مقال عن قبول الآخر

قبول الآخر

إن الله قد خلق فينا فطرة الاختلاف، وهي فطرة رحيمة من الله “سبحانه وتعالى”؛ فالاختلاف كان منبع الانفتاح بين الأمم، وتبادل وجهات النظر المختلفة، والانفتاح على المدارك المختلفة، وبالتالي قيام الحضارات ونهوضها على مبدأ الاختلاف والتأمل والحجة بالعقل، وظهور النظريات في النهاية التي تقوم عليها الأمم، لذلك صدق من قال: (الاختلاف رحمة).

وإننا في عصرنا الحالي نشاهد الكثير من مظاهر الاختلاف في المجتمع، لكن ما معنى الآخر؟ وهل واجب تقبله؟ وكيف يمكن تقبله؟ إن الآخر هو الذي يختلف عن ذاتك، فالآخر لها أشكال متعددة، ومعاني كثيرة؛ إذ تعني الآخر: أصحاب الأجناس المختلفة، وأصحاب الديانات المختلفة، وأصحاب الألوان المختلفة، وأصحاب الأفكار المختلفة، كل شخص يختلف عن غيره في شيء، يعد آخر، والآخر هم الأقارب، وهم الجيران، وهم عامة الشعب الفقراء منهم والأغنياء.

لذلك يمكن أن نجمل معنى الآخر: أنهم كل من اختلف عن ذاتك سواء في المظهر أو الجوهر أو الطبقة الاجتماعية، أو اللون، أو الدين، أو الجنس، أو الفكر.

ولأن الله خلق كل إنسان، وهو يدبر أمره، ويكتب له رزقه، ولا ينساه أبدًا، أو يغفل عن كل ما يفعله سواء في الطريق الصحيح أو الطريق الخاطئ، ويقدر له من يوم ولادته اليوم الذي يموت فيه، وما بين حياته ومولده من المواقف الحياتية التي سيتعرض لها، فإنه من الواجب أن نتقبل الآخر، وننفي عن أنفسنا السلطة التي ننشئها على الآخرين لأي غرض كان، سواء بالحكم عليه، أو العيب فيه، أو اضطهاده أو أي شيء ينبع من نفوسنا الدنيئة تجاه الآخرين.

الواجب أن نتقبله بكل اختلافاته، سواء في أفكاره، أو في شكله، أو في طباعه، أو في دينه، أو لونه أو جنسه، أو أي شيء آخر يختلف عنا، ولا يعني أبدًا أن الإنسان ما دام مختلفًا عن ذواتنا أنه لا يستحق أن يحيا الحياة التي وهبها الله إياه، أو نقابله بالاعتراضات الدائمة، والنقد الذي يهدم شخصيته أو أفكاره، أو نقيم عليه محكمة ليس لنا حق أن نقيمها، فالإنسان في النهاية مخلوق من عند الله، والله هو المسئول عن حسابه، والله أعطى لكل شخص في الحياة مسئولية الحساب لا يجب أن نتولاها عنهم.

فالضمير مثلًا خلقه الله في الإنسان حتى يحاسب الإنسان ذاته، والله خلق القاضي حتى ينظر في الجرائم ويحكم فيها بالعدل من غير إلقاء حكم على شخصية الجاني أو طباعه، كلها أمور لها أناس مكلفون بها، ولا يحق للإنسان أن يتنصب منصبًا ليس له، بغية أن يعدل ما هو معوج في الآخرين، ويتجاهل نفسه بكل ما فيها من عيوب ومساوئ.

وقبول الآخر يعني احترامه في كل أحواله، إما بتشجيعه، أو بالسكوت وعدم التجريح فيه، إذا كنا نرفض فيه شيء، سواء تفكيره أو عقيدته، وإذا أردنا أن نبدي آرائنا يجب أن نبديها بالاحترام والأخلاق الواجبة حسب الأسس والمعايير التي وضعها الإسلام في التعامل مع الآخرين، فالإنسان في الإسلام لا يختلف عن غيره إلا في التقوى.

قبول الآخر أن يحترم الإنسان أفكار غيره، ويبدي فيها آراء بناءة، ويحترم أصحاب العقائد الأخرى الذين يعيشون معه على أرض وطن واحد يدافعون عنه كما يدافع عنه، ولهم نصيب الحرية التي يحظى بها، ولهم الحقوق التي ينعم فيها.

قبول الآخر يعني عدم إبداء التعالي على أصحاب الألوان المختلفة، أو إبداء التعالي على الفقراء، أو أن يحقد الفقراء على الأغنياء بشكل يجعلهم يخوضون في الجرائم والنهب.

كيفية قبول الآخر

  • غرس المحبة في القلوب: إن الخطوة الأولى في سبيل قبول الآخر أن يعرف الإنسان كيف يغرس المحبة في قلبه، ويقتص منابت الكُره والبغض من جذورها، فالمحبة من الأخلاق التي يجب أن يُفطر الإنسان عليها، وأن يحرص دائمًا عليها حتى يستطيع التعايش مع الآخرين بنفس سمحة، وقلب طيب يتقبل فكرة وجود الآخرين بمختلف أنواعهم.
  • التعاون: يجب على الإنسان أن يتعلم كيفية التكاتف في إطار الاختلاف، وأن يتيقين انه كما له الحق في إبداء رأيه، عليه ان يتقبل آراء الآخرين بنفس طيبة صبورة، وعقل راجح، وجو مغلف بالمحبة، حتى يسود التعاون بين الإنسان وغيره، وتتكامل الأمة رغم اختلافها، وتنمو الحضارة على اثر ذلك.
  • التزام النقد البناء وعدم انتهاج النقد الهدام: إن من الناس من يرى نفسه على صواب دائمًا وتصل به النرجسية أنه لا يتقبل آراء غيره، لأنها من وجهة نظره ضرب من الأخطاء التي لا يمكن تلافيها، وقد يتعصب لرأيه لدرجة أن يجرح الآخرين ويهدم شعورهم وآرائهم، وهذا النوع من النقد مبغوض بلا شك، وصاحبه مكروه من الآخرين بلا ريب. لذلك من الواجب أن يعلم الإنسان كيف يتقبل الآخر ويبدي رأيه بالحسنى والهدوء والسكينة، وأن ينظر في آراء الآخرين من كل النواحي، ولا يتعصب لرأيه، فهناك احتمالية دائمًا لو بنسبة الواحد في المائة أن يخطئ الإنسان ويكون غيره على حق وصواب، وإن كان الإنسان على حق كليًا، ليس من حقه أبدًا أن يهدم آراء الآخرين بالسخرية أو السخط أو التجريح والإساءة، غير أن الإسلام دعى إلى الجدال بالحجة والعلم وبالحكمة والحسنى.
  • عدم الإساءة إلى الآخرين: والإساءة إلى الآخرين لها مظاهر عديدة، تبدأ من مجرد الضحكة الخفية على نقص في الآخر، أو كلمة صريحة تجرح الآخر وتصيب قلبه في مقتل، لذلك يجب أن نبتعد عن النميمة والغيبة والإساءة إلى الآخرين سواء في السر أو العلانية، حتى لا يكون حسابه عند الله عسيرًا، ويكون محترمًا في نظر ذاته والآخرين أيضًا.
  • عدم إشعاره بالنقص: إن الإنسان لا يجب أن ينظر في وجه الآخر نظرة الكامل الذي لا يضاهيه أحد، بل يجب أن يتحلى بصفة التواضع أمام الآخرين، سواء الأغنياء أو الفقراء، الكبار أو الأطفال، يجب أن يتحلى بالتواضع إذا امتلك موهبة أو شيء لا يملكه غيره، وأن يحث نفسه دائمًا أن يعطي الآخرين مما أعطاه الله، وأن يشعر نفسه دائمًا أنه رغم ما يملكه ينقصه الكثيرين، وأن الكمال لله “سبحانه وتعالى” وهو القادر على أن يأخذ منه ما أعطاه في لحظة.
  • الابتعاد عن التنمر: نرى الآن في مجتمعنا بشكل جلي أن التنمر أصبح ظاهرة منتشرة بين الناس، فالإنسان لا يني أن يتنمر على غيره، لأنه يرى فيه عيبًا كبيرًا، كشيء مختلف في خلقته، أو أي شيء آخر، ووصل بالناس الحال الآن أن يتنمروا على كل شخص لديه ما يجعله مختلفًا عن الآخرين: سواء في العقيدة أو في اللون أو في الشكل أو الجنس أو الأفكار والمعتقدات.

إن طرق قبول الآخر عديدة لا يمكن حصرها في نقاط معدودة؛ إذ أن قبول الآخر يختلف من موقف لآخر: فالإنسان يعيض في المجتمع مع كل مظاهر الاختلاف وعليه أن يتحلى بالأخلاق في المجمل والنفس الطيبة، وأن يتعلم ثقافة الاعتذار إن زل لسانه أو تفكيره.

إن الله لو أراد لخلق العالم كله أمة واحدة، لكن الله لم يخلق العالم كله أمة واحدة، حتى تقوم الحضارات على سنة الاختلاف الذي يكون الشرارة الأولى للإبداع والابتكار وإنتاج المزيد. وعلى الإنسان أن يعي ذلك جيدًا وأن يستغل الاختلاف فيما ينفع ولا يستغله فيما يضر به وبمجتمعه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: