في عيد الأم أمهات ولكن

صورة , عيد الأم , هدايا للأم
عيد الأم

يقول الشاعر محمود درويش في حنينه إلى أمه وكل ما يتعلق بها من الذكريات والتفاصيل:
أحن إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي
وتكبر فيَّ الطفولة
يومًا على صدر يومِ
وأعشق عمري لأني
إذا متُّ، أخجل من دمع أمي.

فالحنين إلى الأم وذلك الدفء المتفرد الذي نلمسه في احتوائها لنا وحنانها علينا، لا يشبهه شيء، ومع أن الأم هي الأم منذ قديم الأزل وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، إلا أن التطورات والتغيرات التي طالت العصر، والمستجدات التي أثرت فيه طالت الأمهات –أو بعض الأمهات- فتغيرت بعض السمات القديمة التي عرفناها وألفناها في جداتنا وأمهاتنا، وأصبحت أمهات هذا العصر مطبوعات بطابعه المادي، متأثرات بتطوره وسرعته، فباتت تُثار بعض القضايا التي لم تكن تطرح أبدًا من قبل،، ومنثم فإن هذا المقال بمثابة مقارنة عابرة بين أمهات الأمس البعيد وأمهات اليوم والغد القريب. فأي من هذه الأمهات تستحق الإحتفال بعيد الأم وتقديرها طوال العمر.

أمهات الأجيال الماضية

تميز أمهاتنا وجداتنا السابقات ببعض المزايا العجيبة جدًا، والتي تكمن في التضحية المطلقة التي لا تعرف الحدود ولا تعترف بها، التضحية بالوقت والجهد والعمر كله، والتضحية بالذات في سبيل استمرار بقاء كيان الأسرة، والتضحية بالسعادة والراحة الفردية في سبيل راحة الأبناء، والتضحية بكل الطموحات والأحلام في سبيلهم، بل لو أنصفنا القول وأمعنا النظر قليلا لوجدنا أن أمهاتنا لم يكن لهن أي طموحات شخصية تذكر، فبمجرد الزواج وإنجاب الأبناء تتحول كافة الطموحات الشخصية إلى مسارٍ واحدٍ وتصب في مركزٍ واحدٍ، هو الزوج والأبناء.

ونلاحظ في حكايات الأمهات السابقات أنهن كن يقبلن مالا يقبله أحد، ويتحملن ما لا يطيقه أحد من شظف العيش ومشقات الحياة، وطبيعة الحياة الزوجية القاسية التي طالما جارت على الأمهات وأتت على حقوقهن في السعادة والإشباع النفسي والمادي، فكم من الأمهات كن يقبلن استمرار الحياة التي لا تناسبهن إطلاقًا ويتحملن الظلم والجور والإهانات أيضا فقط من أجل الأبناء، وفي سبيل الوصول بهم إلى بر الأمان، لم يكن من السهل أن تترك الأم بيتها أو تفارق زوجها إلا في أضيق الحدود، فكانت نسب الطلاق أقل بكثير مما صارت إليه الآن.

لم تكن الزوجة الأم تسعى لتحقيق متعها الشخصية، بل كانت تضحي بأهم الحقوق لأجل أبنائها،، كن أمهات لا يعرفن للتضحية حدودا.

أمهات العصر الحالي

أخذت الفتاة حقها من التعليم وتبوأت المناصب الوظيفية، وتذوقت لذة الاستقلال وحرية القرار، فارتفع سقف طموحاتها وأحلامها، واختلفت معايير اختيارها للحياة الزوجية، فراحت تنتقي من المتقدمين لها أفضلهم وأكثرهم ثقافةً ووعيًا، وهي على يقين بأنها تستحق الأفضل،، فإذا بدا لها منه ما تكره من طبعٍ أو سجيةٍ أو فكرٍ، تمردت وأقامت الدنيا ولم تقعدها، تطلب الطلاق بصوت جهوري، فإن تعذر الطلاق لجأت للخلع، وإذا نصحها ناصحٌ بأن تتحمل وتصبر لأجل الأبناء، أغراها ما صلت إليه من العلم أو العمل وتوهمت أنها ستكون الأم والأب معًا، فتظلم أبنائها أو ما تظلمهم بالحرمان من وجود الأب، وإذا انهت حياتها وهي في زهرة شبابها شق عليها أن تكمل الحياة وحدها وأن تُحرم متعة الزاج والأسرة، فتبحث لها عن زوج آخر، وهي واهمة أنها ستعوض أبنائها عن كل شيء، وهلم جر من صور التمرد والأنانية –المشروعة- التي عرفناها نحن ولم تكن أمهاتنا أو جداتنا يعرفنها ولا يطالبن بها.

أصبح الأمهات غير مستعدات للتضحية بطموحهن العملي والوظيفي، فكم من أم اختارت الانفصال حين خيرت بين البيت وبين العمل، وكم من أم سمحت لكل مؤثرات التربية الخارجية أن تحل محلها في تربية أبنائها بسب انشغالها عن الأبناء بعملها ،والتزاماتها الوظيفية،

وكم من أم لا تتورع أن تطلب الطلاق وبين يديها اثنين أو ثلاث من الأبناء، فأصبحت أروقة المحاكم تزدحم بدعاوى الطلاق والخلخ بمعدلات لو سمع عنها أمهاتنا لتصورن أنها درب من الكذب والخيال.

وأخيرًا

فهذا ليس اتهام ولا ذم ولكنه إقرار بالفرق الشاسع في التفكير والأوليات بين أمهات الأمس وأمهات اليوم،، فسلام إلى كل امهاتنا وجداتنا اللائي لم يقصرن ولا يبخلن بأغلى ما يملكن، سلامٌ على أمهات اليوم الذين تتنازعهن التحديات والطموحات ومع ذلك يواصلن العطاء والدعم ويسعين لصناعة أجيال واعية متألقة، سلامٌ الف سلام إلى كل أم، تخير بين أحلامها وصلاح أبنائها فتختار صالح أبنائها، وسلام إلى كل أم تسعى لتحقيق كل ما تمنته في أبنائها وتنتظر العوض فيهم وبهم.

أضف تعليق

error: