خطبة عن السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة

بحْر وعظيّ وإرشادي عظيم تجدونه اليوم في خطبة عن السعادة الحقيقية التي ينشدها كل امرئٍ مسلم على وجه الأرض؛ بل وغير المسلمين أيضًا. لكن الحديث الآن موجَّه إلى عباد الله المسلمين في كل أرجاء المعمورة.

خطبة الجمعة هذه ستكون مميَّزة ومستهدفة لكل الناس بكل أطيافهم وأعمارهم؛ فمن مِنَّا لا يبحث عن السعادة الحقيقية ولا يسعى جاهدًا بشتَّى الوسائل وكل الطُّرق لأن يصل إليها ويُحققها!

الجواب كما تعرفون؛ إذًا؛ فنبدأ الخطبة، مُستعينين بالله ﷻ.

خطبة عن السعادة الحقيقية

نسوق إليكم خطبة اليوم لتقوموا -بدوركم- بإلقائها على المُصلين في المساجد والمسلمين عمومًا؛ حتى في الندوات وجلسات العلم ودروس الفقه والذِّكر.

خطبة اليوم رسالة صريحة واضحة إلى كل أولئك الذين يبحثون عن السعادة الحقيقية، راحة القلب والطمأنينة، السكينة والسرور والأمان والسلام الداخلي والخارجي.

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله ﷻ نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله ﷻ من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله ﷻ فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ.

الخطبة الأولى

أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أما بعد عباد الله فيقول ربنا ﷻ في محكم آياته وهو أصدق القائلين ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.

البحث عن السعادة

عباد الله الناس جميعًا في دنيا الله رب العالمين يبحثون عن السعادة الحقيقية ويطلبونها الكبير والصغير، والمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمؤمن والمنافق.

ما من أحد إلا ويرجو أن يحيا في دنيا الله ﷻ حياة السعداء وأن يعيش معيشة هنيئة طيبة.

ولكن الناس يختلفون في البحث عن السعادة الحقيقية فمن الناس من يبحث عنها في المال فهمه ليلًا ونهارًا أن يجمع المال وكلما زاد ماله كان سعيدا وكلما قل ماله أصابه المرض.

وإذا ضاع منه امتلأ همًا وغمًا وكربا، ولا يُبالي من أي طريق تحصّل على هذا المال أمن الحلال أم من الحرام.

فمن الناس من يطلبون الحياة الطيبة ويبحثون عنها في الأموال، ومن الناس من يبحث عن الحياة السعيدة الهنيئة الطيبة في فعل الشهوات، وفي الإتيان بالملذات حتى لو كان في شهوة حرمها الله ﷻ، لا يرى السعادة إلا في هذا، ولا يرى الحياة الطيبة إلا في ذلك فيحرص على فعل الشهوات ويتجرأ على ارتكاب المنهيات، ويتجرأ على فعل ما حرم الله رب الأرض والسماوات بذلك يشعر بالسعادة.

ومن الناس من يرى السعادة أن يكون عظيمًا بين الناس، أن يعلو أكتافهم وأن يكون معظّمًا بينهم صاحب القول وصاحب السمع وإليه الرأي، ولكل وجهة هو موليها لكن الجميع عباد الله عنها يبحثون وفيها يرغبون ولها يعملون.

القرآن سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة

الله العالمين في القرآن الكريم الذي هو كلام الله ﷻ، الذي هو أفضل الكلام، وهو خير الكلام وأعظمه لأنه كلام ربنا -جل في علاه- رسم لنا ﷻ طريقا بينًا واضحًا يحيا العبد فيه حياة السعداء، ويتحصل فيه على الأجر الحسن في الدنيا وفي الآخرة، يحيا سعيدا ويموت سعيدا، ويكون في القبر سعيدًا، ويكون في الآخرة سعيدا فيحيى حياة السعداء في الدور الثلاث “في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة”.

فقال تعالى ﷻ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فهذا وعد من الله ومن أصدق من الله قيل؟ لا أحد، ومن أصدق من الله حديثا؟ لا أحد، وعد الله رب العالمين من؟ وعد الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات.

فهذا وعد الله ﷻ لأهل الإيمان ولأهل العمل الصالح ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.

العمل الصالح مفتاح السعادة الحقيقية

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾؛ ما هو العمل الصالح الذي يحيا العبد به سعيدا؟ ويكون في الآخرة سعيدًا ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾.

العمل الصالح عباد الله هو ما توفر فيه إخلاص العمل لله رب العالمين والمتابعة للنبي الكريم ﷺ.

لن يكون عملك عملا صالحا إلا بهذين الشرطين، وإلا بهذين الركنين العظيمين؛ أن تخلص العمل لوجه ربك -جل في علاه- لأن الله ﷻ لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا، وأُريد به وجه الله رب العالمين.

قال ﷻ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فأمرهم الله ﷻ بالعبادة، وأمرهم على أن يخلصوا له في العبادة.

شروط العمل الصالح

فالشرط الأول في أن يكون العمل صالحاً أن تخلص في العمل لوجه ربك ﷻ فلا تطلب بعملك منفعة، ولا ترجو به محمدة، ولا تريد به رِفعة، ولا تفعله رياءً ولا سمعة إنما تقوم به ابتغاء وجه الله رب العالمين، ترجو به الأجر والمثوبة من الله ﷻ.

وإذا فقد الإخلاص في العمل رد الله ﷻ العمل على صاحبه حتى ولو كان العمل من أعظم الأعمال، حتى ولو كان حجًا، حتى ولو كان جهادًا، حتى ولو كان صدقة، حتى ولو كان قرآنا وعلمًا لأن الله ﷻ أغنى الشركاء عن الشرك «من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، فهو للذي أشرك وأنا منه بريء».

فعملك يا عبد الله لن يقبل إلا إذا أردت به وجه الله رب العالمين وحده وأما الرياء وأما السمعة فلا يقبل الله رب العالمين عمل العاملين.

وأما الشرط الثاني حتى يكون العمل صالحًا، حتى نحقق شرط الله في الآية ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾.

الشرط الثاني أن يكون العمل موافقاً لما جاء به النبي ﷺ فتخلص عملك لله وتعمل العمل على هدي رسول الله ﷺ الذي قال وخير الهدي هدي محمد ﷺ، الذي قال الله في حقه  ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾، وقال الله في شأنه ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.

وجعله الله رب العالمين لنا قدوة وأسوة فقال ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.

فأعمال العاملين ينبغي أن توزن على هدي النبي الكريم، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله هو ﷺ فما وافقها فهو المقبول عند الله وما خالفها فهو المردود على قائله وعلى فاعله كائنا من كان لأن الكل يؤخذ منه ويرد إلا المعصوم ﷺ، ولا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ.

فكل ما جاء به الحق، وكل ما نطق به صدق، فالدين ما جاء به والشرع ما شرع والحلال ما أحله، والحرام ما حرمه ﷺ.

فهو مبلغ في كل ذلك عن ربه -جل في علاه- وقد مدحه الله بقوله ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى | إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾.، فاللهم صل وسلم وبارك على إمامنا ونبينا ﷺ.

وأما إذا خالف العبد ما جاء به رسول الله ﷺ فليعلم أن العمل عليه مردود لقول ﷺ «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، أي؛ مردود على قائله، ومردود على فاعله كائنًا من كان.

من أحدث في الإسلام ما ليس منه، وتقرب إلى الله بعمل لم يشرعه رسول الله ﷺ، وحسّن بعقله عبادة لم يأذن بها رسول الله ﷺ، أو عملها لكن على غير الوجه الذي فعله النبي ﷺ فليعلم أن العمل عليه مردود.

فلا يقبل العمل من العاملين إلا بشرطين؛ إلا بإخلاص العبادة لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾، فليس هذا خاصًا بالذكور وحدهم، وليس هذا خاصًا بالإناث وحدهم وإنما هذا لكل عاملٍ ذكرًا كان أم أنثى لأن كثيرا من النساء يظنون أن الأعمال الصالحة مختصة بالرجال.

الرجال النساء على حد سواء إلا ما جاء به الشرع أنه من خصائص الرجال أو من خصائص النساء.

وأما في الأحكام العامة فالرجال والنساء على حد سواء، فالمرأة إذا عملت العمل الصالح، وكذا الرجل فجمع الله ﷻ بينهما حتى لا يظن ظان أو يتوهمنّ متوهمٌ أن هذا مختص بالرجال وحدهم أبدا بل هذا للرجال وللنساء ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.

فبين الله ﷻ أن الأعمال الصالحة لا تُقبل من العبد إلا إذا كانت على أساس من العقيدة الصحيحة، لا تقبل إلا من أهل الإيمان، جعلنا الله ﷻ من عباده المؤمنين.

اللهم زينا بزينة الإيمان يا رب العالمين.

لا يقبل العمل إلا بشرط الإيمان. قال ﷻ ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، فشرط ﷻ الإيمان ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾.

ما هو الإيمان؟

فلا بد من تحقيق الإيمان عباد الله، والإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل، الإيمان ليس كلمة تقال وإنما الإيمان قول باللسان واعتقادٌ بالقلب وعمل بالجوارح، ولا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر، يعني لا بد من الثلاثة مجتمعة؛ قول باللسان بأن نطق اللسان بـ “لا إله إلا الله محمد رسول الله” واعتقاد بالقلب بأن يعتقد العبد اعتقادًا جازماً بصدق ما دلت عليه كلمة الإخلاص “لا إله إلا الله محمد رسول الله” وعمل بالجوارح وذلك بأن يعمل باركان الإسلام وشعائر الإيمان، يعمل بطاعة الله ويبتعد عن معصية الله رب العالمين، فهو قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، ولا بد من الثلاثة مجتمعة يزيد بطاعة الرحمن.

كلما فعلت طاعة وتقربت إلى ربك ﷻ زاد الإيمان، وينقص بالمعاصي والعصيان، فإذا وقعت في سيئة أو معصية ضعف الإيمان وقل «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» كما قال ﷺ.

وأهل الإيمان ليسوا على درجة سواء فمهنم قوي الإيمان ومنهم ضعيف الإيمان.

فلا يقبل الله العمل الصالح إلا من عباده المؤمنين فأحمد الله ﷻ على نعمة الإسلام، واشكر ربك ﷻ على نعمة الإيمان، واسأل ربك ﷻ الهداية والتوفيق لصالح الأعمال.

أحمد ربك أنه جعلك على دين رضيه لنا دينا فقال ﷻ ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾.

أحمد الله الذي جعلك على دين لا يقبل الله رب العالمين دينا سواه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

فلا بد من الإيمان عباد الله وأما غير المؤمنين فيُكافئهم الله ﷻ على الأعمال في الدنيا وليس لهم في الآخرة من نصيب كما قال ﷻ ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾.

وقال النبي ﷺ كما عند مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله ﷻ عنه أن رسول الله ﷺ قال «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها».

الكافر إن عمل خيرًا يكافئه الله رب العالمين عليه في الدنيا؛ يوسع عليه في الأرزاق، ويعافيه الله رب العالمين في الأبدان يكافئه إذا شاء ﷻ.

وأما في الآخرة فليس له من حسنة ولا ثواب ولا أجر كما أخبر النبي ﷺ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، أي يعافيه الله رب العالمين في بدنه، ويشرح الله رب العالمين له صدره، ويفرج عنه كربه، ويذهب عنه همه، ويبارك له في ماله وأهله وولده، ويجعل من عباده السعداء ويرزقه الله ﷻ العافية والقناعة، والرضا والصبر، ويجعله الله ﷻ موفقا إلى الأعمال الصالحة، جزاء لطاعتهم لربهم، وإقبالهم على طاعة مولاهم ﷻ.

نسأل الله ﷻ أن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

أقول قولي هذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ﷺ.

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده وصلاة وسلامًا على من لا نبي بعده، إمامنا ونبينا محمد ﷺ وعلى من تبعه وسار على نهجه صلاة وسلاما دائمين متلازمين عليك سيدي يا رسول الله إلى يوم الدين.

عباد الله من أراد السعادة الحقيقية في الدنيا وفي الآخرة، فهذا هو طريقها كما وضحه الله رب العالمين لعباده. ومن أراد السعادة في غير هذا الطريق فقد أخطأ الطريق.

طاعة الله سعادة وفلاح في الدنيا والآخرة

الله رب العالمين رسم لنا طريقًا ووضح لنا منهاجا من أخذ به سعد في الدنيا وفي الآخرة.

قال ﷻ ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾، يعني؛ فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، وما دام أنه لا يضل إذا فله الهداية، وما دام أنه لا يشقى إذا فله السعادة.

من تمسك بالقرآن وعمل بما فيه فله الهداية وله السعادة في الدنيا وفي الآخرة، وهذه آية عظيمة من كلام ربنا ﷻ نحيا في رحابها عباد الله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾.

يقسم الله رب العالمين ويؤكد بأنواعٍ من التأكيد، أنه ﷻ سيحييه الحياة الطيبة، الحياة السعيدة، الحياة الهادئة، الحياة الهانئة فلا نغص في معيشته، ولا كرب ولا هم، ولا غم، وإنما يشرح الله رب العالمين صدره، ويملأ قلبه فرحٍا وسرورٍا، ييسر له الأمر ويفرج عنه الكرب، ويبارك له في المال ويصلح له الأهل والذرية، ويوفقه الله رب العالمين إلى الأعمال الصالحة، نعم هذا بالعمل الصالح.

فما من كرب إلا وفرجه الله رب العالمين عن أهل الإيمان والصلاح، وقد جاءك في الخبر خبر الثلاثة أصحاب الغار الذين ذكرهم النبي المختار ﷺ لما دخلوا إلى الغار فجاءت صخرة عظيمة على فم الغار فسدته فلا نجاة ولا خلاص ولا مهرب ولا مخرج.

فقال قائل منهم والله لا نجاة لكم إلا أن تتوسلوا إلى ربكم بصالح أعمالكم، فنجاهم الله رب العالمين بصالح الأعمال فخرجوا يمشون كما أخبر الإمام المأمون ﷺ.

احفظ أبنائك وأهلك بالعمل الصالح

العمل الصالح يحفظ به الله رب العالمين أبناء العبد بل وأبناء أبنائه وأهله وجيرانه، وعشيرته وأقاربه كما ﷻ ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا﴾.

وقال ﷻ ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾، وأما اليتيمين فلم يذكر عنهما صلاح، ليس هناك دليل أنهما كانا من الصالحين، وإنما الذي كان صالحا هو الوالد.

قال أئمة التفاسير هو الأب السابع ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾، هو الأبُ السابع لهذين اليتيمين.

فالله ﷻ يحفظ العبد الصالح وأبنائه وأبناء أبنائه وأقاربه وجيرانه وعشيرته ما دام فيهم كما قال محمد بن المنكدر -رحمه الله- ﷻ رحمة واسعة.

الأعمال الصالحة عباد الله من أسباب البركات، ومن أسباب سعة الأرزاق على العباد.

قال ﷻ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾.

فالأعمال الصالحة تثمر للعبد رغد العيش والبركة في الأرزاق كما أخبر الله رب العالمين في القرآن المجيد.

العمل الصالح أمن وأمان

الإيمان بالله والعمل الصالح من أعظم أسباب الأمن، الأمن في الأوطان فلا أمن إلا بالإيمان والعمل الصالح ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾.

فلهم الأمن الكامل العام الشامل بكل وجه واعتبار، ولهم الهداية الكاملة التامة بماذا؟ بإيمانهم وبالأعمال الصالحة ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾.

فمن حقق الإيمان وأقبل على طاعة الرحمن كان سعيدًا في الدنيا، فيا سعادته حينما يفرج الله رب العالمين كربه، ويا لانشراح صدره حينما ييسر الله رب العالمين أمره، ويا لسعادته حينما يوفقه الله رب العالمين إلى طاعته ومرضاته.

وكذلك له الحياة السعيدة عند موته فيقال له وهو على فراش الموت، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ | ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً | فَادْخُلِي فِي عِبَادِي | وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.

فيقال لها: أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي إلى رضا ورضوان، ورب راض عليكِ غير غضبان، فتصعد إلى الله رب العالمين في كفن من أكفان الجنة وحَنُوط من حَنُوط الجنة كما أخبر النبي ﷺ.

ويا سعادة العبد المؤمن الصالح في قبره حينما يثبته الله رب العالمين عند سؤال الملكين، وحينما يفسح الله رب العالمين له في قبره مد بصره، وحينما يأتيه من ريح الجنة، وحينما يرى النعيم يقول: رب أقم الساعة.

يا سعادة حينما يأتيه رجل أبيض الوجه أبيض الثياب طيب الرائحة يقول من أنت؟ فيقول أنا عملك الصالح كما أخبرنا بذلك النبي ﷺ.

فيا سعادته في قبره، ويا سعادته في الآخرة ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي؛ في الآخرة يوفيهم الله رب العالمين أجرُا حسنا كثيرًا عظيمًا ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.

يا سعادته حينما يأخذ الكتاب باليمين، ويا فرحته حينما تثقُل الموازين، ويا سعادته حينما يمر من على الصراط وينجو من نار الجحيم.

فالسعادة عباد الله من أرادها، ومن كان يبحث عنها، ومن كان يطلبها فهذا هو سبيلها، الذي لا سبيل لها غيره ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.

كما قال ﷻ «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر».

نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعلنا من عباده السعداء في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة.

وهنا لأئمتنا وخطبائنا الأجِلَّاء؛ يجِدون: خطب جمعة جاهزة ومكتوبة بواسطة أكابر علماء الخطابة

الدعاء

  • اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
  • اللهم اجعلنا من عبادك السعداء في الدنيا وفي الآخرة.
  • اللهم إنا نعوذ بك من الشقاء، ونعوذ بك من البلاء، ونعوذ بك من شماتة الأعداء.
  • اللهم اشرح صدورنا، ويسر أمورنا وفرج كربنا، وأحسن خاتمتنا.
  • اللهم توفنا وأنت راض عنا.
  • اللهم أدخلنا الجنة من غير عذاب، وأدخلنا الجَنة من غير حساب.
  • حَرِّم أجسادنا على النار، وحرم وجوهنا على النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار.
  • اللهم ارزقنا السعادة الحقيقية يا ذا الجلال والإكرام.
  • اللهم وفقنا إلى ما تحب وترضى، وتوفنا وأنت راض عنا، وأحسن خاتمتنا، واجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله ﷺ.

وأقم الصلاة.


خطبة: السعادة الحقيقية

  • ألقاها: الشيخ هاني مصطفى نجم؛ جزاه الله خيرا.
  • موضوعها: تحدَّث الخطيب بشكل مكثَّف ومسهب عن سبل تحقيق السعادة الحقيقية في الدنيا والآخِرة؛ وكيف يُمكن للمسلم أن يسعى جاهدًا ليصل إلى هذا المُراد.
  • مُقترَح: خطبة عن أهمية التخطيط في حياة المسلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى