خطبة حول استقلال الشخصية ونبذ التبعية – مكتوبة

خطبة حول استقلال الشخصية ونبذ التبعية – مكتوبة

مقدمة الخطبة

الحمد لله رب العالمين، خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شرع من الدين ما يدعو إلى استقلال الفكر واتباع السلوك القويم، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، سيد الرسل والأنبياء، نهى عن التبعية العمياء، وعلى آله وصحبه وعلى كل من سار على نهجه إلى يوم الجزاء.

أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله وأطيعوه، ودينه القويم فاتبعوه، ففي ذلك العزة والكرامة، يقول سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

الخطبة الأولى

واعلموا أن الإسلام جاء لطي صحائف التبعية، وفتح آفاق الاستقلالية، فبنى حضارة لها عقيدتها وأفكارها، وقيمها وأخلاقها، فانطلقت إلى أرجاء المعمورة كافة، تنشر الخير والسلام، وتخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور الإسلام، فما أتمه من دين، وما أعظمها من رسالة! قال ﷻ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾.

إن رسالة الإسلام ترسخ قيم الاستقلال في السلوك والفكر، وتعلم المسلمين أن استقلاليتهم مبدأ من مبادئ الدين، كيف لا؟ والمتأمل لكتاب الله يجد ذم التذبذب باعتباره صفة من صفات المنافقين، قال ﷻ: ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾.

إن الانفتاح الثقافي في عالم اليوم، وتعدد الوسائل الإعلامية، وسهولة الاتصال والتواصل، لا يعني أن يتبع المرء الطرق المتشعبة، والأفكار والرؤى المتباينة، بل عليه أن يختار دربه، وفق منهج ربه ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

أيها المسلمون: إن من أجل ما يحرص عليه ديننا الحنيف بناء شخصية سوية، متحلية بأرفع الصفات، وأكرم الخلال، سائرة على المنهاج الصحيح، ومستقيمة على الصراط المستقيم، وهل سيجد الإنسان –يا عباد الله– نموذجا أرقى، أو تصورا أزكى، للشخصية السوية من التصور الرباني! الذي هو من لدن الخالق العليم: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، فما أرسل الله الرسل ولا أنزل الكتب، إلا لهداية الشخصية البشرية وتهذيبها، وترقيتها وتكريمها: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.

إخوة الإيمان: إن مما يعزز الشخصية ويقويها، ثباتها على مبادئها وقيمها، وحرصها على تميزها واستقلاليتها، وعدم ذوبانها في أفكار الآخرين وانبهارها بها، لذلك حرص الرسول على تربية أفراد أمته ليكون لهم ما يميزهم عن بقية الأمم، كما وصفهم الله بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، فلا عجب إذا رأيتهم قد وزنوا الأمور بموازين العقل والشرع، ليميزوا بين الحق والباطل، وبين الغث والسمين، فلا يتأثرون بما يدور حولهم من أحداث وإن كثرت ضوضاؤها، ولا تستهويهم التيارات الخاطئة وإن علا صراخها، إن أحسن الناس فإنما هم أولاهم بالإحسان، وإن أساؤوا وظلموا لم يكن لهم أن يتبعوهم في الإساءة والظلم، فهم ليسوا مجرد تابعين، أو لغيرهم مقلدين، فلقد علموا أن مسلك التقليد الأعمى ينفي احترام النفس البشرية، وتقدير الذات الإنسانية، فالمقلد يعطل عقله الذي وهبه الله إياه، ثم يذوب في شخصيات الآخرين وأفكارهم، وهذا هو الإمعة الذي لا هوية له ولا شخصية، يقول المصطفى : «لا يكن أحدكم إمعة؛ يقول: إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا».

إخوة الإيمان: ما بال بعض الناس يتخذون التقليد لهم منهجا، والتبعية طريقا ومسلكا؟ أما يرغبون في استقلال شخصياتهم؟ أما يحبون أن يكون لهم كيانهم وإبداعهم؟ لماذا يعطلون عقولهم ويدفنون قدراتهم؟ وإن شئنا لهم اللوم والعتاب، فإنا على يقين أن وراء مسلكهم دواعي وأسبابا، لعل من بينها الفراغ، وغياب القدوة، وقلة الوعي الفكري، وليت شعري كيف تعرف حياة المؤمن طريق الفراغ، وإيمانه يدعوه إلى اغتنام أوقاته، وتنمية أفكاره! أم كيف تغيب عنه القدوة الصالحة وربه يقول له: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، فالاقتداء بأهل الخير والصلاح سبب الفوز والفلاح، وسبيل الظفر والنجاح، وهو من مقتضيات العقل الرشيد وثمرات الفكر السديد.

فاتقوا الله –عباد الله–، فإن فقدان القدرة على التحكم بالذات، والانجراف وراء التقليد الأعمى يخلف ركاما هائلا من الضعف والوهن والتخلف.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.

⇐ وهنا أيضًا خطبة: التحذير من الفواحش – مكتوبة كاملة & بالعناصر

الخطبة الثانية

الحمد لله ذي العزة والجلال، أمر بالهدى والرشاد، ونهى عن مسالك الغواية والضلال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، إمام الأنبياء والمرسلين، وخير قدوة لخلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين.

أما بعد، فيا عباد الله: إن الإنسان العاقل الرشيد هو من يتبصر في الأمور ويزنها بكل دقة، شعاره ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾، ذلك أن من الخطر بمكان أن يميل الناس إلى المحاكاة والتقليد، ويحجبوا عقولهم عن التفكير السديد، فالجاهل مضطر إلى التقليد، مفتقر إلى الاتباع الدائم، ليس له من العلم والمعرفة ما يوضح له السبيل ويهديه الطريق، أما الرجل الواعي فيسعى إلى المعلومة من مصادرها، ويطلب العلم من مظانه، حتى يكون له حصيلة علمية، ورصيدا ثقافيا، يكسبه استقلالا في الفكر، ويمنحه ثقة بالنفس وقدرة على اتخاذ قراره في أحلك الظروف والمواقف ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، إن المؤمن مستقل الفكر، واثق الخطى، يستضيء في اجتهاده وهمته بهدي المصطفى حين قال: «استعن بالله ولا تعجز».

فاتقوا الله –عباد الله–، واربؤوا بأنفسكم عن مزالق التقليد والهوى، وعليكم بالعلم والتبصر، فإن المؤمن الحق لا تغره المظاهر والشعارات، إنما غايته الجوهر والمضمون، وما فيه الخير والمنفعة.

هذا وصلوا وسلموا على إمام المرسلين، وقائد الغر المحجلين، فقد أمركم الله ﷻ بالصلاة والسلام عليه في محكم كتابه حيث قال عز قائلا عليما: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أضف تعليق

error: