يتوبون إليه.

وعن أبي ُهَرَيرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ» رواه البخاري.

ومن سُبل استنزال رحمات الله ﷻ واستشعار مظاهر هذه الرحمات على حياة الإنسان أن يلتزم الإنسان بتقوى الله ﷻ، وأن يعود نفسه وجوارحه على الإقبال على العبادة والإحسان إلى الآخرين بالقول والعمل، فتتجلى في نفسه معاني الرحمة بالآخرين والرفق بهم، عندها سيرى الإنسان مظاهر رحمة الله ﷻ عليه، يقول ﷻ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الأعراف: 56، ويقول النبي ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء» سنن أبي داود.

ولا بد للمسلم أن يبقى على يقين أن الله ﷻ فتح للخلق باب التوبة والمغفرة، حتى لا يقنطوا من رحمته سبحانه مهما أوغلوا في المعاصي واقتراف الآثام، وذلك لأنّ الله ﷻ ليس كالبشر، ولا يشبههم من أي جهة، فإنه سبحانه لا تضره معصية عبدٍ ولا تنفعه طاعة أحد، لكنه يرضى لعباده أعمال الإيمان والطاعات ويكره لهم المعصية والغفلة، فإذا أقبل العاصي منهم رضي به وفتح له باب القبول، قال الله ﷻ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].

وروي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» رواه مسلم.

وقال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ وَالمُنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِين} [هود: 18]» رواه البخاري، وهذا من عظيم رحمة الله ﷻ بأمة نبيه المصطفى ﷺ.

هذا؛ وإنّ من رحمة الله ﷻ التي وسعت كل شيء رحمته في التكاليف الشرعية التي طلبها من العباد، فنجد الرحمة تتجلى بأبهى صورها فيما أوجبه ﷻ ونهى عنه، فعندما أمر الله ﷻ بأداء العبادات خاطب عباده قائلاً ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ البقرة: 185، وقال ﷻ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ المائدة: 6.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].

إن اتساع رحمة الله ﷻ ليس مجرد كلام يقال في الموعظة ومجالس العلم والتذكير، بل إن له مجالاً كبيراً في العمل والخلق، فالواجب على المسلم أن يتخلق بخلق الرحمة، وأن يزين بها أعماله وأقواله وأحواله، فيجعل تعامله في أسرته مع الوالدين والأولاد والزوجة تعاملاً مملوءاً بالشفقة والرفق والرحمة، فإن ذلك أقرب إلى الأمن الأسري والاستقرار النفسي، وكذلك فإن المسؤول في وظيفته يتعامل مع موظفيه بروح الرحمة، فيكلفهم بالأعمال من غير أن يشقّ عليهم، ويزين تعامله معهم وتكليفه لهم بخلق الرحمة وكلامه اللطيف الحسن، فإن ثقل التكليف يصير خفيفاً إذا اختلط بمعاني الرحمة وكلام الحكمة.

أيها المؤمنون: إنّ أجلى مظاهر رحمة الله ﷻ بالخلق أن بعث سيدنا ونبينا محمداً ﷺ، فإنه رحمة من رحمة الله، بل هو أعظم مظاهر رحمة الله، فإنه كان السبب الأعظم في هداية البشرية، فلذلك أمرنا الله ﷻ بالاقتداء بنبيه الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فهو عليه الصلاة والسلام الرحمة المهداة، قال رسول الله ﷺ: «إنما أنا رحمة مهداة» رواه ابن أبي شيبة.

وكان سيدنا النبي ﷺ ينادي الناس بذلك ويذكرهم به فيقول لهم: أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة، لينبههم إلى حقيقة مبعثه للخلق، فهو إنما بعث ليكون سبباً في رحمة الله بهم.

وإنّ سعة رحمة الله ﷻ لا تقف عند حدّ محدود، بل هي سبب في كلّ مظاهر التيسير التي نجدها في أمة الحبيب ﷺ، فما أجدرنا أن نبني علاقاتنا في أسرنا ومجتمعنا وفيما بيننا على الرحمة في الأمور كلها، مقتدين في ذلك بالله ﷻ وبرسوله ﷺ في حياته وسيرته وتعاملاته.

والحمد لله رب العالمين..

المزيد من الخطب المقترحة

انتهيت من الاطلاع على خطبة اليوم سيدي الإمام؟ حسنًا، لا تتعجَّل الخروج من الصفحة، فلديّ المزيد من المقترحات من أجلك.

هذه بعض الخطب من مكتبة موقع المزيد.كوم نحسبها ذو علاقة –ولو بعض الشَّيء– بموضوع خطبتنا هذه.

وفقنا الله ﷻ وإياك لكل خير.

أضف تعليق

error: