مقال عن ظاهرة التنمر

ظاهرة التنمر

ظاهرة التنمر من المظاهر المشينة في المجتمع، والتي ظهرت بكثرة في الآونة الأخيرة، ونشأ على أثرها العديد من الأمراض والعقد النفسية، فالمتنمر يعاني نقصًا نفسيًا ذاتيًا، ومن يُتنمر عليه، يتعرض لشيء من الضيق يتزايد قد يصل به إلى حافة الاكتئاب، وغيره من الأمراض النفسية.

وفي هذا المقال أحاول أن أبرز معنى التنمر وأسبابه وأشكاله، وأثره السلبي في المجتمع، والأثر السلبي الذي يدمي قلب المتنمر عليهم، وكيف يمكن أن نحد من هذه الظاهرة قدر الإمكان.

حول ظاهرة التنمر

قبل أن يخوض الحديث في فهم أسباب التنمر، واشكاله، وتأثيره، وكيفية الحد منه، نستعرض أولًا معنى التنمر.

والتنمر هو شكل من أشكال الإيذاء النفسي للآخرين، والإساءة لهم، وذلك بأقذع الألفاظ، والسباب، وإبراز عيوب الغير، أو معايرتهم بها، أو اتباع أي سبيل من سبل العنف تجاه الأفراد، ويكون التنمر عادةً من مجموعة أفراد إلى مجموعة أخرى، أو من فرد واحد إلى فرد آخر، وفي العادة يظن المجموعة المتنمرة أنهم لديهم سلطة على المتنمرين عليهم، أو أنهم أقوى منهم.

ونرى في الوقت الراهن أمثلة عديدة من مظاهر التنمر على الأشخاص، فمثلًا ترى أحدهم، وقد رزقه الله المال والجاه، أو الملبس، يعاير آخر بنقص ماله، أو بملبسه المتواضع.

أو ترى شخص يسخر من شكل أحدهم، وقد خلقه الله بعيب خلقي في وجهه أو لسانه، أو أي عيب خُلق به.

إن الأمثلة على التنمر عديدة، مما يدفعنا إلى التنقل لنستعرض أشكال التنمر:

إن التنمر ينقسم إلى أشكال، هي:

  1. التنمر اللفظي: ومعناه في اسمه، إذ يتعمد المتنمر أن يلقي أقذع الألفاظ على غيره ممن يستشعر فيه الضعف، أو النقص، كأن يعاير أحد بعيب فيه، أو ينظر إليه نظره استعلاء المصحوبة بالسخرية، أو التعليقات السخيفة، او التهديدات المتوعدة.
  2. التنمر الجسدي: ويشمل التعرض على الضعيف بالضرب، أو إيذائه بأي شكل من أشكال العنف، أو السادية، لأسباب تدل على النقص الذاتي لدى المتنمر، كأن يبدو في موضع القوي، صاحب السلطة أمام أقرانه، بأن يضرب أحد ضعيف لا يقدر على جبروته، أو يأخذ ما لا يحق له بالعنوة.
  3.  التنمر العاطفي: وذلك عن طريق إلقاء الكلمات تدمي قلب الآخرين، ولو على سبيل المزاح، أو إحراج الآخرين، أو تلفيق الإشاعات والأكاذيب له، حتى يبدو القائل في مظهر الذكي الذي لا يقدر عليه أحد، وكلها أسباب إن دلت إنما تدل على النقص في ذات المتنمر.

إن الشخص المتنمر في الغالب يعاني في حياته نوعًا من النقص في الذات، إما أنه يعيش في أسرة مفككة لا يشعر فيها بالأمان، أو أن أهله يضطهدوه بشكل من الأشكال، بأن يبرزوا معايبه، أو أي شكل من إضطهاد الأسرة تجاهه مما يشعره بالنقص الذي يلقيه على الآخرين، وقد يعاني المتنمر ظروفًا اجتماعية سيئة كأن يكون منبوذًا لدى أصدقائه، أو لا يأبهون بوجوده، أو يعاني من ظروف مادية، أو قد يعاني أي عيب آخر يستشعره في نفسه، سواء حقيقيًا أو غير حقيقي، مما يؤدي إلى اضطراب شخصيته، وشعوره بنقص في ثقته في ذاته، أو يصاب بأي مرض نفسي خفي، ومن ثم يتحول إلى متنمر، يلقي نقصه على الغير.

وتلك هي الأسباب التي تجعل الشخص متنمرًا، ويطوف في الأرض يؤذي الناس الضعفاء منهم في نظر المتنمر، لكن المتنمر يعلم جيدًا أن من يتنمر عليه هو شخص قوي، لا يعاني من الاضطرابات النفسية التي يعاني منها الشخص المتنمر.

هذه المقالات قد تُفيدك

أثر التنمر على الآخرين

بعد أن استعرضنا معنى التنمر، وأشكاله، والأسباب التي تدفع إليه، نفرد القول في أثر التنمر في المجتمع وبين الأفراد، وبدايةً فإن التنمر يؤدي إلى الكثير من الأمراض النفسية التي قد يعاني منها الأشخاص المتنمر عليهم على المدى البعيد، قد تصل إلى الاكتئاب. غير جو الكره الذي يسود بين الشخص المتنمر والشخص الذي تعرض للتنمر، فتتفكك أوصال المجتمع، ولا يشعر الآخرين بالثقة والارتياح بين بعضهم، ويخون الأصدقاء بعضهم، ويكنون البغضاء في نفوسهم.

والشخص الذي يتنمر على غيره ينمي فيه أمراضًا واضطرابات نفسية، فيحول بطريقة ما الشخص الضحية إلى شخص جاني، فيتحول بدوره إلى متنمر يؤذي غيره من الأشخاص الضعفاء، ويلقي فيهم عقده النفسية، أو قد يكن في نفسه الانتقام لمن يتنمر عليه، ويتوعده بالإيذاء فيما بعد.

إن التنمر يؤدي بضحيته إلى مشاكل نفسية كثيرة؛ كالاكتئاب، والشعور بالوحدة، والانطوائية، فضحية التنمر سرعان ما تعاني نقصًا في الشخصية وتقدير الذات، ويشعر أنه منبوذًا بجانب الآخرين، فينأى بنفسه في دائرة الوحدة المظلمة أو الانطواء، مما قد يصل به إلى الاكتئاب.

إن ضحية التنمر قد يصل به الحال، لشعوره بقلة الحيلة والضعف، إلى الانتحار، ونسمع الآن في زمننا هذا، الكثير من حالات الانتحار نتيجة التنمر المستمر.

إن التنمر يدمي القلب، وقد يعرض الضحية إلى الكثير من الأمراض العضوية، كما النفسية، مثل الأرق الناتج عن قلة النوم، أو الشعور بالصداع المستمر، وآلام المعدة، والخوف والذعر من التقرب من الآخرين.

غير أن ظاهرة التنمر كما تعود بالسوء على الضحية، فإنها تعود بآثار وخيمة على المتنمر، فالمتنمر كما يمارس التنمر على الآخرين، فإنه بإمكانه أن يفعل أي شيء آخر من أشكال الإيذاء أو العنف، كالسرقة، أو تدمير حياة الآخرين، إذ يختزن هذا الشخص كمية من الكره في داخله للآخرين ناتج عن شعوره بالنقص بينهم.

كيفية الحد من التنمر

إن الحد من ظاهرة التنمر يقع على عاتق الأسرة في المقام الأول، فهم أدرى بأحوال أبنائهم، ونفسياتهم،أو هم أول من يلاحظوا أعراض التنمر على ابنائهم سواء في صغره أو في كبره، وفي الكلمات القليلة الآتية، أستعرض طرق علاج التنمر والحد منه.

أول ما يجب على الأسرة حين يتلمسون أعراض التنمر في ابنهم أو ابنتهم أن يشاركوا الابن حياته، بأن يدعموه، ويتقربوا منه، ويشعرونه أنه واحد منهم، ومحاولة التكلم معه.

فالأسرة بذلك تسد في قلبه ثغرة شعوره بالنقص، فهم أصدقائه إذا شعر أنه منبوذ بين الأصدقاء، وهم من يقومون باحتوائه، إذا شعر أنه يحتاج إلى الاحتواء، وهم من يسمعون له، إذا شعر أنه لا أحد يريد أن يستمع إليه، مهما كان حديثه تافهًا.

ثم يقع علاج التنمر في المرتبة الثانية على عاتق المجتمع، فيجب على المجتمع أن يتحلى بروح الدعم، فالقوي يدعم الصغير، ويستمع إليه وينظر إلى أحلامه ويمولها نفسيًا وماديًا من أجله.

غير ما يقع على المجتمع من ضرورة خلق أحداثًا وأنشطة تضع فيها الأشخاص المتنمرين تجعل ثقتهم في أنفسهم تزداد مع الوقت، ويزداد تقديرهم لنفسهم، بأن يعطوهم قدرًا من المسئولية تكون هي غايتهم.

وقد يلجأ المتنمر إلى العلاج النفسي، واتباع طرق نفسية حتى يحد عن التنمر على الآخرين، ويستطيع أن يعبر عما يكبته في داخله، ويتخلص من أعراض السوء التي تخالط نفسه.

إن ظاهرة التنمر ظاهرة خطيرة لابد أن ننظر إليها نظرة الجد، وأن نعمل كل جهدنا، افرادًا ومجتمعًا، حتى نمنع انتشاره بين الأشخاص؛ فلا يسود الكرهبين الناس، وتكثر الجرائم على أثرها.

أضف تعليق

error: