أين خطبة الجمعة المؤثرة؟

أين خطبة الجمعة المؤثرة؟

عندما تدخل مجلسا «أي مجلس»، وبنظرة تفحص سريعة للموجودين، تجد أن الهاجس الأول لكل شخص بينهم هو البحث عن «فرد العضلات» من خلال سرد معلومة جديدة!

هل هناك مفخرة بالمعلومات؟ هل هناك مفخرة بالعلم المنشور في الكتب.. كل إنسان وبأبسط طريق الآن يستطيع أن يسرد لك كل المعلومات التي تريد عن أي شيء تبحث عنه!

مع وجود الإنترنت، ووجود مصدر البحث السهل والسريع والمباشر، أصبحت المعلومة بحد ذاتها ليست قيمة أو سببا للفخر أو التبجح بالمجالس بالمعرفة.. دعوني من المعلومات الخام، تلك المعلومات التي تخرج من بطون الكتب وأمهاتها. لكن الآن أصبح هناك شبه تسابق لتسجيل سبق سردي للأخبار، فحين تجلس في مجلس يفرح أحدهم إن قال خبرا لم يقله أحد قبل ذلك، خبر قرأه أو سمع به أو نقل إليه أو اطلع عليه. وحين يتفحص الوجوه ويجد أن الخبر جديد و «طازة» يبتسم ويحس بقيمة الانتصار وقيمة التميز الوهمي من خلال معرفة الخبر قبل الحضور.

في أحد المجالس، وبمجرد أن يدخل ذاك الشخص، يلتفت إليه الجميع طالبين آخر الأخبار التي يفني يومه بالبحث عن أغربها، فيبدأ بسلسلة طويلة «سمعتوا عن فلان.. سمعتوا وش صار على علان.. سمعتوا بالسالفة الفلانية..» وتتوالى القصص والحكايات والأخبار الحصرية لذاك الصاحب.. في محاولة بائسة لكسب الثقة بالنفس من خلال التميز بجمع الغرائب حتى وإن كانت خرافات أو خزعبلات أو أكاذيب من نسج خياله.

ليس هناك فخر بالمعلومة !الفخر بأثر ذاك العلم أو المعلومة على الشخص..

قبل فترة، جلس بجواري أحدهم وقال: «والله إننا نحتاج إلى الموعظة»!. قلت: «كثيراً!».

وبدأ يحكي أثر خطبة الجمعة عليه.. وكيف أن الخطيب رغم أنه سرد معلومات نعرفها ونحفظها ونكررها دائما ونتفنن بإتقان نصوصها، لكن أثره كان قويا في النفس، فالموعظة حين تقع في القلب تحرك الوجدان وتثير المشاعر وتقلب الشخصية. ونحن نحتاج بحق إلى روح ومعنى العلم لا إلى العلم فقط، نحتاج إلى أن يكون العلم حاضرا في سلوك الشخص، فما الفائدة حين يقول المرء إنني خريج شريعة وهو أبعد الناس عن ممارسة ما تعلمه سلوكا وعملا وطاعة؟ وما الفائدة حين يتفنن المرء بجمع شواذ القول وهو لا يفقه أن هناك أساسا للعلم قبل العلم نفسه؟ وهناك أصول وفروع علينا أن نعرفها قبل أن نتقن الأقوال الغريبة.

لاحظوا معي خطب الجمعة، هناك أصناف عدة من الخطباء، منهم من تكون خطبة الجمعة بالنسبة إليه هما يزول بعد النزول من المنبر، تأدية واجب.. يقرأ في كتاب لا يفقه شيئا مما فيه أو يطبعها من موقع أو ينقلها من شخص خطيب سابق.

لكن أين الخطيب الذي تكون خطبة الجمعة بالنسبة إليه محركا شعوريا ووجدانيا لآلاف البشر الذين يقفون أمامه؟ خطبة الجمعة فرصة يتمناها آلاف المثقفين والعلماء ليوجهوا آراء الناس وتوجهاتهم، وهي طريقة لتحريك الشعوب وجامعة تتلقف الأمة منها الدروس كل أسبوع، وليست مجرد سرد بارد وروتين ممل وتكرار لكلام سمعناه آلاف المرات بالطريقة نفسها. من من الخطباء يقف أمام آية ويتلكأ ولا يستطيع إكمالها، كونها تتحدث عن موقف أو معركة أو قصة ويستحضرها في قلبه فيبكي ويُبكي؟

في فترة الجامعة.. حضرت خطبة للشيخ الوليد الرشودي «وهو أحد أعز أصدقائي»، وأقسم أنني أذكر كل من في المسجد يبكون رغم أنه كان يتكلم عن «بر الوالدين»، وهو موضوع نكاد نحفظ تفاصيله والآيات والأحاديث الواردة فيه!.

بقلم: محمد الصالح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى