خطبة عن آثار الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع

خطبة عن آثار الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع

نعم، هي تلك التي يجب أن تكون نصب أعيننا جميعا. إنها خطبة عن آثار الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع. هي أحد الخطب المكتوبة التي نسوقها لكم في ملتقى الخطباء وصوت الدعاة بموقع المزيد. آملين أن ينتَفِع بها كل مسلم على وجه الأرض. سائلين المولى ﷻ أن يُجنبنا الذنوب والمعاصي ما ظَهَر منها وما بَطَن.

مقدمة الخطبة

الحمد لله. الحمد لله عدد ما خلق، والحمد لله ملء ما خلق، والحمد لله عدد ما في السماوات والأرض، والحمد لله ملء ما في السماوات وما في الأرض، والحمد لله عدد ما أحصى كتابه، والحمد لله ملء ما أحصى كتابه، والحمد لله عدد كل شيء، والحمد لله ملء كل شيء.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة. وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فصلوات الله وسلامه عليه.

أما بعد فيا عباد الله؛ ﴿اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

الخطبة الأولى

أيها المسلمون؛ إن معصية الله ﷻ شؤم على صاحِبها. شؤم عليه في دينه ودنياه. شؤم على صاحبها في الدين والدنيا. شؤم على صاحبها في كل شؤونه؛ في نفسه وأولاده وفي بيته. قال الله ﷻ ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

آثار الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع

ولمعصية الله أثار مشينة. منها أن العاصي يُحْرَم العلم. قال الله ﷻ ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّه﴾.

لما ذهب الإمام الشافعي “رحمه الله” إلى الإمام مالك، أُعجب بذكائه وفطنته وحِفظه. قال له الإمام مالك: يا هذا، إن الله ألقى في قلبك نورا. فلا تطفئه بظلمة المعصية.

وقال الشافعي:

شَكَوتُ إِلى وَكيعٍ سوءَ حِفظي — فَأَرشَدَني إِلى تَركِ المَعاصي
وَأَخبَرَني بِأَنَّ العِلمَ نورٌ — وَنورُ اللَهِ لا يُهدى لِعاصي

فالعلم نور يقذفه الله ﷻ بقَلب صاحبه. والمعصية تُطفئ ذلك النور.

ومن آثارها أن العاصي يُحْرَم الرزق. قال الله ﷻ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا | وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾. فمن أسباب الرزق التقوى. ومن أسباب الحرمان معصية الجبار ﷻ -تقدست أسماؤه-  وصفاته.

ومن آثار الذنوب والمعاصي أنها تجلب الهموم والغموم والأحزان والأكدار. قال الله ﷻ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى | قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا | قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾.

يقول ابن القيم “رحمه الله”: له حياة الضنك في الدنيا وفي حياة البرزخ وفي يوم القيامة.

نسأل الله السلامة والعفو والعافية.

ولذلك؛ ترى العاصي يريد أن يُذهِب عن نفسه الهموم بتعاطي المخدرات والمسكرات أو بالسفر. فإن الضنك يلازمه ولو ركب سيارة فارهة. أو سكن قصرًا واسِعا لأن الضنك في القلب، وهو أثرٌ من آثار معصية الله ﷻ. ولو تقلَّب في الديار، ولو أدرك الأموال؛ فإن الله ﷻ أبى إلا أن يذل من عصاه.

ومن آثار أنها تجلب الذِلة لصاحبها في الدنيا والآخرة ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾. أي فليلزم هذا الأمر. فإن العِز كل العِزّ بطاعة الله ﷻ. والذل كُل الذل بمعصيته ﷻ -تقدست أسماؤه وصفاته-.

يقول المبارك: رأيت الذنوب تُميت القلوب. وقد يُورِث الذل إدمانها.

فتجد أن صاحب المعصية ذليل يخشى أن ينكشف أمره عند القريب والبعيد. وإذا افتضح أمره عند الناس، تجِد أنه لا يذهب إلى مجالسهم ومنتدياتهم. لأن المعصية ذِل لصاحبها. فليبتعد عنها الإنسان، وليلازم طاعة ﷻ.

ومن آثار الذنوب والمعاصي -يا عباد الله- أنها تُزيل النِّعَم وتجلب النِّقَم والعياذ بالله. قال الله ﷻ ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.

وعندما قال الصحابة: كيف هُزمنا في معركة أحد؟

النبي ﷺ أمر الرماة ألا ينزلوا من الجبل سواء كانت لهم أو عليهم. فاجتهد الصحابة -رضي الله عنهم- ولما رأوا أن المشركين قد انهزموا، نزلوا من الجبل. قال الله ﷻ ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾.

فإذا أصاب الإنسان شيءٌ فعليه أن يُراجِع نفسه، فإن المعصية شؤم يُعَجَّل في الدنيا، ويُدَّخَر للإنسان يوم القيامة. والله ﷻ يقول ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

فإن المعصية لها عقوبة في الدنيا. ولها عقوبة في الآخرة.

ومن آثار الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع -يا عباد الله- نزع البركة في الوقت وفي المال والأولاد. كما ذكر ذلك ابن القيم. تجِد أن الإنسان يتقاضى مرتبا وقدره وفي نهاية الشهر يقترض من الناس. وعِنده من الأولاد، ولكنه يشكو من العقوق ولا يقضون حاجته. وتذهب الأيام عليه والأشهر والسنون؛ يريد أن يفعل ويفعل ولكنه لا يستطيع لأن البركة نزعت من وقته ومن ومن ماله. ولا يجد مخرجات لهذه النعم.

فعلى الإنسان إذا لاحظ شيئا من ذلك فليكثر من الاستغفار والرجوع إلى الله ﷻ.

ومن آثار المعاصي أنها تُفسِد القلوب. نعم. يقول النبي ﷺ «إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب، ونزع، واستغفر صقل منها. وإن زاد زادت حتى يغلف بها قلبه. فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه: كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ».

يبادر الإنسان حتى لا يعلو الران على القلوب.

ولذلك؛ تعِظ بعض الناس، ولكنه لا يستفيد ولا تتغير حاله. هل هذا زهد في الجنة أو لا يخشى النار؟ لا. ولكن هذه القسوة وهذا الران الذي علا على قلبه جعله لا يتأثر من المواعظ والزواجر.

ومن آثار الذنوب والمعاصي أنها تحول بين العبد وبين الطَّاعة. فكم من شخصٍ يحدث نفسه أنه -على سبيل المثال- يقوم الليل. لكن لا يستطيع أن يقوم الليل أو يريد أن يحفظ القرآن ولكنه لا يستطيع. لأن الذنوب تمنع من هذه الخيرات والبركات.

اللهم كَرِّه إلينا المعاصي بأشكالها وأنواعها يا رب العالمين.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات الحكيم.

أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة. فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا يليق بجلال الله وعظمته. وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد، فيا عباد الله؛ اتقوا الله واحذروا الذنوب والمعاصي بأشكالها وأنواعها.

ومن آثارها أنها تمنع من إجابة الدعاء. فقد جاء في صحيح مسلم في الرجل الذي « يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء». تأملوا.. أتى بكل وسائل وبكل الأسباب التي يحصل معها إجابة الدعاء. ومع ذلك يقول «يا رب، يا رب». ويمد يديه إلى السماء «ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟».

أين الذين يتساهلون بأكل الربا؟ يأكل الربا ويريد أن يتأوَّل. ويقول: هذه مساهمة، فيها أمر، فيها اختلاط. وبعض أهل العلم يقول: تخلص من هذا.

وأنا أقول: من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه.

فاحذر يا عبد الله من أن تقطع السبب أو تُغلق الباب الذي بينك وبين الله. كلٌ تستغني عنه إلا الذي خلقك ورزقك ﷻ “تقدست أسماؤه” وصفاته.

التوبة

ومن وقع بالذنوب والمعاصي يرجِع إلى ارحم الراحمين. يرجِع إلى أكرم الأكرمين. ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

ويقول سبحانه ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

وقال سبحانه ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا | يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا | إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا | وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾.

الدعاء

اللهم تُب علينا أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم بدل سيئاتنا إلى حسنات؛ يا رحمن يا رحيم يا لطيف يا ودود، يا من استوى على عرشه استواء يليق بجلاله.

اللهم اغفر لنا في هذه الساعة أجمعين.

اللهم تُب علينا توبة نصوحا برحمتك يا أرحم الراحمين.

يا رب كَرِّه إلى قلوبنا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.

اللهم على التائبين يا رب العالمين.

يا رب من كان مبتلىً بمعصية من المعاصي؛ اللهم كرهها في قلبه. اللهم أصلح حاله، اللهم املأ قلبه إيمانا ونورا يا حي يا قيوم.

اللهم أصلح أحوال المسلمين. اللهم أصلح أحوالهم في كل مكان. اللهم اجمع قلوبهم على الكتاب والسنة يا أرحم الراحمين.

اللهم فرج هم المهمومين. اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين.

وصلى الله وسلم وأنعم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


كانت هذه خطبة عن آثار الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع. ألقاها فضيلة الشيخ د.عبدالعزيز الفايز -جزاه الله خيرا-.

فمن كان في تخطيطه أن تكون خطبة الجمعة القادمة التي سيُلقيها ستكون عن هذا الموضوع؛ فهذه خطبة جمعة مكتوبة تتناول أثر الذنوب والمعاصي في زوال النعم وحلول النقم والعياذ بالله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: