ارتباك السلوك والغريزة.. توحُّش بشري!

التناقض سمة بشرية يفسر التوازي والثنائية القائمة بين كثير من الأضداد، الأمر الذي يحدث معه التفاعل بين متغيرات الحياة ويتحرك معه الإنسان، فهناك الخير والشر والسعادة والشقاء والنعيم والجحيم والغنى والفقر، وذلك ينتج تفاصيل أخرى كثيرة في الذات الإنسانية يتكيف معها الشخص بحسب طبيعته بحيث يكون مائلا ذات اليمين واليسار بحسب القيمة الذاتية الأعلى لديه.

توحش الإنسان واقترابه من النزعة الحيوانية يحدث حينما تنهار قيمه السلوكية، أو تتعطل حواس الإدراك لديه، أو يفقد القدرة العاقلة على التمييز بين الأشياء، وحينها يحدث ارتباك وظيفي في قدراته وطاقته البشرية، غير أن ذلك وصف للتراجع الذي يحدث معه الارتباك في الشخصية، لأن التناقض هو بداية الانحدار والتراجع السلوكي والغريزي، وهو ما يقف عنده الروائي الألماني هيرمان هيسه في روايته العميقة «ذئب البوادي» والتي تعتبر أفضل أعماله وأكثرها انتشارا، ورغم البعد الشخصي والذاتي فيها إلا أنها تصلح عبر الزمن كمقياس لذلك التناقض الكامن في الشخصية الإنسانية فهو يحكي بصورة دراماتيكية تفاصيل ذلك التناقض بما يضعه على حافة الإبداع.

وترتبط هذه الرواية بالسقف الزمني لهيسه عندما كتبها وهو في الخمسين من عمره، أي أنه في مرحلة المنتصف العمري التي تتشكل فيها رؤى أكثر اتساعا للمجريات من حوله، وقد نجح بامتياز في توظيف أزمة هذه المرحلة وإسقاطها في الرواية مع الظروف التي كان يعيشها في تلك الفترة من متغيرات سياسية ارتبطت بالمرحلة النازية وما فيها من عصف إنساني عميق، فكانت أزمته الخاصة تعبيرا واعيا عن أزمة عامة تتداخل فيها كثيرا من المتغيرات السياسية والاجتماعية التي تكون كفيلة بنسف ثوابت ومبادئ الإنسان أو تعمل على جرفها وربما انحرافها عن مساراتها الإنسانية فيصبح الإنسان بعيدا عن الشعور والوعي الذي يصل حد التبلد.

هناك مرتكزات لرواية «ذئب البوادي» حاصرت هيسه في كتابتها أو حصر فيها العمل بأسره وهي مرحلة التراخي الإبداعي، الصراع مع واقع يشعر فيه المبدع بتفاهته، والصراع الأسوأ مع الأزمة الروحية، فحقيقة نشوء الرواية في نمطها الوصفي تنبع من تداعيات الحرب العالمية الأولى التي فجرت تناقضا عميقا كان حريا بمبدع مثل هيسه أن ينتبه له ويسجل وقائعه كتأريخ للحياة اليومية بكل ما فيها من تناقض وأزمات خاصة مع الشعور بالانهزام مع ضغوطات تلك الفترة وما حملته من طفرة سياسية واجتماعية تغيرت معها كثير من الأشياء.

ربما رفض هيسه وهو يكتب هذه الرواية الأمل، في التغيير، في حسم التناقض، في مواجهة الصراع بحرفية، في غياب الوعي، في سطوة اللا أخلاقي، وذلك لأنه يحتاج كل ذلك في توظيفه للتوحش الإنساني وعياب الحقيقة الإنسانية، ولذلك بقي قريبا ومحتكا ببطل الرواية هاري هالر الذي تشابه معه في أحرفه الأولى كدلالة على أنه نفسه هيرمان هيسه وهو «على رغم أن تصرفاته سليمة وأنيقة، ثمة في سلوكه العام أمر غريب بعض الشيء. ما هو هذا الأمر؟ لن نعرف أبدا في البداية» وهالر متميز أصالة، عاش بين حقبتين، وذلك يعني أنه يتعرض لضغط كبير يجعله يعاني كثيرا من القسوة بسبب التباسات الحياة البشرية»، وذلك مبرر «إن كل حقبة، وكل ثقافة، وكل تقليد من التقاليد، يمتلك إيقاعه. لكل من هذه ضروب عذوبته وقسوته التي تلائمه. ومن هنا يكون لا بد من القبول بالعذاب بصفته أمرا طبيعيا، متلازما مع بعض الشرور والمساوئ. علما أن الحياة الإنسانية لا تصبح معاناة وعذابا حقيقيين، جحيما حقيقيا إلا حين تتضافر حقبتان وثقافتان ودينان».

وعليه فإننا دائما أمام اختبار الحقيقة الإنسانية وهو ما تحاول الرواية أن تضعه فيه بكل تناقضاته، لأن التناقض جزء من جوهرنا بل هو حقيقتنا، وذلك هو خلاصة «ذئب البوادي» بوصفها عملا إجرائيا وسلوكيا وتاريخيا وإبداعيا يوصلنا إلى أننا قد نكون ذئابا حينما ننحاز بسلوكياتنا إلى غريزتنا وعجزنا عن تحقيق توازن بين تناقضاتنا باعتبارها تفاعلا مهما في حياتنا يجب أن نضبط إيقاعه بما يلائم واقعنا ويعزز إنسانيتنا.

بقلم: سكينة المشيخص

تجد لدينا بعض المقترحات أيضًا:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: