خطبة: يقظة الضمير الإنساني.. صرخة في وجه الظلم والظالم

خطبة: يقظة الضمير الإنساني.. صرخة في وجه الظلم والظالم

عناصر الخطبة:

  • التأكيد على قيمة التضامن والتعاون خلال الأزمات.
  • الدعوة إلى نصرة المظلوم ورفع الظلم عنه.
  • الحاجة الملحة ليقظة ضمير الإنسانية والاستجابة للأخلاق النبيلة.
  • تأكيد قيمة الحياة والنفس البشرية وذم قتل الأبرياء.
  • التنديد بالاعتداءات والظلم الذي يطال الأطفال والأبرياء.
  • الإشارة إلى أهمية بناء عالم قوامه العدل والأخلاق والتعارف بين الناس.

مقدمة الخطبة

الحمد لله الذي أعطى ومنع، وخفض ورفع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.

وأشهد أن نبيه محمدا عبده ورسوله، بعثه الله رحمة للعالمين، وناصرا للضعفاء والمظلومين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الخطبة الأولى

أما بعد، فيا أيها المؤمنون: اتقوا الله وراقبوه، وامتثلوا أوامره ولا تعصوه، واذكروه ولا تنسوه، واعلموا أن لا نهوض بمفهوم المجتمع إلا من خلال التعاون بين أفراده، به يلجأ الإنسان إلى أخيه الإنسان، ويجد عنده السند والعون، ويطمئن على حاله وماله، وبالتعاون والتضامن لا يكون الأفراد متقطعين بلا صلات، أو منقطعين بلا تواصل، وعلى وجه ضروري في أوقات الأزمات والصعوبات، وعند وقوع الظلم فإن الإنسان أحوج ما يكون إلى أخيه، وإن أضعف مواقف الإنسانية أن يتخلى الإنسان عن نصرة مظلوم أو معونة محتاج، قال جل ثناؤه في تبيان تجلي التعاون بين المؤمنين وقيامهم بحقوق بعضهم على بعض في الشدائد والمحن: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

وإن من صور التعاون الإنفاق في نصرة المظلومين والدعوة إلى رفع الظلم عنهم، قال المولى عز وجل: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)، وقال سبحانه: (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ).

عباد الله: إن البشرية اليوم بحاجة إلى يقظة للضمير الإنساني، ليستجيب لنداء الفطرة، ويأخذ بالأخلاق النبيلة، ويرى في أخيه الإنسان موطنا للرحمة والتعاطف، وأن يكون الإنسان مستعدا للتفكير والتصرف بطريقة مسؤولة تجاه الآخرين والعالم من حوله. إن يقظة الضمير الإنساني تعني أن نكون إنسانيين في مراعاة حقوق الآخرين، وأن نعاملهم بكرامة وعدل، مدركين للظلم والظروف الصعبة التي يواجهها الآخرون مع السعي الجاد والحثيث إلى مساعدتهم وإحداث تغيير إيجابي في العالم؛ انطلاقا من قول الحق تبارك وتعالى في النفس البشرية: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، وقال عز وجل: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).

لقد ضعف في البشرية مفهوم الرحمة والتراحم، في المعاملات والعلاقات، وضعف بسبب ذلك الاحتكام إلى منطق الحوار والحكمة، واستبدل بالرحمة العنف، وبالتراحم الصدام، ولم يسلم من أثر ذلك الأطفال كذلك؛ فأصابهم الظلم والقهر، والعنف والعنت والتهجير، وما تتناقله وكالات الأنباء من صور الاعتداء على الأطفال وقتلهم وإيذائهم مشاهد يتقطع لها نياط القلب ويستدر بها الدمع، وتدعو إلى الأسى، وتثبت قسوة الإنسان وتوحشه، والاغترار بالقوة، والإسراف في القتل. وما كان عاقبة من يفعل ذلك إلا الحرمان من الرحمة التي انسلخ منها، ووقوعه في دائرة الغضب الإلهي، فقد وقع ذلك من قبل فقال الله تعالى فيه: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ).

فكانت العاقبة بعد ذلك: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ).

إن الاعتداء على النفس البشرية من أكبر الكبائر، وهو جرم عظيم، ووبال على المجتمع والبشرية بأسرها؛ فكيف إن اقترن الظلم بالقتل، والتهجير بالتفجير! ففي ميزان الله العادل أن قتل نفس بريئة واحدة يعادل قتل الناس كلهم؛ تعظيما للنفس البشرية وتحريم الاعتداء عليها، وإزهاق روحها ظلما وعدوانا قال الله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)، قال تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا).

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.

⇐ وهذه خطبة: التضامن بين المسلمين.. قوية ومؤثرة – مكتوبة

الخطبة الثانية

الحمد لله، بلطفه تنكشف الشدائد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله السادة الطاهرين، وعلى أصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا أيها المسلمون: إن استمرار الظلم في أرض الأقصى المباركة وما يحدث في غزَّة، من حرب آثمة، وقصف للبيوت على أهلها، ونشر الخوف والجوع بين الأبرياء، جرائم تهدد استقرار الإنسانية كلها، وتستدعي العمل معا من أجل إيقاظ الضمير الإنساني، وصنع المبادرات الفاعلة للتخفيف من آثار الظلم والعدوان، والضغط على المجتمع الدولي للقيام بواجبه في حماية الأبرياء والأطفال والنساء، وأن يقوم بدوره في بناء عالم أكثر عدلا وإنسانية.

وإن العمل من أجل ذلك ليس واجبا إنسانيا فحسب، بل هو استجابة أيضا للقيم الإنسانية المشتركة بالوحدة والتضامن إلى جانب المظلومين وبناء منظومة عالمية قوامها العدل والأخلاق والتعارف بين الناس، قال الحق تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).

هذا وصلوا وسلموا على إمام المرسلين؛ محمد الهادي الأمين، فقد أمركم ربكم بذلك حين قال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آل نبينا محمد، كما صليت وسلمت على نبينا إبراهيم وعلى آل نبينا إبراهيم، وبارك على نبينا محمد وعلى آل نبينا محمد، كما باركت على نبينا إبراهيم وعلى آل نبينا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات، وعن جمعنا هذا برحمتك يا أرحم الراحمين.

⇐ لدينا أيضًا: خطبة الشيخ توفيق الصايغ حول ما يحدث في فلسطين

الدعاء

  • اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.
  • اللهم أعز الإسلام واهد المسلمين إلى الحق، واجمع كلمتهم على الخير، واكسر شوكة الظالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين.
  • اللهم كن عونا لإخواننا في أرض الأقصى المبارك، وكن معهم وثبـتهم واربط على قلوبهم وصبرهم، واخذل عدوك وعدوهم، واجعل الدائرة عليهم يا ذا الجلال والإكرام.
  • اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين.

أضف تعليق

error: