خطبة عن الظلم وعاقبة الظالمين.. «مكتوبة» مع الآيات والأحاديث والقصص المؤثرة

خطبة عن الظلم وعاقبة الظالمين

وفي ظِل ما يراه الناس، لا سيما الأئِمَّة، كان من الضروري إلقاء خطبة عن الظلم وعاقبة الظالمين في الدنيا والآخرة، بشكل دوري ليذكروا الناس بهذا الجُرم الكبير وما جاء بشأنه في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. هذه خطبة جمعة مكتوبة وبها القصص المؤثرة التي تُساق إليكم في سياق الخطبة.

هذه خطب جمعة مؤثرة فعلا، التي تناولت موضوع الظلم وعاقبته بشكل كبير وعظيم. ونحن هنا في ملتقى الخطباء والدعاة بموقع المزيد نعمل على توفير المزيد من هذه الخطب لتكون عونًا لكل إمام وخطيب لينتفع المسلمون بما يقوله من مواعِظ وتذكير بما أحلَّ وحرَّم ربنا سبحانه وتعالى عليهم.

مقدمة الخطبة

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله؛ بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في سبيل ربه حق الجهاد، ولم يترك شيئا مما أُمِر به إلا بلغه؛ فتح الله به أعيننا عُميا وآذانا صُمًا وقلوبا غلفا، وهدى الناس من الضلالة ونجاهم من الجهالة وبصرهم من العمى، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهداهم بإذن ربه إلى صراطٍ مستقيم.

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه، أولئك هم المفلحون.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا | يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

الخطبة الأولى

أما بعد أيها المسلمون عباد الله؛ فإن ربنا -جل جلاله- قد أقام هذا الكون على أساس من العدل، فبالعدل قامت السماوات والأرض؛ كما قال -جل من قائل- في سورة الرحمن {وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ | أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ | وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}.

لما بَعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- إلى خيبر خالصا، أراد اليهود أن يبذلوا له رِشوةً، فقال لهم: يا أعداء، أترشونني؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إليّ ولأنتم أبغض إليَّ من إخوانكم القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على أن أظلمكم.

يقول لهم: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحب الناس إليّ، وأنتم يا معشر يهود أبغض الناس إليّ، ومع ذلك لا أظلمكم. فقال اليهود: بهذا قامت السماوات والأرض.

يا أيها المسلمون، إن ربنا -جل جلاله- قد حرَّم الظلم على نفسه؛ واقرأ هنا آيات عن الظلم في القرآن الكريم؛ قال -جل من قائل- في سورة فصلت {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}، وقال في سورة الكهف {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}، وفي سورة يونس {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ}، وفي سورة آل عمران {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ}، وفي سورة هود {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ}، وفي سورة النحل {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}، وفي سورة النساء {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}.

آيات كثيرة في القرآن تُبين أن الله -جل جلاله- قد تنزَّه عن الظلم.

وفي حديث قدسي عن تحريم الظلم -علَّ كثيركم يحفظه-، يقول تعالى {يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا..}.

قال أهل العلم: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، أو هو التصرف في ما لا يجوز لك التصرف فيه.

شيءٌ لا تملكه، شيءٌ ليس من حقك، تتصرَّف فيه؛ هذا هو الظلم الذي حرمه الله -عز وجل-.

أنواع الظلم

قالوا وهو على أنواع ثلاثة:

الظلم الأكبر؛ وهو الذي يكون بالشرك والكفر والنفاق. قال لقمان لابنه وهو يعظه -في سورة لقمان- {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.

هذا هو أشد أنواع الظلم وأظلم الظلم؛ أن تُشرِك بالله ما لم ينزل به سلطانا، وما ليس لك به علم، أن تكفر بالله الذي خلقك، أن تنافق بأن تُظهر الإسلام وتُبطِن الكفر -عياذا بالله-؛ هذا هو الظلم الأكبر.

ثم النوع الثاني؛ ظلم الإنسان لنفسه بالمعاصي؛ بأن يُفرط في المأمور أو أن يرتكب المحظور. قال الله -عز وجل- في سورة فاطر {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم}.

ظُلم الإنسان لنفسه بأن يعصي ربه -جل جلاله-، بان يترك ما أمره الله به، أو يرتكب ما نهاه الله عنه.

ثم بعد ذلك النوع الثالث؛ ظلم الإنسان لغيره؛ في دمٍ، في مال، في عِرض. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه «أتدرون من المفلس»؟ قالوا: من لا درهم له ولا دينار. قال -عليه الصلاة والسلام- «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار».

يوم القيامة لا درهم ولا دينار، وإنما القصاص بالحسنات والسيئات. فالسعيد من لقي ربه -جل جلاله- وهو طاهر اليد من دماء المسلمين، خميص البطن من أموالهم، عفيف اللسان من أعراضهم، لا يطالبه أحد بمظلمة.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال».

ولذلك؛ قبل وفاته -عليه الصلاة والسلام- بأيام معدودة، صعد على المنبر وقال «من كنت جلدت له ظهرا، فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه، ولا يقل رجل إني أخشى الشحناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا وإن الشحناء ليست من طبيعتي، ولا من شأني».

لما -عليه الصلاة والسلام- بدنوّ أجله، يريد أن يلقى الله -عز وجل- وليس لأحد عنده مظلمة. ومعاذ الله أن يشتم عرضا -صلوات الله وسلامه عليه- أو أن يأخذ مالا في غير حق أو أن يجلد ظهرا في غير حق، لكنه يريد أن يعلمنا نحن معشر المسلمين أن نتحرر من المظالِم، وأن نبتعد عن الظلم.

يا أيها المسلمون؛ إن نبينا -عليه الصلاة والسلام- أخبرنا أن الدواوين ثلاثة: ديوانٌ لا يغفره الله، وديوانٌ لا يعبأ به الله، وديوانٌ لا يترك الله منه شيئا.

أما الديوان الذي لا يغفره الله، فهو الشرك. واقرأ قوله تعالى في سورة النساء {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}.

وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به، فالذنوب التي بينك وبينه. يقول -تعالى- {يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، ولا أبالي}.

وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا، فهي المظالم التي بينك وبين خلق الله. يا أيها المسلمون. وفي الحديث الشريف «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء، من الشاة القرناء».

فلو أن شاة في الدنيا لها قرون نطحت شاةً لا قرون لها، يوم القيامة يُقتصّ للجلحاء من القرناء، ثم بعد ذلك يقول الله لها {كوني تراب}. عندها {يَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} ~ سورة النبأ.

يتمنى لو كان بهيما، يتمنى لو كان حشرة، لو كان طائرًا من الطيور، من أجل أن ينجو من عذاب الله.

الظلم ظلمات

يا أيها المسلمون اعلموا أن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين، وإن أنواعًا من الظلم يغفل الناس عنها.

فمن الظلم أكل أموال الأيتام وتضييعها. يقول الله -عز وجل- في سورة النساء {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}.

ومن الظلم أن تستأجر أجيرًا من أجل أن يؤدي لك عملا، ثم إذا فرغ تمتنع من أن تعطيه أجره. قال الله -عز وجل- في الحديث القدسي {ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره}.

هذا، الله -جل جلاله- خصمه يوم القيامة.

من الظلم، أيها المسلمون عباد الله، أن يكون الإنسان غنيًا ذا مال، وهناك حق قد وجب عليه؛ إما دين فد حلَّ أجله، أو عاملٌ يستحق أجرًا؛ أو غير ذلك.3 فيبدأ يماطل.. يقول له: ارجع إليّ في بداية الشهر، ارجع إليّ في بداية العام، ارجع إليّ بعد أسبوع.. وهكذا.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «مَطْلُ الغني ظلم».

ومن الظلم كذلك أن يظلم الإنسان زوجته؛ في مهرها، في صداقها. فلا يؤدِّه إليها مع قدرته على ذلك، حتى حَكَم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن من نكح امرأة وهو ينوي ألا يؤدي إليها صداقها، لقي الله يوم يلقاه وهو زَانٍ.

لو أنه نوى ألا يؤدي إليها ما وجب لها من صداق، يلقى الله يوم نلقاه وهو ظالِم.

ومن الظلم كذلك؛ تبديل شرع الله -عز وجل-، -بل هذا أظلم الظلم- وهو الذي وقع فيه الحكام؛ بأن عمدوا إلى سَنّ قوانين يحلون فيها ما حرم الله، يحرمون فيها ما أحل الله، يرتبون عقوبات على أفعال ما جرَّمها الشرع لا في كتاب ولا سنة، يُبرؤون ناسًا وجبت عليهم عقوبات، يجعلون أفعالهم لا شأن للقانون بها، ولا الشرطة، ولا للقضاء، ولا للمحتسب.

هذا من أظلم الظلم.

قال -تعالى- سورة المائدة {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.

ومن الظلم أيها المسلمون عباد الله، أن يتعامل الإنسان بالربا، فإن الربا من الظلم العظيم. يقول ربنا -جل وعلا- في سورة البقرة {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}.

دعوة المظلوم

يا أيها المسلمون، إن المظلوم دعوته مستجابة، كما أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم؛ يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين».

هذا الحديث أخرجه الترمذي [واللفظ له]، وابن ماجه، وأحمد.

قصة عن الظلم وعاقبة الظالم

يذكر الإمام الذهبي -رحمه الله- في كتاب الكبائر، أن رجلا كان من أعوان بعض الظلمة، كان شرطيا أو كان ضابطا كما يسميه الناس في أيامنا هذه.

مَرَّ بطريق، فوجد واحدٌ من الناس، صياد مسكين، صاد سمكة ويحملها في يده؛ فهذا الظالم رَآهَا، فوقعت في نفسه.

فجاءه، قال له: اعطنيها. فأبى أن يعطيه إياها، قال بل أبيعها من أجل أن أُطعِم عيالي بثمنها، فلطمه ثم انتزع منه تلك السمكة؛ فعضَّته في إبهامه.

ثم جاء بها إلى بيته وألقاها إلى أهله، ثم أكلوها.

لكنه بقي الليل كله لا ينام من الوجع الذي في إبهامه.

ثم لما ذهب إلى الطبيب، قيل له بأن هذا الأصبع قد دخلته الآكِلة -أو ما يقول عنه الناس الآن: الغرغرينا- وحكموا بأن تُقطَع هذه الأصبع. لكن الألم لا يزال به حتى سرى في كفه، فقطعت كفه؛ ثم سرى الألم إلى ذراعه، فقطعت ذراعه؛ ثم سرى الألم إلى عَضُد.

فبعض الناس -مِمَّن نوَّر الله بصيرتهم- قال له: هل ظلمت أحدا؟ فقال له: بلى، قد كان كذا وكذا. قال له: ابحث عن ذلك الرجل وتحلل منه؛ ذاك الذي أخذت منه السمكة.

فبدأ يمشي في الأسواق ويبحث عن ذلك الرجل حتى وجده، فخَر يقبل رجليه ويقول له: أسألك بالله أن تحللني ما كان. قال له: من أنت، وما خبرك؟ قال له: أنا الذي أخذت منك تلك السمكة في يوم كذا، ولطمتك حتى انتزعتها منك. فبكى ذلك الرجل، وقال له: قد حللتك.

فسأله ذلك الظالم التائب، قال له: أسألك بالله، بِم دعوت عليّ؟ قال له: قلت اللهم إنه قد استقوى عليّ بقدرته فأرني فيه قدرتك.

هذا الإنسان استقوى عليّ  بما أوتي من قوة، وبما أوتي من قُدرَة؛ وأنت القوي، أنت القدير، اللهم أرني فيه قدرتك.

وقد قرأت بعض أبيات شعر عن الظلم للإمام علي بن أبي طالب -كرَّم الله وجهه- يقول:

لا تَظلِمَنَّ إِذا ما كُنتَ مُقتَدِراً
فَالظُلمُ مَرتَعُهُ يُفضي إِلى النَدَمِ

تَنامُ عَينُكَ وَالمَظلومُ مُنتَبِهٌ
يَدعو عَلَيكَ وَعَينُ اللَهِ لَم تَنَمِ

اللهم إنا نعوذ بك من أن نَظلِم أو نُظلَم، أو نضِل أو نُضَل، أو نزِل أو نُزَل أو نجهل أو يُجهَل علينا.

اللهم إنا نسألك أن تُسَلِّمنا من ظلم الناس، وأن تُسَلِّم الناس من ظلمنا.

اللهم تُب علينا توبة نصوحا ترضيك عنَّا.

توبوا إلى الله واستغفروه.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله الأمين. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين وآل كُلٍّ وصحب كُلٍّ أجمعين، وأحسَن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين، وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.

أما بعد، أيها المسلمون عباد الله؛ فإن من أظلم الظلم سفك الدم الحرام. يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دما حراما».

قتل النفس أعظم الذنوب عند الله بعد الشرك بالله، أعظم ذنب عُصيَ الله به بعد الشرك قتل النفس المعصومة، النفس التي حرم الله قتلها.

ولذلك؛ نبينا -عليه الصلاة والسلام- أخبر في ذلك وقال «لا تقتل نفس ظلما، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل».

مما يؤسَف له في أيامنا هذه أن نسمع بتلك الجرائم الشنيعة، واسترخاص الدماء.

هاك رجل مسكين يقود دراجة ذات ثلاث عجلات؛ يركب معه بعض الأشرار، بعض الفجار؛ ويريدون الاستيلاء على تلك المركبة، التي ما هي برفيعة القدر ولا خطيرة الأمر، وإنما هذا الإنسان يتكسَّب عليها رزقه.

فيعمدون إلى قتله وتقطيعه من أجل الاستيلاء على ذلك الشيء التافه الذي لا يستحق.

فإن الدنيا كلها أهون على الله من قتل امرئ مسلم بغير حق.

النبي -عليه الصلاة والسلام- يطوف حول الكعبة، يقول لها: «ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك. والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه، وأن نظن به إلا خيرا».

وقِس على ذلك؛ ما من يوم يصبح إلا ويسمع الناس بأن شخصًا قد ذُبِح بمكان كذا، وأن شخصًا قد قُتِل بمكان كذا، وأنَّ طِفلا وُجِد مقتولا بمكان كذا. يشترك في هذا الإثم ذلك القاتل ومعه الحاكم الذي عطَّل أحكام الله.

فإن الله -جل جلاله- قال في سورة البقرة «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ».

هذا القاتل إذا قُتِل، إذا نُفِّذ فيه حكم الله، إذا فُعِل به مثل ما فعل بمن جنى عليه! كيف نجد؟

وفي عهد النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين، قيل من فعل هذا بك، أفلان، أفلان؟ حتى سمي اليهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فاعترف، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرض رأسه بين حجرين.

هذا وهو -عليه الصلاة والسلام- رحمة الله للعالمين، كما وصفه ربه، وهو ذو الخلق العظيم. لماذا يفعل ذلك؟ من أجل أن يطمئن المجتمع، من أجل أن تهدأ النفوس، من أجل أن يفكر القاتل ألف مرة قبل أن يرتكب جريمته.

أما إذا كانت الشرطة معطلة، والأمن مغيبا، والحاكم نائما يغط في سبات عميق، وبعد ذلك أحكام الله -عز وجل- كأنها حبر على ورق، لا يبالي الناس بها؛ فما أكثر المجرمين، وما أكثر المجترئين على حدود الله -عز وجل- والمنتهكين لحرماته.

الدعاء

أسأل الله -عز وجل- أن يؤمننا في أوطاننا، وأن يصلح ولاة أمورنا.

أسأل الله -عز وجل- أن يبدلنا بعد الخوف أمنا، وبعد الذل عزا، وبعد الفقر غنى، وبعد الفرقة والاختلاف وحدة واعتصاما، وأن يردنا إلى دينه ردا جميلا.

اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا أجمعين، وفك أسر المأسورين برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نسألك خير المسالة وخير الدعاء، وخير الثواب وخير النجاح، وخير العلم وخير العمل، وخير الحياة وخير الممات؛ وثبتنا وثقل موازيننا وحقق إيماننا وارفع درجاتنا وتقبل صلاتنا.

ونسألك الدرجات العلا من الجنة.

اللهم أهل علينا في مجلسنا هذا رضوانك الأكبر الذي لا سخط بعده.

اللهم اجعل وجوهنا من الوجوه الناضرة الناظرة إلى وجهك الكريم.

اللهم أعنا على دنيانا بالميسرة، وعلى آخرتنا بالمغفرة، واحفظنا فيما غبنا عنه، ولا تكلنا إلى أنفسنا فيما حضرناه.

اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وارحمهم كما ربونا صغارا.

اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا.

اللهم أحسِن إلى من أحسن إلينا.

اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك ولمن عبد الله فيه، ولجيرانه من المسلمين والمسلمات.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، وأقم الصلاة.


خطبة عن الظلم

ألقاها فضيلة الدكتور عبدالحي يوسف؛ فجزاه الله خير الجزاء.

فحواها: تضمَّنت هذه الخطبة الكثير من المحاول حول موضوعها. فأطنَب الشيخ في الحديث حول أنواع الظلم وعواقبه. وبالطَّبع وثَّق خطبته بآيات من كتاب الله -عز وجل- وأحاديث من سنة الرسول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- مع قصص مؤثرة -فعلا- تعكِس الكثير من المعاني والدروس والعبر بين طيَّاتها.

أضف تعليق

error: