في عيد الأم: أغلى هدية لأمهاتنا بأزهد ثمن.. فهل من مُشترٍ؟

أغلى هدية في عيد الأم , The most precious gift on Mother's Day

قد تبحثون عن الأغلى والأكثر قيمة مادية في هدية لكي تُهدونها إلى سيداتنا جميعًا في عيد الأم. لكن دعوني أصحبكم هُنا في جولةٍ لأخبركُم وأُطلِعكُم على أغلى هدية بأزهد ثمن؛ ونرى من سيكون أول المُشترين!

فرحةً بعد حزنٍ وبُكاء

من اليمن البعيد هناك إلى حبيبنا عليه الصلاة والسلام في مدينته، يريد ذروة الإسلام، يريد الجهاد في سبيل الله، فسأله الحبيب عليه الصلاة والسلام سؤالا: أحيٌّ والداك؟ والدك ووالدتك على قيد الحياة؟ قال: نعم. بل وذكر مظهرًا من مظاهر الحزن؛ وهُم يودعانه إلى الجهاد في سبيل الله؛ والجهاد الذي خرج له ليس فرض عينٍ، بل كان فرضٌ كفائي.

عندما سأله الحبيب عن والديه فقال: نعم؛ بل تركتهما وهما يبكيان.

انظر؛ يريد الأجر وقد ودَّع والدًا ووالدة فاضت مدامعهم حزنا على فراقه. قال عليه الصلاة والسلام: ارجع إليهما وأضحِكهما كما أبكيتهما.

فجعل ﷺ إضحاك الأبوين وإدخال السرور إلى قلب الأم والأب بعد الحزن من أجَلِّ العبادات؛ بل جعله ضربٌ من أضرُب الجهاد في سبيل الله؛ ففيهما فجاهد.

فنٌ إسعاد الوالدين

إن إسعاد الوالدين فنٌ لا يجيده إلا البررة؛ إن إدخال الفرح إلى قلوبهم فنٌ لا يجيده أن الأتقياء الأنقياء من الأبناء والبنات.

إن الفرح الذي لرُبما لا يشاركنا فيه إلا أبنائنا، إلا زوجها، من المهم أن تشاركنا الأمهات فيه؛ وإن ابنًا لا يستطيب بلذةٍ ولا بفرحةٍ حتى يشاركه والده أو والدته ابن بَرٌّ تقي؛ ابن نستطيع أن نقول إن الفرح لن يغادر صدره ولا قلبه لأنه أدخل الفرح إلى أغلى قلب يدُب على وجه الأرض صاحبه؛ أنها الأم خاصة.

دعوة إلى إفراح الأبوين

أيها الأبناء؛ دعوة إلى إفراح الأبوين؛ إبهاجهم، إسعادهم، أسعدوهم وأضحكوهم وامسحوا العناء عنهم، أكرمهم واهدوهم وشاركهم في الطلعات وفي السياحة البريئة الطاهرة، في وجبةٍ جميلة في أي مكانٍ جميل.

جميلٌ أن يشاركنا الآباء والأمهات في الفرح، إياكم أن تكونوا من الأنانيين الذين إذا فرحوا فلأنفسهم ولمن حولهم، ولا يدخلون هذه الفرحة ولا يصدرونها لقلوب لطالما عاشت وهي تشقى لكي تسعدنا؛ يا رب آتِ والدينا أجرهم مرتين.

أغلى هدية بأزهد ثمن

يا عاشِق الجنان، يا من يحب السمو، يا من يعشق الجمال فوق الأرض، لماذا لا تعشق الجمال عند رب السماوات والأرض؟ إن الخضوع للأُم رِفعَة وعِزة ويُبلغك الجِنان.

أن بر الوالدين بابٌ من أعظم أبواب الرِّفعة في الحياة؛ وما سمعنا خبر أحد من الناس بر الوالد وبر الوالدة واخفض لهما جناح الذل، وكان بين أيديهم كالمتسول عند من يقدم له فُتاتًا؛ إن من خفض لهم في الدنيا رفعه الله.

الإمام أبو حنيفة البر لأمه الناكرة لعلمه

هذا الإمام أبو حنيفة النعمان؛ عندما جلده السلطان كان يتألَّم؛ فسُئِل: لماذا تتألم؟ قال: أخشى أن يبلغ ألمي أمي، فتتألم من ألمي. فالسوط لا يؤلمني.

ومن قصصه الجميلة مع أمه وقد رفعه الله -فجميع المذاهب الأربعة المتبوعة كلها تتلمذ على أبي حنيفة- كان في بلده واعِظ، وكانت أمه تريد أن تسأل سؤالا فقهيا؛ العجيب أن أبا حنيفة هو شيخ المشايخ في بلده، ومع ذلك أمه تأمره أن يذهب إلى واعِظٍ لا عِلم عنده، لأنها لا تُقِرَُ له بالعلم والفضل.

وهنا يكون عظمة الشاب والطالب والابن والابنة عندما لا يعطى جزاء بره إلا من الله؛ لا يريد أن ثناءً من أُمٍ ولا من أب.

ذهب الإمام أبو حنيفة وطرق الباب على الواعِظ؛ وقال: أمي أرسلتني إليك. قال: وماذا أقول يا إمام؟ قال: قل أي شيءٍ. قال: لا علم عندي.

فنقل أبو حنيفة إليه الجواب، ثم استمع إليه بعد ذلك، قال: قل ما قلت لك. فرد إليه الجواب. ثم ذهب إلى أمه وقال: أماه؛ يقول الواعِظُ كزا وكزا.

تواضُعٌ يسبب الرِّفعة في الحياة وبعد الممات.

أغلى هدية في عيد الأم

فيا عاشق العلياء والمجد، يا من يريد أن ينقلب التراب تحت قدمه تبرًا وذهبا؛ يا من يريد أن تفتح له أبواب التوفيق ويعلو في أعالي التوفيق في الدنيا؛ إليك أقدام أمك، فاخفض جناحك لها وقبل يدها وقل بلسان وبعين الرحمة والشفقة: ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا.

بذلك تسمو وتكون الدنيا جِنان؛ يا رب حَرِّم والدينا عن النار يا رب العالمين.

لا تجعل هديتك مُجرَّدةً ومادية بحته؛ اجعل الود والبر منهجًا وسبيلا؛ لا تلتفت إلى قيمة الهدية المادية لمن قدمت حياتها لك.

في عيد الأم؛ وفي كل يوم؛ كُن بارًّا بها وبوالِدك أيضًا؛ لازمهما وأضحكهما وأسعدهما بالقول والفِعل والطاعة، فهي أغلى هدية لأمهاتنا بأزهد ثمن؛ أترى.. هل تدفع ثمنًا مقابل الكلام والأفعال؟

أجمل قصة مُبكية عن بر الأم

من أعظم قصص البر ومن أجملها؛ مجموعة من الأبناء دخلوا على أمهم وقد قتل أحد هؤلاء الأبناء؛ غَلَت رياح الغضب فتحرك كل عرق ساكنٍ في أبدانهم، هم أقوياء أشاوس يفعلون ما يتحدثون به ويعدون به.

قُتِلَ أخوهم، وكانت القتلة شنيعة.

في يوم من الأيام بعد أن ثَبَت الحد -القصاص- على القاتل، إذا بباب الأُم يُطرَق -الأم هي أم المقتول- فلما فتحت؛ فإذا يعجوزٍ تحبوا على قدميها وعلى يديها، ثم تتمسك في أقدامها وتنوح وتبكي؛ ماذا تريدين؟ ومن أنتِ؟ قالت: أنا والدة القاتل؛ هو وحيدي، والله ليس لي من الأبناءِ إلا هو؛ نزغه الشيطان، قتل ابنك؛ قربه للآخرة ولكني لا أريدك أن تقربي ابني إلى القتل؛ ارحمي ضعفي وضعفه، وتصدقي بعتق ابني، علَّ الله أن يعتق ابنك من النار.

الآن؛ لازال الألم في قلب الأم، والجمر يُحرِقُ مواطِئها، انه ابنها، وقد مات مقتولاً مظلومًا. فماذا فعلت هذه الأم؟

أدخلتها داخل البيت، ثم قامت بالاتصال على أبنائها؛ فأتى الأبناء من كُلِّ حدب ومن كل مكان بعيد وهم لا يعلمون من ضيفة هذه الأم الغالية.

فلما تحلَّقوا بها وقبَّل بعضهم قدمها والبعض قبَّل يدها وما بين عينها؛ فقالت: أبنائي؛ هل قتل فلان يُعيد لي ابني؟ قالوا: لا. قالت: هل كنوز الأرض تُرجِع لي نفس ابني؟ قالوا: لا. قالت: هل أنتم أحب إلى ابني المقتول أكثر مني؟ قالوا: لا والله؛ حاشا أن نكون يومًا من أيامك. قالت: فإني احتسب ابني عند الله رب العالمين؛ احتسبه عند الله فإني قد عفوت عن قاتله لله وحده لا شريك له؛ لا أريد من الدنيا شيء؛ أقِرّوني معاشر الأبناء وارحموني علَّ الله أن يعتق به من النار.

فانكبوا على أقدامها يقبلون، ويقولون: لبيكِ؛ جُعِلنا نحن الأحياء فداكِ؛ فوقَّعت في أجمل صفحةِ عفوٍ؛ إنها الأم الرؤوم التي صفحت عن قاتل ابنها؛ رحمها الله فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض.

أضف تعليق