تربية الأبناء على الجود والكرم

إن الجود خلقٌ لا يقوم به إلا الواثقين بعطاء رب العالمين، الذين يجودون على عباده فيجود الجواد -جل وعلا- عليهم. ويدفعون من أموالهم ولسان حالهم: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا.

إن الإحسان إلى الخلق يستمطر إحسان الخالق. ولذلك، فإن الله يحب المحسنين من عباده، ويحب الباذلين.

ولذلك؛ بعض النِعَم عندنا ما أبقاها الله معنا إلا لأننا نجريها على عباده، فلو أمسكنا لأمسَك الله عن عطائنا.

رَبُّوهم على الجود والكرم

الجود والكرم خِصالٌ تُربَّى وتُنمَّى في نفوس الأبناء، بشرط أن يروا فرح الأب والأم بالإحسان إلى الناس.

أحسن الله إلينا وقال لنا في الحديث القدسي (أنفق يا ابن آدم أنفق عليك).

ليس في الكرم سرف إن كان في وجهه، وليس السعيد من يعيش لنفسه؛ إنما ذاك الذي يرى أن كل مسلمٍ له حقٌ عليه، وهو لا حق له على أحد.

حتى يكرم أبنائنا الأضياف، وحتى يكرموا من يعرفون ومن لا يعرفون، وحتى يجري الخير على أيديهم؛ لا بد من أن يرى نماذج سامية من أبٍ وأُم يفرح بالضيف إذا أقبل، ويفرح بالطعام إذا خرج، ويفرح بالكِساء إذا رأى -ذاك الكِساء الجميل غير البالي ولا القديم- يكتسي به مؤمن، ما كان يظن أنه يملك مثله لولا أن الله أجرى رزق ذاك على يَدِك.

اِبْتَغِ بين ذلك قواما

البيوت التي يخرج منها الخير للناس، والإحسان إلى الناس؛ ومن الإحسان الصدقات، هذه البيوت يخرج الأبناء فيها غير مشوهين، غير أنانيين.

نحن بين أسرةٍ لا تعرف الفضل للناس ولا تُحسِن إلى الخَلْق، وبين أسرةٍ -أحيانا- يكون الأب فيها مسرفًا في غير حقٍ، يبذر المال بدعوى الكرم. نحن لا نريد هذا المشوَّه ولا ذاك الشحيح البخيل؛ إنما نريد الذين يتوسطون.

الذين قال عنهم رب العزة -سبحانه- في الآية ٦٧ من سورة الفرقان (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما).

نُذَكِّركُم أن البخل والشح ليست من صفات الأخيار. الله عندما خلق جنات عدن بيده -جل وعلا- أقسم -سبحانه- فقال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيكِ بخيل.

البخل، الضن، الإمساك، الحرص، المنع، الشح، الجشع، الإمساك، التقتير.. كلها مرادفات عكس الكرم والسخاء.

علِّم أبنائك الجود والكرم

فلا تكن بخيلا ولا تعلم أبنائك الأنانية والشُّح؛ فإذا كبروا أول ما يبخلوا فسيكون عليك أنت؛ ويشحّوا ويحبوا الدنيا أكثر من حبهم لك.

فعلِّموهم البذل، وعلموهم الرحمة، حتى يعيشوا في سعادة، لأن السعادة تسكن في قلوب الباذلين، وتسكن في قلوب المنفقين، وتسكن في قلوب المتصدقين، وتسكن في قلوب أهل الجود والكرم؛ نعم أنها تسكن هنا، لأن السعادة بذلٌ وعطاء، كالعطر؛ إذا طيَّبت الناس منه، بَقي في أنامِلك منه شيئا.

معلومة سريعة: أتعلم من هو الصحابي الذي لقب ببحر الجود لكرمه ؟؛ إنه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه-.

شعر عن الجود والكرم

يقول الشاعر
لا تحسبن القصور للملوك صانعة
ألا ترى كم من بهيم في القصور يقبع

و أن نفس الكريم لا تقبل الضيم
حتى و إن كان من عظيم للحق متبع

فاعلم يامن قلبه وجل إن الكرم
لا ينقص من قدره وإن كان من كريم مقنع

وقال كلثوم بن عمرو التَّغلبي -وهو مِن شعراء الدَّولة العبَّاسية-:
إنَّ الكريمَ ليُخفي عنك عسرتَه
حتى تراه غنيًّا وهو مجهودُ

وللبخيلِ على أموالِه عللٌ
زرقُ العيونِ عليها أوجهٌ سودُ

إذا تكرَّمتَ عن بذلِ القليلِ ولم
تقدرْ على سعةٍ لم يظهرِ الجُودُ

بُثَّ النَّوَال ولا تمنعْك قلَّتُه
فكلُّ ما سدَّ فقرًا فهو محمودُ

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: