موضوع إنشاء عن شهر رمضان المبارك

عن شهر رمضان المبارك

إن شهر رمضان يضفي أجواءً ساحرة على المجتمع، فهو يحمل أرواحنا من حاضرنا الذي نقاسي فيه المعاناة والشقاء، والركض لكسب غنائم الدنيا التي نفتتن بها، ولا تنفد أطماعنا منها، إلى أجواء أخرى من التراث الإسلامي، تمتد من الفترة التي فُرض فيها الصيام، وحتى إقامة الإمبراطوريات الإسلامية، والطقوس التي ابتدعها الناس للاحتفاء بهذا الشهر الكريم.

رمضان شهر الهمة والنشاط فاستعدوا له

  • إن شهر رمضان لضيفٌ عزيز، جاء إلينا برسالة من الله، رسالة تهدهد قلوبنا، وتحثنا على ترك ما يشغلنا من الدنيا عن الله، فنمتثل لها ونزهد ولو لشهر عن متاع الدنيا، وندنو إلى من الله متنعمين في خيراته، حامدين نعمه التي لا تنقطع.
  • لذلك نرى في شهر رمضان بهجةً وسرورًا لا نعهدها في باقي الأيام، فالمسلم حين يهل الشهر الكريم، يترك عنه الأعمال التي شقى فيها طوال عمره، ليرتقي بنفسه بتحقيق الهدف الأسمى، وهو لذة القرب من الله، والخضوع له، والشغل من أجله، والافتتان بجناته.
  • حين تثبت رؤية الهلال، ينتشر الهدوء في الأرض، تتوقف الأقدام عن السعي وراء المال والأولاد، وتهرول من ناحية أخرى تجاه المساجد، لكسب رضا الله – سبحانه وتعالى – والسمو بالنفس عما شغلها من الهموم طوال العام.
  • فشهر رمضان، هو شهر تجديد الهمم، وصحوة العقول والقلوب عن القسوة التي غلفتها الدنيا عليهم، فالمسلم حين يهل الشهر كأنه يعطي لنفسه فرصة يراجع فيها نفسه، ثم يرى ما قصر فيه تجاه الله – الغاية الأسمى والأجل – ويبدأ شغله بالاستغفار والصلاة، والصلاة إيمانًا واحتسابًا، حتى يجدد علاقته بالله – سبحانه وتعالى – وتعم على روحه سلامها.
  • شهر رمضان ينأى فيه المرء عن هموم الدنيا، ليس فقط من أجل ربه، وهو كما أشرت أن الله هو الغاية الأسمى والأجل، بل ينأى أيضًا عما يبعده عن أهله وولده، فتجد المسلم حين يهل الشهر، يصاحب أولاده في أغلب الأوقات، ويجالسهم، ويحدثهم، لأن الأعمال عادةً ما تهدأ أو يكون الخروج منها مبكرًا في شهر رمضان.
  • تزداد صلات الأرحام، فيزور الأقارب بعضهم، وتترابط الأواصر التي فككتها الأيام من جديد، من خلال الولائم والعزومات التي يعدها الأهالي لبعضهم، والواجبات التي يقضيها الفرد تجاه أهله الذين نسيهم في الأيام الأخرى من العام.
  • شهر رمضان شهر خير وبركة على الناس جميعًا، من أول الشيوخ الكبار، مرورًا بالآباء والأمهات، وصولًا للأبناء، الشباب منهم والأطفال.
  • إن الشيوخ الكبار يسعدون بشهر رمضان، لأنه يجدد لديهم إيمانهم، حتى لو أن إيمانهم قد ترسخ لقلة انشغالاتهم في الدنيا وانشغالهم فقط بالعبادة، فإن الشهر الكريم يجدد إيمانهم لأنه يذكرهم بفضائل الشهر، ولذة الاجتهاد والقرب من الله والتبتل له، فيعودون مرة أخرى يسارعون في الاستغفار، ويجتهدون في العبادة والدعاء حتى يرزقهم الله من خير الشهر الكريم.
  • والآباء على كثرة انشغالاتهم فإن شهر رمضان لهم هدنة، يتنفسون فيه الصعداء، ويكثرون زيارة المساجد والصلاة في جماعة، الجماعة التي انقطعوا عنها في الأيام الأخرى في غير رمضان، ويتذكرون نعم الله، وما يعده لهم من خير، فيعودون إلى الحياة من جديد، ولا يشغلهم سوى السعي وراء طاعة الله ورضاه، وطلب جناته.
  • والأمهات، رغم أن كثرة الانشغالات ترهقهم، فإن شهر رمضان يدخل في قلوبهم سرورًا عظيمًا، حين تشارك، أو تترأس إعداد الإفطار لأبنائها وزوجها، أو أهلها، وتكون هي منبع غبطتهم، والعنصر الأهم في الشعور بلذة الأجواء الرمضانية، من عمل الكنافة، والقطائف، والمأكولات والمشروبات الرمضانية، والحلويات، وغيرها من الأمور التي تساهم فيها الأم بشكل أساسي، وتشعرنا بالأجواء الرمضانية.
  • والأبناء، إن شهر رمضان فرصة كبيرة جدًا، وشهر مليء بالذخائر والغنائم للأبناء خاصةً، لأن الأبناء في أغلب الأمور لديهم مشاريع حياتية يتمنوها، ويرجوها دائمًا، من الوصول إلى درجة معينة في العمل، أو التوظف في مكان ما، أو الترقية في العمل، أو النجاح والتفوق في الدراسة المدرسية أو الجامعية، وكل تلك الأماني التي يطمح إليها الشاب في مقتبل عمره، لا سبيل لحدوثها إلا بتوفيق من الله أولًا، ثم الاجتهاد في الطريق المؤدي إلى ما يتمناه الشاب أو الطالب.
  • وشهر رمضان يمد كفيه بكل الأسباب التي تؤدي إلى التوفيق من الله، وأيضًا كل ما يعين الشاب على تحقيق مطلبه من الهمة والإرادة، التي يشحذها باللهاث مع نفسه والمثابرة في الأيام الأخرى من العام. أما التوفيق من الله فيتأتى بالعبادة الدءوبة، وكثرة الدعاء، ومصاحبة القرآن وتدبره، وخاصةً الدعاء. وتلك العبادات، وخصوصًا ملازمة القرآن، تملأ النفس بالهمة والإرادة، فالقرآن فيه من العظة والدروس ما يكفل أن يشق به المسلم دستور حياته، ولا يحيد عن الطريق المستقيم.
  • أما الطالب، فإن الاجتهاد في الدراسة الدءوبة في شهر رمضان بركة، الأوقات التي يقضيها الطالب الصائم في الدراسة بنية خالصة لله ونية النجاح والفلاح، تكون أوقاتًا مباركة، يتحصل فيها الطالب بركتها من اجتهاده في الدراسة وطلب التوفيق من الله – سبحانه وتعالى.
  • شهر رمضان شهرٌ مبارك، خصه الله بالبركة والخير. وكدأبي أتخيل شهر رمضان، رجلًا كبيرًا له هيبته، يأتي كل عام ومعه صرة، لا تحمل أمتعته، بل تحمل الخيرات التي وهبها الله لنا في هذا الشهر، فحين يهل نفرح بزيارته لنا، ونجتمع حوله، ونقدم من أجل الخيرات التي يهبها الله لنا العبادات والطاعات، حمدًا على ما بعثه إلينا من الفضائل في هذا الشهر الكريم، فيكرمنا الله أكثر، ويجعل البركة في كل العام، ويجدد عزيمتنا، ويذكرنا بهويتنا وإسلاميتنا، ويعيننا على الهداية والطريق الصحيح، ويشد ساعدنا حتى لا نحيد عن طاعته.
  • إن الفضائل التي تحملها صرة الشهر الكريم: الجنة التي تُفتح أبوابها، والنار التي تُغلق أبوابها، والشياطين التي تصفد.
  • وإن في الجنة بابًا اسمه الريان، لا يدخل منه إلا الصائمون، وتلك مزية لا تضاهيها مزية للصائمين رمضان خالصين النية لمجاهدة نفسهم بالصوم عن المعاصي.
  • وقد أعاننا الله على عبادته بأنه صفد الشياطين، فجعلها محبوسة لا تحرك ساكنة، ولا تقدر على الوسوسة داخل أدمغتنا، ولم يبقى للإنسان إلا نفسه، إذا تغلب عليها وحملها على ما يرضي الله، فإنه ينال جزاء اجتهاده ومثابرته، وإذا أطلق لنفسه الأمارة بالسوء تفعل ما تشاء، فإن الشهر يعود عليه بما لا يرضاه.
  • إن الصائم في مثابرته ضد نفسه يتسلح بأسلحة، لا يراها واضحة جلية إلا في رمضان، تُسقط عنه كل المشاغل والهموم، وتُضاء له هذه الأسلحة الروحانية حتى يستخدمها ويتقدم بها في المسير نحو الله، وتلك الأسلحة هي الصلاة على مواقيتها في جماعة، وقيام الليل، والقرآن الكريم، والذكر الحكيم.
  • فإن أحسن استخدامها، وأكثر من صلاته، وصدقاته، وقيامه، والتزم القرآن والذكر، فإنه يخرج من رمضان بوجه بشوش نضر، أبيض ناصع البياض في نوره، ويستقبل العيد المبارك بنفس مطمئنة هادئة البال، غير متحسرة على شيء قد رحل، لأنه حقق المرجو منه في رمضان قبل أن يرحل، فلا تساوي الدنيا عنده شيء في الأيام الأخرى من غير رمضان.
  • إن رمضان قد اقترب، فاستعدوا له، وأعدوا أنفسكم لاستقباله، نظموا أوقاتكم، وخططوا لاستثماره على الوجه الأمثل، ولا تضيعوه من بين أيديكم فتندمون، واستقبلوه بنية خالصة لوجه الله – تعالى -، واعلموا أن شهر رمضان شهرٌ مبارك.

أضف تعليق

error: