خطبة: الحياة الطيبة سكينة في الدنيا وسعادة في الآخرة

خطبة الجمعة القادمة مكتوبة , الحياة الطيبة سكينة في الدنيا وسعادة في الآخرة

موضوع متميّز هذا الأسبوع ينتظرنا على منابر الجمعة. فلدينا الآن خطبة: الحياة الطيبة سكينة في الدنيا وسعادة في الآخرة. وهي تلك المباركة التي سنُبحر من خلالها في وصايا وتوجيهات ديننا الحنيف؛ المتمثل في آيات القرآن الكريم وأحاديث المطصفى ﷺ حول هذا الموضوع.

فأعيرونا القلوب والعقول والأبصار لننهل كل الخير من هذه الخطبة المبارَكة.

مقدمة الخطبة

الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة؛ وأشهد أن لا إله إلا الله الملك العلام. (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

ونشهد أن محمد رسول الله ﷺ سيد ولد آدم أجمعين.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الخطبة الأولى

لا يخفى على أحد أن من طبيعة الإنسان أنه دائم البحث عن أسباب السعادة والطمأنينة وراحة البال وما يوصل إليها من قول أو فعل، وقد يظنّ كثير من الناس أن السعادة مرتبطة بالأسباب المادية ككثرة الأموال وجمعها، أو بناء العقارات، وقد يرى بعضهم أنها بكثرة الأولاد، أو بالشهرة بين الناس، أو غير ذلك من الأمور، غير أن الله ﷻ الذي خلق الإنسان وهو الأعلم به وبأسباب سعادته وراحته، بيّن لنا أن السعادة الحقيقة وراحة البال، إنما تكون بما هو أسمى وأرفع من التعلق بمظاهر الدنيا وزخرفها الخادع، والتي قد تتحول إلى سبب للنقمة والشقاء بدل أن تكون سبباً للراحة والتنعم، فربما تجرّ الأموال على صاحبها قلقاً في حراستها والحرص عليها، وآثاماً في إنفاقها بغير حقها.

وقد يذوق الإنسان من أبنائه عقوقاً بدل أن يؤدوا إليه حقوقاً، وقد تجرّ الشهرة على صاحبها استكباراً وغروراً، لذلك فإن الراحة والسعادة في هذه الأمور قد تكون زخرفاً خادعاً، وزينة متوهمة، وبذلك تبقى نفسه مضطربة قلبة، حريصة على البحث عن السعادة فلا تجدها، كما قال ﷻ: (فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)، وما ذاك إلا لأن السعادة أمر لا يأتي من الخارج، بل هي أمر ينبع من قلب الإنسان، ويفيض على جوارحه.

والحق أن الحياة الطيبة هي التي يعيشها المسلم في طاعة ربه ﷻ فإن ثمرتها السكينة في الحياة الدنيا، يعيش حياة لا يشوبها القلق، قلبه مطمئن بذكر الله ﷻ، ولسانه رطب بذكر ربه الذي أحياه هذه الحياة الطيبة.

وإن من أهم أسباب بلوغ الإنسان للحياة الطيبة والطمأنينة أن يداوم المسلم على ذكر الله ﷻ في جميع أحواله، وأن يكون القرآن الكريم هو أنيسه وجليسه، وأن يحرص المسلم على مجالسة الصالحين الذين يذكرونه بالله ﷻ، ويقودونه إلى طريق السعادة في الدنيا والآخرة.

وتستمر الحياة الطيبة الهادئة التي عاشها المسلم في الدنيا لينال السعادة الأبدية والخلود في الجنة في مقعد صدق عند مليك مقتدر عطاء غير مجذوذ ولا مقطوع.

على المسلم أن يجعل من مقومات السعادة في الحياة الدنيا معونة له للوصول إلى سعادة الآخرة فإن استعان بها في الإحسان وفعل الخير كانت معينة له للوصول إلى السعادة الكبرى بأن تحيا النفس حياة طيبة بعد موتها وانتقالها إلى دار الخلود، فيكون المؤمن الصالح الذي بذل المعروف ورضي بقضاء الله من أهل السعادة في الآخرة، خالداً مخلداً في جنات النعيم، بعد أن يرى جزاء عمله الصالح.

فلا تكون السعادة والحياة الطيبة وسكينة النفس إلا بارتباط الإنسان مع خالقه، وفعل كل عمل صالح يقرب إليه، يقول ﷻ: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

قال ابن عباس في تفسير الحياة الطيبة: أنها الرزق الحسن في الدنيا، وقال الحسن البصري، “هي القناعة”، وقال الإمام الضحّاك: “أن يعيش مؤمنًا بالله عاملا بطاعته”.

فالإنسان إن ارتبط بخالقه ﷻ، أنار قلبه بالإيمان، وامتلأت نفسه ثقةً بالله، وذلك بطمأنينة قلبه، وسكون نفسه، وعدم التفاته لما يشوش عليه، ويرزقه الله رزقا حلالًا طيباً من حيث لا يحتسب، ويجزيه أجره في الآخرة أضعافاً مضاعفة من أصناف اللذات مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيؤتيه الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ومهما تكالب عليه ظروف الحياة، أو أصابته الابتلاءات، فإنه يعلم بأن له رباً خالقاً مدبراً، لا يغفل عنه، ولا يتركه، فتطمئن نفسه للرضى بقضاء الله وقدره، ويعيش حياةً طيبة تملؤها السكينة والطمأنينة، وراحة البال.

يقول الله ﷻ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ)، وقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ قوله: «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» مسند الإمام أحمد.

لذلك فإن من أهم أسباب بلوغ الإنسان للحياة الطيبة والطمأنينة أن يداوم المسلم على ذكر الله ﷻ في جميع أحواله، وأن يكون القرآن الكريم هو أنيسه وجليسه، فإن ذلك يؤدي إلى ارتباط الإنسان مع خالقه، يقول ﷻ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، وأن يحرص المسلم على مجالسة الصالحين الذين يذكرونه بالله ﷻ، ويقودونه إلى طريق السعادة في الدنيا والآخرة

يقول ابن عطاء الله السكندري: اعلم أن المجانسة تكون بالمجالسة، إن جلست مع المسرور سُررت، وإن رافقت الغافلين غفلت، وإن جلست مع الذاكرين لله ذكرت، فتبصر أمرك وتدبر حال صحبك، وإن وفقك الله إلى صحبة طيبة فأكثر من شكر الله على هذه النعمة العظيمة، ولا تصاحب من لا يدلك على الله.

وبالمقابل فقد بيّن ﷻ، مصير من يعرض عن ذكر الله ﷻ، بأنه في التعاسة التامة، والشقاء الدائم، فقال ﷻ: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى).

وأسباب الحياة الطيبة وسكينة النفس والوصول إلى السعادة، أن يعيش المؤمن راضياً بما قسمه الله ﷻ، فيبتعد عن الطمع، وحسد الآخرين على ما أتاهم الله ﷻ من نعمة وفضل، وأن يتذكر نِعَم الله ﷻ عليه التي لا تُعد ولا تحصى، فإن الجشع والطمع، يؤدي إلى التسخُّط على أقدار الله، ويورث الهم والحزن في الصدر، والنكد في الحياة، والفقر في الحال والمآل.

وقد كان من دعاء النبي ﷺ أنه كان يستعيذ من نفسٍ لا تشبع، وبيّن ﷺ أن الغِنى هو غِنى النفس، لا بكثرة الجمع والجمع والمنع، وأن القناعة كنزٌ لا يفنى، فقال ﷺ، “وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ” سنن الترمذي.

فمن كان سعيه في الحياة الدنيا في رضى الله ﷻ، والحرص على عبادته، فإن الله ﷻ سيرضيه ويغنيه، ويصبّ عليه من الخيرات والبركات في الرزق، والطمأنينة وراحة البال، ومن عاش حياته يلهث وراء سعادة دنيوية زائلة، وشهوة مؤقتة، وسيطر الطمع على نفسه، فإن سيحيى فقير النفس، قلق الفِكر، تسيطر عليه الوساوس والشهوات

يقول النبي ﷺ: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» سنن الترمذي.

كما يذكرنا النبي ﷺ بأن القناعة تكون باستشعار نِعم الله ﷻ علينا، وما امتنّه على الناس من نعمة الأمن في الأوطان، والمعافاة في الأبدان، هي من أهم أسباب السعادة وراحة البال، لأن هذه النِّعم، لا تُقدّر بثمن ولا توزن بمكيال، ولا تُقاس بمقياس، فقال ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» سنن الترمذي.

فإن توافرت هذه الشروط في قلب المؤمن، فإنه سيصل إلى درجة الإحسان في الإيمان، والعبادات والمعاملات مع الآخرين، بل سيجد حلاوة الإيمان في قلبه، ونوراً في بصيرته، يقول النبي ﷺ: ” ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار”، متفق عليه.

ومن وجد حلاوة الإيمان، امتلأ قلبه سكينة ورحمة، ونوراً وضياءً، يقول ﷻ: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).

وهنا أيضًا: خطبة مشكولة عن السعادة والشقاء.. من الوصايا النبوية الجليلة

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).

عباد الله: ذكر لنا النبي ﷺ عن أسباب السعادة في الحياة الدنيا، فقال ﷺ: “أربعٌ من السعادة: المرأةُ الصالحة، والمسكنُ الواسِع، والجارُ الصالح، والمَرْكَب الهنيء، وأربعٌ من الشقاء: المرأة السوء، والجار السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيِّق” صحيح ابن حبان.

فإن هذه الأسباب هي مقومات السعادة في الحياة الدنيا فإن استعان بها الإنسان في الإحسان وفعل الخير كانت معينة له للوصول إلى السعادة الكبرى بأن تحيا النفس حياة طيبة بعد موتها وانتقالها إلى دار الخلود، فيكون المؤمن الصالح الذي بذل المعروف ورضي بقضاء الله من أهل السعادة في الآخرة، خالداً مخلداً في جنات النعيم، بعد أن يرى جزاء عمله الصالح عند الله ﷻ يقول الله ﷻ: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ).

وصَل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد؛ فقد وصلنا يا إخواني إلى نهاية صفحتنا هذه؛ والتي طرحنا لكم من خلالها خطبة الجمعة المكتوبة هذه، بعنوان: الحياة الطيبة سكينة في الدنيا وسعادة في الآخرة. كما نوصيكم أيضًا بمتابعة الاطلاع وستجدون تاليًا خطبة عن السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة. فنسأل الله الكبير المتعال ﷻ أن ينفعنا وإياكم -أيها الخطباء والقُرَّاء والمستمعون الأجلاء- بهذه الخطب والدروس والمحاضرات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: