خطبة جمعة مكتوبة عن محاسبة النفس – بالعناصر

خطبة جمعة مكتوبة عن محاسبة النفس – بالعناصر

عناصر الخطبة

  • محاسبة النفس وتزكيتها واجب على كل مسلم ومسلمة (قد أفلح من زَكَّاهَا).
  • محاسبة النفس وعلاجها لا تتيسر بطريق العقل وإنما بطريق الشرع.
  • البدء بمحاسبة النفس الأمارة لأنها تأمر بسبع صفات ذميمة خطيرة (الكبر والحرص والحسد والشهوة والغضب والبخل والحقد).
  • تزكية النفس الأمارة من الصفات التي ترفع صاحبها إلى درجات الجنات وإذا أهمل تزكيتها خاب ونزل في الدركات.
  • تهذيب النفس بالمحاسبة في كل اللحظات تجعلنا كالملائكة في السموات.
  • المسلمون من العامة والخاصة مطالبون بمحاسبة النفس لأن كل الأمراض الاجتماعية والانحرافات السلوكية نتيجة سلبية لطاعة النفس الأمارة فعلينا محاسبة أنفسنا ومعالجتها لنسعد في الدنيا والآخرة.
  • محاسبة أنفسنا على ما ارتكبنا في عام مضى ونحن الآن في بداية عام جديد وهي فرصة للبدء بالتخلية لتزدان النفوس بالتحلية والتزكية.

الخطبة الأولى

خلق الله ﷻ الإنسان وكرّمه، وجعل فيه من المقومات العقلية والنفسية والجسدية، ما يمكنه من القيام بالتكاليف التي أوجبها الله ﷻ عليه، والنهوض بمهمة الاستخلاف التي كلّفه الله ﷻ بها، ومن أعظم ما يعين العبد على أداء هذه المهمة العظيمة ووصوله لرضى ربه ﷻ، أن يكون الإنسان ملازماً لمحاسبة نفسه ومراجعتها في عموم الأحوال والأزمان على خطئها وزللها وتقصيرها، فإن رأى منها خيراً حمد الله ﷻ على الإعانة، وإن رأى غير ذلك، أسرع بالتوبة والرجوع إلى مولاه، فالمسلم يدرك يقينا أنه محاسب على جميع أعماله في الدنيا.

يقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه، أن الله ﷻ يقول: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا، فليحمد الله ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه» ← صحيح مسلم.

فالمسلم الصادق مع ربه، يراقب أعماله وسلوكه وتصرفاته، ويحاسب نفسه على ما يصدر عنها، فإن النفس الإنسانية هي التي تنجي صاحبها أو تهلكه، قال الله ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ الحشر:18، وقد أقسم الله ﷻ بالنّفس اللوامة التي تراجع صاحبها بالتوبة إذا وقعت في زلة أو هفوة، قال الله ﷻ: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ الْقِيَامَة: 2.

فينبغي للمؤمن أن يبادر بالأعمال الصالحة وأن يعوض ما فاته من تقصير، فيشمر عن ساعديه، ويجتهد بالطاعات، ويصلح علاقته مع ربّه، قبل أن يأتي يوم تُعرض فيه الأعمال على صاحبها ثم يقال له ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ الإسراء: 14، فاليوم عملٌ بلا حساب، وغدًا حسابٌ بلا عمل، وقد قَالَ رَسُولِ اللهُ «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الأماني» ← سنن الترمذي، دَانَ نَفْسَهُ: أي حَاسَبَها.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإن أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم تزنوا للعرض الأكبر يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية”.

وقال الإمام الغزالي: ” فينبغي –للمسلم– أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم حرصا منهم على الدنيا، وخوفا من أن يفوتهم منها ما لو فاتهم لكانت الخيرة لهم في فواته… فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد”.

عباد الله: إن لمحاسبة النفس ومراجعتها، ثمرات عظيمة جليلة تعود بالخير على النفس وتنعكس آثارها الحميدة على الأهل والمجتمع، ويصل بها المؤمن إلى رضى ربّه ﷻ وإلى الدرجات العالية في الدنيا والآخرة، فمن ثمرات محاسبة النفس أن المؤمن يطّلع على عيوب نفسه، وتقصيره في حقّ ربه فيزداد تواضعاً، ويُقبل على الله ﷻ بقلب مؤمن، ونفس منكسرة ويجتهد في العبادة والطاعة والتقرب إلى الله ﷻ، وتتجدد في قلبه التوبة عمّا ارتكبه من ذنوب ومعاصي، حتى يغفر له الله ﷻ ويدخله جنات عرضها السموات والأرض، قال ﷻ: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ النازعات: 40–41.

وقال الحسن البصري رضي الله عنه: “إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همته”.

وبمحاسبة النفس ومراقبتها يزكي المؤمن نفسه ويرتقي بها ويطهرها من الأمراض ووساوس الشيطان:

يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته
أتطلب الربح مما فيه خسران

أقبل على النفس واستكمل فضائلها
فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ

فمحاسبة النفس هي الدافع للتغيير نحو الأفضل وتدارك الزلات والأخطاء والمعاصي، قال ﷻ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ آل عمران: 135، فبالمحاسبة يستشعر المؤمن عظيم نعم الله ﷻ عليه، ليكون ذلك دافعاً له على مزيد من الطاعات والتقرب إلى الله ﷻ شكراً له على هذه النعم، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ النحل: 18–19.

يقول ميمون بن مهران رحمه الله: “لا يكون الرّجل تقيّا حتّى يحاسب نفسه محاسبةَ شريكِه، وحتّى يعلمَ مِن أين ملبسُه ومطعمُه ومشربُه”.

عباد الله: ولا بدَّ للمسلم عند محاسبة نفسه أن يستشعر عظمة الله ﷻ في قلبه، وأنه ﷻ ناظر إليه، مطّلع على سرّه وعلانيته ، سامع لقوله، لا يخفى عليه شيء من أقواله وأفعاله، لا يغيب عنه شيء من أحواله وخواطره، فمن كانت هذه أحواله في كل زمان ومكان، كانت محاسبته لنفسه أعظم، وأثرها وفائدتها أكبر، وقد ذكر النبي ﷺ أن من كانت هذه أحواله، وصل إلى أعلا المقامات وأسماها في عبادة الله ﷻ، وهو مقام الإحسان الذي قال فيه النبي ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» ← متفق عليه.

وكان من المقبولين السعداء عند الله ﷻ، الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه ، فقال ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله –وذكر منهم– ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» ← صحيح مسلم.

كما لا بدّ عند محاسبة النفس، أن يبادر المسلم إلى التوبة عن الذنوب وعدم المماطلة والتسويف في الإقلاع عن المعاصي والعزم على عدم العودة إليها، وإرجاع الحقوق إلى أهلها:

والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شَبَّ على
حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِم

فاصرفْ هواها وحاذرْ أنْ تُوَلِّيَهُ
إنَّ الهوى ما تولَّى يُصمِ أوْ يَصمِ

وَراعِها وهيَ في الأعمالِ سائِمة
وإنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ المَرْعَى فلا تُسِم

كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّة ٍ لِلْمَرءِ قاتِلَةً
من حيثُ لم يدرِ أنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ

وقد كان من هديه ﷺ كثرة الاستغفار، والحثّ على التوبة، أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» ← صحيح البخاري.

وقال رسول الله ﷺ: «التائب من الذنب، كمن لا ذنب له» ← سنن ابن ماجه.

وكما يحاسب المؤمن نفسه على علاقته بالله ﷻ، فلا بد له من محاسبتها على علاقتها بمن حوله من الأهل والإخوان والجيران، فإن كان محسناً فليزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فليبادر بإصلاح ذات بينه، ويرد المظالم إلى أصحابها، حتى لا يلقى ربّه وهو مقصر في مسؤولياته، خائن لأماناته، عاقٌّ لأرحامه وأهل بيته، يقول النبي ﷺ: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» ← صحيح مسلم.

وينبغي للمؤمن المسارعة في محاسبة النفس وعدم التسويف والمماطلة في التوبة والرجوع إلى الله ﷻ، حتى لا تضيع الأوقات، وتنقضي الأعمار، والإنسان مشغول بشهواته وملذاته، وقد نسي نفسه وتركها دون مراجعة أو حساب، فيكون بعده عن الله من العقوبات المعجلة له في الدنيا، قال الله ﷻ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الحشر: 19.

فهذا يعني أن ترك المحاسبة يكون من شأن أولئك الذين نسوا اللّه، وأن جزاء نسيان اللّه هو أن يبتليه اللّه بنسيان نفسه، الذي هو أعظم نسيان حتى عند من لا يهتم إلاّ بمصالح نفسه.

الخطبة الثانية

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

عباد الله: الإنسان الحكيم هو الدائم السؤال عن الطريق الذي يسير فيه وهل يوجد فيه سعادته في الدنيا والآخرة أم شقاءه وكان الصالحون قديما يعيشون على هذا المعنى حتى قال ابن سيرين “إذا أراد الله بعبده خيرا جعل له واعظا من نفسه”.

فالمؤمن الصادق صاحب ضمير حيّ، يراجع نفسه ويحاسبها، على الغفلة والتقصير في حركاتِ الجوارح، وكلامِ اللسان، ومشيِ الرجلين، وبطشِ اليدين، ونظرِ العينين، وسماعِ الأذنين؛ فيعالجها بالذكر والصلاة على رسول الله والتفكر والنظر في ملكوت الله، ليحسن علاقته مع الله، ثم ينعكس ذلك معاملته مع الناس، فكلنا راحلون الى الله. قال الله ﷻ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ البقرة: 281.

والحمد لله ربّ العالمين..

أضف تعليق

error: