خطبة قصيرة مكتوبة عن الأشهر الحرم

ولطالما كانت الدعوة إلى التذكير بأيَّام الله في غاية الأهمية، لكونها أمر إِلَٰهي. هنا نقدم لكم خطبة قصيرة مكتوبة عن الأشهر الحرم. نأمل أن تنال استحسانكم وأن تنتفعوا بها.

خطبة قصيرة مكتوبة عن الأشهر الحرم

مقدمة الخطبة

الحمد لله نحمد؛ اللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضا، ولك الحمد على كل حال.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا | يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

أما بعد، فإن أصدَق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-. وشر الأمور مُحدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ في النار.

الخطبة الأولى

أما بعد؛ عباد الله، وظيفة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام تذكير الناس بأيام الله -سبحانه وتعالى-. قال الله -تبارك وتعالى- ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. وأيام الدنيا كلها أيام الله -تبارك وتعالى-. فما من يومٍ يصبح العباد فيه إلا هو ملكٌ لله -سبحانه وتعالى-.

قد جاء التشريف لبعض الأيام دون غيرها في تفاضل الأعمال فيها، لشرف الزمان، وربما يجتمع معه -في بعض الأحيان- شرف المكان. قال الله -تبارك وتعالى- في سورة التوبة ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُم﴾.

جاء التخصيص في هذه الشهور دون غيرها لاشتمالها على فريضةٍ من أعظم الفرائض، بل من أركان الإسلام، ألا وهي حج بيت الله -تبارك وتعالى-.

الأشهر الحرم

هذه الأشهر التي أخبر عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- وذكرها. قال -صلى الله عليه وسلم- «السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان».

فهذه الأشهر الحرم التي ورث العرب قبل الإسلام عن سيدنا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- تعظيمهم لهذه الأيّام. فكانت تسود فيها الألفة والمحبّة، وكانت العرب تُطفئ فيها نار الفتنة والحرب في هذه الشهور المباركة.

فذو القعدة كانت تبعد فيه العرب عن القتال احتراماً وتقديراً واستعداداً لشهر ذي الحجة الذي فيه أعظم الشرائِع والشعائِر من الله -تبارك وتعالى-.

تستمر هذه الهدنة إلى شهر ذي الحجة حتى أداء مناسك الحج.

ثم كانت العرب تحرم القتال في محرم حتى يتيسر للقبائل أن تعود إلى بلادها آمنةً مطمئنة.

وأما شهر رجب؛ فقد كان يُعْقَد فيه الصلح. وسُمي عند العرب بشهر رجب الأصم، لأنه لا يُسمع فيه صوت سيفٍ ولا رُمح. وقيل من أسماء رجب الأصب لأن رحمات الله -تبارك وتعالى- تُصَب على عباده في هذا الشهر المبارك.

أيها الأخ الكريم؛ تستطيع أن تجعل من كل أيامك أيامًا لله -تبارك وتعالى-، ومن هذه الأيام التي ينبغي للمسلم أن يجتهد فيها بالطاعات والعبادات الأشهر الحرم التي حرم الله -تبارك وتعالى- فيها القتال.

وما كان من اليهود ومن عملائهم إلا أن يتحايلوا على دين الله -تبارك وتعالى- بتقديم وتأخير هذه الأشهر حتى يتسنى لهم القتل وسفك الدماء بغير حق، كما قال الله -تبارك وتعالى- ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين﴾.

هذا حال اليهود وحال أبنائهم في كل زمانٍ ومكان ﴿لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾ ولا يُراعون صغيراً ولا كبيرا، لا يراعون طفلا ولا شيبًا. يعتدون على الحرمات ويسفِكون الدماء. وفي كل يوم نسمع عن سفك للدماء بدمٍ بارد، وعن قتل وتصفية واغتيال لكل صاحب كلمة حرة شريفة، على الرغم من الاختلاف معهم في المنهج أو المقصد؛ لكن سفك الدماء محرمٌ في دين الله -تبارك وتعالى-.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم». ولما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، قال: «مرحبا بك من بيت، ما أعظمك وأعظم حرمتك، وللمؤمن أعظم حرمة عند الله منك».

أيام الله، أيامٌ زمان حلت في أُمم غابِرة بسبب الإعراض عن دين الله -تبارك وتعالى-.

هذا حال اليهود؛ وقد وصفهم الله -تبارك وتعالى- أنهم ﴿لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّه﴾، لا يقيمون لها احتراما ولا تقديرا. وهذا حالهم باغتيال الأبرياء وسفك الدماء والتطاول على الأعراض، وانتهاك الحرمات.

أيام الله -تبارك وتعالى- أيام نصرٍ وفرجٍ لأمة الإسلام. وقد كانت حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- كلها أيام الله -تبارك وتعالى-.

فكل حركاته وسكناته في حله وترحاله -صلى الله عليه وسلم-؛ كانت أيامه كلها أيام الله -تبارك وتعالى-.

أيها الإخوة الكرام؛ ونحن نعيش في ظلال هذه الأشهر الحرم، وفي أول هذه الشهور شهر ذي القعدة. والناس في هذا العام -كما هو الحال في العام الماضي- قد حرموا من أداء فريضة الحج بسبب جائِحة كورونا. فحريٌّ بنا أن نجتهد في هذه الأشهر بالتقرب إلى الله -تبارك وتعالى- بأنواع الطاعات والقربات. وأن نعقد النية على أداء مناسك الحج في هذا العام. وإن لم نتمكن، وإن حبسنا العذر كتب الله -تبارك وتعالى- لنا الأجر.

لذلك أيها الإخوة الكرام؛ الأعمال كثيرة والقربات في هذه الشهور، والأجور عظيمة. فلا بد من أن نجتهد في هذه الأيام وفي هذه الشهور حتى نتحصل على ما أعَد الله -تبارك وتعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- ولأصحابه -رضوان الله عليهم- من نعيمٍ مقيم ومن أجر وثوابٍ كريم عنده -سبحانه وتعالى-.

اسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم؛ فيا فوز المستغفرين.. أستغفر الله.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد أمام المتقين وقائد المجاهدين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد؛ في هذه الشهور يقول الله -تعالى- ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. ويتعاظم وِزر الظلم في هذه الشهور؛ وإن كان الظلم في جميع الأيام محرماً كما جاء في الحديث القدسي ﴿يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا﴾.

ويقول الله -تبارك وتعالى- ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

أيها الإخوة الكرام؛ من سُنن الله -تبارك وتعالى- في الظالمين أن مصيرهم إلى زوال.

ومن سنن الله -تبارك وتعالى- في الظالمين أن الله -تبارك وتعالى- يبتلي الظالم بمن هو أظلَم منه ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾.

ومن سنن الله في الظالمين أن دولهم إلى زوال وإلى هلاك. وما نراه من قوة وجاه ومنصب للظالمين إنما هو استدراج، كما قال الله -تبارك وتعالى- ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.

أيها الإخوة الكرام؛ علينا أولا ألا نكون في صف الظالمين، وألا نواكبهم ولا نجالسهم ولا نعاشرهم، وأن نبرأ إلى الله -تبارك وتعالى- منهم.

كما يجب علينا ألا نستكين لهم، فهذه صفة المؤمن كما ذَكَرَ الله -تبارك وتعالى- ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾. وألا نركن إلى الظالمين ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّار﴾.

لذلك أيها الأخ الكريم، إياك أن تكون عونًا لظالمٍ مستبد بإشارة أو عبارة، لأن الله -تبارك وتعالى- تكفَّل بزوالهم وزوال نسلهم ومُلكهم ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

لذلك أيها الأخ المبارك؛ لا تكن عونًا لظالمٍ في التضييق على الناس في أرزاقهم ومعاشهم وحياتهم ودينهم وعقيدتهم، فتكون من هؤلاء الظالمين.

الدعاء

نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعجل بهلاك الظالمين.

ونسأله -سبحانه وتعالى- أن يرفع عنا البلاء والوباء.

اللهم يا غياث المستغيثين، يا مجير المستجيرين، يا ناصر المستضعفين؛ اللهم كن لعبادك المستضعفين في كل مكان، اللهم ثبت إخواننا المرابطين في فلسطين، اللهم كن لهم عونًا ونصيرا.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغِنى.

اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك.

وأقم الصلاة.


كانت هذه خطبة قصيرة مكتوبة عن الأشهر الحُرُم. نسأل الله -سبحانه- أن ينتَفِع بها كافة المسلمين على وجه العموم، وأئِمتنا على وجه الخصوص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: