خطبة عن استقبال شهر رمضان المبارك

ما أن يقترب الشهر الفضيل حتى يبدأ الأئمة والخطباء في شد المئزر وشحذ المنشار، وبدء إعداد خطبة عن استقبال شهر رمضان المبارك لحَث المسلمين على كل خير ونهيهم عن كل إثم وسوءٍ وشر. وتوجيههم إلى ما فيه الخير والفلاح واقتناص ثمرات هذا الشهر المبارك.

ونحن هنا في ملتقى الخطباء وصوت الدعاة نتوجَّه إلى أئِمتنا وخطبائنا الأجلاء الأكارم بهذه المباركة. هي خطبة جمعة مكتوبة عن خطبة عن استقبال شهر رمضان المبارك. آملين أن تنال استحسان الجميع، أئمَّة ومأمومين.

خطبة عن استقبال شهر رمضان المبارك

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله ﷻ، نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله ﷻ من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله ﷻ فلا مُضِلّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ.

أما بعد، فإن أصْدَق الحديث كتاب الله. وخير الهدي هدي محمد ﷺ. وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

الخطبة الأولى

أما بعد، -عباد الله-؛ فإن نعم الله ﷻ على خلقه كثيرة. وإن نِعَم الله ﷻ على أمة محمد ﷺ عظيمة. ومن فضل الله ﷻ عليهم ورحمته أن جعل الله ﷻ لهم مواسم للطاعات. يُقبِل العباد فيها على الله رب الأرض والسماوات، تتضاعف فيها الحسنات، وتتنزل فيها الرَّحمات، وتُغْفر فيها السيئات، وتُطال فيها العثرات.

استقبال شهر رمضان المبارك

وإن من أعظم المواسم التي جعلها الله رب العالمين بمَنه وكرمه. هو ذلك الموسم العظيم الكبير الذي هلَّت علينا نسائمه، وأقبلت علينا ركائِبه. نسأل الله ﷻ أن يُبلغنا إيَّاه، وأن يوفقنا جميعا فيه إلى ما يحبه ويرضاه.

عبد الله؛ ماذا أعددت يا عبد الله لاستقبال شهر رمضان المبارك؛ هذا الشهر العظيم وهذا الضيف الكريم؟

إن العبد إذا أراد سفرا فلا بد من أن يعد له عدة، وإن العبد إذا أراد رحيلا فلا بد له أن يعد لرحيله زادًا. وشهر رمضان -عباد الله- على الأبواب. فبأيّ شيءٍ استعدَّ العبد لهذا الضيف الكريم، حتى يكون فيه من الرابحين الفائزين.

التوبة

اعلموا -عباد الله- أن من أجل الأعمال وأفضل العبادات التي ينبغي على العبد أن يستعد بها للدخول على الله في رمضان، عبادة عظيمة لا يستغني عنها أحد من المسلمين. لا بَر ولا فاجِر ولا مقيمٌ ولا مسافر. هي مع العبد من الطريق إلى نهايته. هي مع العبد حتى يرحل إلى ربه ﷻ. هي مُلازمة له حتى الممات. هذه العبادة وهذه الطاعة التي غَفَل عنها الكثير من الناس هي التوبة والرجوع إلى الله رب العالمين.

الناس إذا استمعوا إلى كلمة التوبة؛ أعرضت عنها الأسماع، وأعرضت عنها القلوب. ووالله أنها لمن أعظم المنازل عند الله رب العالمين التي يخرج منها العبد كيوم ولدته أمه. كما أخبرنا النبي ﷺ.

التوبة -عباد الله- تعني العودة، وتعني الرجوع إلى الله رب العالمين. تاب العبد، أي: عاد إلى الله، ورجع إلى سيده ومولاه. عاد العبد من الشِّرك إلى التوحيد، وعاد العبد من الرياء إلى الإخلاص، وعاد العبد من البدعة إلى السَّنَّة، وعاد العبد من اتباع الهوى إلى السير على طريق الهدى، وعاد العبد من المعصية إلى الطاعة، وعاد من الإدبار عن الله إلى الإقبال على الله، وعاد العبد من فعل السيئات إلى الإقبال على فعل الطاعات.

فهذا معنى التوبة -عباد الله-. وما منا من عبد ألا وهو يحتاج إليها حتى ولو كان وليا من أولياء الله الصالحين. جميعنا يحتاج إلى التوبة -عباد الله-:

أولا: تعظيما لأمر الله رب العالمين. الذي نادى علينا في القرآن المجيد آمِرًا لعباده المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾. ناداهم بأعظم نداء، بنداء الإيمان؛ تحبيبًا وترغيبا لهم في هذه المنزلة العظيمة. توبوا إلى الله، أي عودوا إليه، وارجعوا إليه ﴿تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ هي التوبة العامة، هي التوبة الشاملة التي تشمل جميع الخطايا والذنوب الظاهرة والباطنة. مع الاستمرار عليها والثبات والدوام عليها حتى يلقى العبد ربه ﷻ.

ونادى ﷻ في القرآن أيضًا وأمر ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ هذا الخطاب كان موجها في البدء لأصحاب النبي المُهاب ﷺ. ناداهم الله ﷻ بعد الهجرة. بعد إيمانهم، وبعد صبرهم، وبعد هجرتهم، وبعد جهادهم، وبعد تحمل العذاب والمشقة في سبيل دينهم. نادى الله عليهم في القرآن ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾. أي ليس للعصاة وحدهم، وليس للمذنبين وحدهم. وإنما هي لمن؟ لأهل الإيمان جميعا.

فبيَّن أن أعظم سبب من أسباب الفلاح التوبة إلى الله رب العالمين.

وقال في آيةٍ أُخرى ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾. إن تاب العبد وعاد إلى ربه، كان في المفلحين. ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. وليس هناك قسم ثالثٌ يا عبد الله. إما أن يكون العبد من عباد الله المفلحين. وإما أن يكون العبد من الظالمين؛ وليس هنالِك قسم ثالث.

العبد إن أراد فلاحا فعليه بالتوبة. فإن استمر على ذنبه وأعرض عن التوبة كان من الظالمين. لماذا؟ لجهله بحق ربه، ولجهله بجرأته على مولاه. فما أجهله! هو ظالم لنفسه، لأنه أبعدها عن طاعة ربه، واستمر على عِناده ومعصيته. فيا له من عبدٍ ظالم كما وصفه القرآن المجيد.

ثانيًا: نحتاج إلى التوبة -عباد الله- اقتداء وتأسيًا بالنبي الأكرم والإمام الأعظم ﷺ. فإن رسول الله كان يستغفر الله ﷻ في المجلِس الواحِد أكثر من سبعين مرة. رسول الله وخليل الرحمن يستغفر الله ﷻ في المجلس الواحد -ليس في اليوم- أكثر من سبعين مرة؛ وهو من؟ هو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. هو من؟ هو الذي شرح الله صدره. وهو الذي غفر الله ذنبه. وهو الذي أعلى الله قدره. يستغفر الله في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة. وقال لنا «يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مئة مرة».

نحتاج إلى التوبة -عباد الله-، لأنه ما من عبدٍ إلا وهو يخطئ، وما من عبدٍ ألا وهو يُذنب. لأنه لا عِصمة لبشر بعد رسول الله ﷺ. قال ﷺ «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون».

فنتوب إلى الله ﷻ لنكون من خير عباد الله. لأن العبد إذا تاب كان من خير الناس. نحتاج إلى التوبة حتى نخرج من ذنوبنا. فإن التائِب من الذنب كمن لا ذنب له. تأمل وتدبر فيها يا عبد الله وتفكَّر. قال نبيك ﷺ «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». أي يغسِله الله ﷻ من ذنبه إذا تاب إلى الله توبة نصوحا وقَبِل الله منه وتاب الله عليه. فيخرج من ذنبه كيوم ولدته أمه. لا ذنب عليه، ولا خطيئة عليه. قد مُحيت بفضل توبته وإقباله وعودته إلى الله.

شروط التوبة

ولكن اعلم عبد الله -علمني الله وإياك- أن للتوبة شروط. حتى تُقبَل وحتى تكون توبة نصوحا لا بد من أن تتوفر فيها هذه الشروط. فما هي شروط التوبة التي يجب على العبد أن يتحقَّق بها حتى يغفر الله له الذنب، وحتى يستر الله له العيب، وحتى يعفو الله ﷻ عمّا سلف من خطاياه.

١. فأما الشَّرط الأول هو الإخلاص في التوبة لله. وهل التوبة تحتاج إلى إخلاص؟ نعم. فإن التوبة عبادة يتقرَّب بها العبد إلى الله. والله ﷻ لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا، وابتُغي به وجهه ﷻ.

يعني إذا تاب وأراد بتوبته وجه الناس، أن يصِل إلى منزلة عند الناس، أو أن يكون في مكان عالٍ في عيون الناس، أو أن يتبوّأ عِند الناس منصبا؛ فهذا ما تاب لله رب العالمين، أو تاب خوفًا على بدنه، إن علم أن الذنب يضره، فتاب خوفا على جسده؛ فهذا ليس في توبته. أو تاب لعدم قدرته على الذنب، كالعبد الذي يكبر وتضعف قواه، فيتوب إلى الله رب العالمين من ذنبٍ كان عليه مُصرا. هذا تاب لأنه لا يقدر أصلا على فِعل الذنب. أو كان يفعل الذنب بماله فأهلك الله ماله، فلا مال عِنده. فيقول: تبت إلى الله؛ وقلبه معقود. إن وسَّع الله عليه في المال عاد إلى معصية الكبير المتعالي.

٢. وأما الشرط الثاني يا عبد الله هو الإقلاع عن الذنب. أي ترك هذا الذنب. فإن العبد إذا قال بلسانه: تبت إلى الله، وعدت إلى الله؛ وهو مُصر على ذنبه، وهو غير مفارق له.

قال النبي ﷺ «ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون». والحديث أخرجه البخاري وأحمد والطبراني.

فهُم يصرون على الذنوب وهم يعلمون أن الله محاسبهم عليها، ولا يعودون إليه، ولا يتوبون ولا يرجِعون. فوعدهم النبي وتوعَّدهم بويلٍ.

٣. الندم على الذنب. يندم. والندم توبة، كما قال النبي ﷺ. لأنه هو ركن التوبة الأعظم. وذلك بأن يتقطَّع القلب حسرة وألمًا على جرأته على ربه ﷻ.

لا بد للعبد أن يندم على ما فات، وعلى ما فرَّط في حق الله رب الأرض والسماوات، وعلى ما مضى من خطايا وزلات. لا بد أن يندم على ما بدر منه، وما صدر منه. وليحمد الله الذي ستره. فان الذنب لو كان له رائِحة ما أطاق أحد أن يلتقي بأحد -عباد الله-.

ولكننا نحمد الله الذي لم يجعل للذنب رائحة، ونحمد الله الذي عفا ومن وستر، ونسأل كما سترنا في الدنيا أن يسترنا جميعا غدا بين يديه.

٤. وينبغي عليه أن يرد المظالم إلى أصحابها. إن كان الذنب مُتعلقا بغيرك من عِباد الله فيجب عليك أن ترد المظلمة إلى أصحابها. لأن المظالم لا بد ستؤدي؛ إما في الدنيا وإما في الآخرة. حتى أنه «يقاد للشاة الجلحاء، من الشاة القرناء» كما قال إمام الأنبياء ﷺ.

٥. وينبغي على العبد أن يتوب قبل أن ينزل به الموت. فإن «الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»؛ كما قال النبي ﷺ. أي: ما لم تبلغ الروح الحلقوم.

واعلم عبد الله أنه مهما بلغت ذنوبك، ومهما كثرت خطاياك؛ اعلم أنك أن عُدت إلى الله وتبت إليه تجد ربا غفورا رحيما. فإن رسول الله أخبر عن رجلٍ قتل مائة نفس ثم تاب إلى الله رب العالمين، فتاب الله عليه، وقبِل الله رب العالمين منه. وهذا يبين سِعة رحمة الله على عباده. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

مع أنهم أسرفوا، ومع أنهم أكثروا. ومع ذلك يُنادي على ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ﴾، ما زِلتم عبادي. ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ أي تجاوزوا الحد وفعلوا ما لا يخطر ببال العبد. ﴿لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ لا تيأسوا من فضله، ولا تيأسوا من عفوه، ولا تيأسوا من كرمه. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.

فنسأل الله ﷻ أن يتوب علينا لنتوب وأن يغفر لنا جميع الخطايا والذنوب.

أقول قولي هذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ﷺ.

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده. وصلاة وسلامًا على من لا نبي بعده؛ نبينا وإمامنا محمد ﷺ وعلى من تبعه وسار على نهجه. صلاة وسلاما دائِمين متلازمين عليك سيدي يا رسول الله.

اُدْعُ: اللهم بلغنا رمضان

أما بعد -عِباد الله- فإن من أعظم ما يستقبل به العبد رمضان أن يدعو الله ﷻ أن يبلغه رمضان. فلقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم، يسألون الله ﷻ قبل رمضان بستة أشهر أن يبلغهم الله رب العالمين رمضان؛ شوقا إليه.

ولِم لا تشتاق القلوب إلى هذا الشهر العظيم الذي فتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه الشياطين ومردة الجن. تتضاعف فيه الحسنات، وتُغفر فيه السيئات، ويُعتق فيه العباد من النار، وفيه ليلة من أدركها فقد أدرك الخير كله؛ وهي ليلة القدر.

ولِم يفرح العبد بشهر هذه بعض فضائله؟ وهذه قطرةٌ من مِننه. شهر ما أعظمه، وموسم ما أكرمه. تدعو الله ﷻ أن يبلغك إياه وأنت صحيح معافى. وتسأل ربك أن يعينك فيه على الصيام، وإن يعينك فيه على القيام، يعينك فيه على تلاوة القرآن.

لأن العبد لا حول له ولا قوة إلا بالله. هو الذي يعين، وهو الذي يوفِّق، وهو الذي يهدي. فاسأل ربك من فضله.

هناك من الناس من يموت قبل رمضان بأيام قلائل. وهناك من يموت قبل رمضان بساعات، بل هناك من يموت قبل ظهور هلاله بلحظات.

فالعبد إن نوى -نية صادقة صحيحة- إن بلغه الله رمضان أن يكون من الصائمين القائمين الذاكرين التائبين الخاشعين، ومات قبل ذلك؛ أعطاه الله رب العالمين ثوابًا عظيمًا وأجرًا كبيرا.

قال ﷻ ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّه﴾.

خرج من بيته، يهاجر إلى ربه. ولكنه لم يصل إلى دار الهجرة؛ فمات في طريقه. قال ﷻ ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّه﴾. أي أن الله سيعطيه أجرًا عظيما وفضلا كبيرًا، جزاء على نيته الصادقة وجزاء على بذله الجهد حتى يكون من المهاجرين إلى الله.

ينبغي على العبد أن يتضرع إلى الله بصالح الدعوات؛ فإن مات قبل رمضان مات على نية صالحة. وإن بلَّغه الله رمضان كان من المسارعين في ميادين الخير ابتغاء وجه الله رب العالمين.

ألا أن رمضان فرصة لا تعوَّض -عباد الله-، ألا أن العاقل من استعد لها واغتنمها وفارق هواه وأطاع مولاه واتبع نبيه ومصطفاه، لعله أن يُعْتَق في هذا الشهر العظيم من النار. ولعله أن ينال رحمة العزيز الغفار. لعل الله أن يغفر له جميع الخطايا والذنوب والأوزار. فاسأل أن يبلغك إياه.

إعداد النيَّة

وعليك يا عبد الله أن تعد لهذا الشهر نية صادقة.

كم من رمضان مر علينا يا عبد الله وكنا قبل مجيئه نعاهد الله ﷻ أن بلغنا إياه ليرين الله منا جِدًا واجتهادا. ثم بعد لحظات تتكرر المأساة كما هي هي في كل عام.

فعلى العبد أن يُعد نية صادقة وعزما أكيدا وهمة عالية، إن بلغه الله رب العالمين رمضان أن يري ربه ﷻ خيرا عظيما؛ لنفسه. والله غني عن العالمين.

أن يكون العبد في الصلاة مع المصلين، وفي جوف الليل مع القائمين، وهو مع ذلك كله للقرآن من القارئين التالين آناء الليل وأطراف النهار، وهو لله من الذاكرين، وهو لله من الخائفين، وعلى الله من المقبلين.

أرو الله ﷻ خيرا كما كان أصحاب نبيكم ﷺ.

إياك والإسراف في رمضان

استعد. ليس الاستعداد بإعداد الطعام والشراب. كُل ما شئت من حلال ولا تسرف.

ألا إن الإسراف لا يكون إلا في رمضان. ألا إن التبذير لا يكون إلا في رمضان.

مِنّا من استعد بإعداد الطعام الجيد الكثير، وملأ بيته من خيرات ربه استعدادا لرمضان. لكنه لم ينتبه لقول الله ﷻ ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.

اِحْذَرْ لصوص الوقت في رمضان

وبجانب الصنف المسرف، هناك أيضًا من استعد بإعداد الخريطة التي يتابع بها المسلسلات والمباريات والأفلام، وما أشبه. التي بها هؤلاء ليشغلوكم في رمضان عن الله رب العالمين. فهل أنتم لهم مستجيبون؟ وهل أنتم لهم مطيعون؟ وهل أنتم لهم متبعون؟

منذ أيام كثيرة، ترونا في رمضان، انتظرونا في رمضان، تشاهدون في رمضان… حتى تعلقت القلوب؟ فتعلق العبد بهذا التلفاز. ولم قلبه ببيت ربه، ولا بكتاب ربه ﷻ.

فطهّر قلبك وخالف عاداتك، واقبل على ربك.

رسالة لأهل الخراب عند استقبال رمضان

وفي الختام فإن رسول الله ﷺ قال إن الله ﷻ «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته».

وفيه بيانٌ أن أهل البِدع والضلال الله ﷻ يحجب عنهم التوبة حتى يتركوا ما هم عليه من بِدع وضلال.

هنالك من الناس صِنف هو أعظم جرما من الشياطين. الشياطين في رمضان تُصفد وتسلسل، وهؤلاء يستعدون في رمضان ليجعلوه شهر تفجير، وليجعلوه شهر تدمير، وليجعلوه شهر خراب، وليجعلوه شهر إضراب، وليجعلوه شهر فوضى. تُراق فيه الدماء، وتحدث فيه الفوضى، ويحدث فيه ما لم يأذن به الله رب العالمين.

فيا هؤلاء اتقوا الله رب العالمين في أنفسكم وفي المسلمين. لا تُطفئوا فرحة المسلمين باستقبال هذا الشهر العظيم. لا تجعلوه شهر دمار ولا خراب ولا شيء. وإنما عودوا إلى الله رب العالمين من غفلتكم، وعودوا إلى الله رب العالمين من طريقكم. فإن الله حجب التوبة عنكم حتى تعودوا إليه، وحتى ترجعوا إليه، وحتى تدعوا ما أنتم عليه.

فهذا شهر عظيم، فلا تجعلوه شهر عصيان لله رب العالمين. هذا شهر يرجع العبد فيه إلى ربه، لا يخرج فيه على أمة محمد ﷺ؛ يضرِب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده.

هو شهر عِمارة المساجد، لا إحداث الفوضى والتفجيرات في المساجد. هو شهر العبادة، لا شهر القتل. هو شهر الإقبال، لا شهر الدمار.

تتنزل فيه الرحمات، وتتنزل فيه المغفرة والسكينات. فاحذروا غضب الله، واحذروا -عباد الله- بطش الله وانتقام الله. فلا تجعلوه شهر عصيان، ولا تجعلوه شهر محاربة للواحد العلام. وتوبوا إلى الله، واحفظوا ودماء المسلمين معكم، ولا تغضبوا ربكم، ولا تخالفوا منهج نبيكم.

عودوا إلى ربكم؛ فإن الله لا يطرد من وقف على بابه أبدا. إن عاد العبد ورجع إليه، قبِل الله منه. ولكن أروا الله من أنفسكم خيرا.

عُد يا عبد الله من المعصية إلى الطاعة، ومن اتباع الهوى إلى اتباع الهدى، وللسير من طريق الضلال إلى السير خلف رسول الله، واترك المعاصي، وأقبل على ربك، واحفظ جوارحك، وطهر قلبك، وبيّت نيتك. حتى توفَّق، وحتى تُعان في هذا الشهر الفضيل العظيم.

الدعاء

أسأل الله ﷻ أن يبلغنا جميعا رمضان. اللهم بلغنا رمضان. اللهم بلغنا رمضان. اللهم بلغنا رمضان واجعلنا فيه ممن صام فأحسن الصيام، واجعلنا فيه ممن قام فأحسن القيام، ووفقنا فيه لتلاوة القرآن.

اللهم اجعلنا فيه من الخاشعين، واجعلنا فيه من التائبين، واجعلنا فيه من الذاكرين، واجعلنا فيه من الداعين، واجعلنا فيه من المنيبين؛ وتب علينا بفضلك يا رب العالمين.

اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وداو أمراضنا.

اللهم عافنا في قلوبنا، وعافنا في أبداننا.

اللهم سلمنا وسلِّم مِنا.

اللهم عليك بمن أراد بالمسلمين شرا. اللهم شتت شمله واجعل تدبيره تدميره، واجعل في نحره، واجعل الدائرة عليه.

اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين؛ حكاما ومحكومين. واجمع الجميع على الحق وعلى الخير يا أكرم الأكرمين. وتوفنا وأنت راضِ عنا، وأحسن خاتمتنا، واجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ.

وأقِم الصلاة.


هذه كانت الخطبة المباركة من الشيخ هاني مصطفى نجم -حفظه الله-؛ بعنوان: خطبة عن استقبال شهر رمضان المبارك. سائلين الله ﷻ أن ينفعنا جميعًا بما فيها من الوعظ والنُصح والإرشاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى