خطبة عن جريج العابد «دروس وعبر» – مكتوبة

خطبة عن جريج العابد «دروس وعبر» – مكتوبة

رُبما سمع كثيرون منكم عن هذه القِصَّة المؤثرة، وهي قصة جريج العابد وأُمه. الآن سنسوقها لكم في خطبة مكتوبة، نعم؛ خطبة جمعة. وهذا لِما بهذه القصة من دروس وعبر وعظات عظيمة جليلة، يُمكِن للخطباء دومًا أن يجعلوها حجر أساس لكثير من الخُطَب.

الخطبة جميلة بلا شَك، وقد ألقاها من على المنبر فضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -جزاه الله خيرا- وهي هنا، من أجلكم، مكتوبة بالكامل.

مقدمة الخطبة

الحمد لله الذي يُنْعِم على عباده وأحبابه بالثبات على دينه وإيثار مرضاته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، نشهد أنه بلغَ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهَدَ في الله حقَّ الجهاد، فصَلِّ اللّهمَّ وسلّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم اللهمَّ تَسْلِيمًا كبيرًا.

أما بعد.. فأُود أوصيكم ونفسي إخوة الإيمانِ بتقوى الله ﷻ، وبالسعي في مراضيه، والتسابق إلى جَنَّاته، فإن طاعة الله وطاعة رسوله وا بهما تحصل التقوى، وبهما يحصل الارتفاع في جنات الكرامة ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّلِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَيكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء].

الخطبة الأولى

أيها المؤمنون، لقد قصَّ علينا رسول الله ﷺ في أحاديثه الكريمة الشريفة قصصًا متنوعة، فيها العبرة والعظة، كما أن فيها العلم الواسع والعقيدة الراسخة التي مَنْ أَخْذَ بها أنارَتْ قَلْبَهُ، وَشَرَحَتْ صَدْرَهُ إِلَى حقائق الإيمان، وللعمل بما جاءت به الرُّسُل عليهم صلوات الله وسلامه.

وإن من تلك القصص العجيبة التي ذكرها محمد بن عبد الله رسولنا ﷺ قِصَّة جُرَيْج، وما كان فيه من الحال، وما ابْتَلَتْ به بنو إسرائيلَ جُرَيْجًا مِن الابتلاء بفتْنَةِ النساء، وما أَنْقَذَه الله به من تلك الفتنة العظيمة.

روى البخاري ومسلم في صحيحهما أن المصطفى ﷺ قال: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةُ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. وَصَاحِبُ جُرَيْج. وَكَانَ جُرَيْجُ رَجُلاً عَابِدًا، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً، فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، [فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ]. فَانْصَرَفَتْ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْحُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، [فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ]. فَانْصَرَفَتْ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، [فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ]، فَقَالَتْ: اللهمَّ، لَا تُمِثْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهُ المُومِسَاتِ».

قال رسول الله ﷺ: «فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ. وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيُّ يُتَمَثَلُ بِحُسْنِهَا. فَقَالَتْ: إِنْشِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ. قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا. فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتُهُ مِنْ نَفْسِهَا. فَوَقَعَ عَلَيْهَا. فَحَمَلَتْ فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ فَأَتَوْهُ، فَاسْتَتَزَلُوهُ، وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ، فَوَلَدَتْ مِنْكَ. فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلَّي، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ، فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ. وَقَالَ: يَا غُلَامُ، مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فَلَانُ الرَّاعِي. قَالَ: فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ. وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ».

«والثالث الذي تَكَلَّمَ في المَهْد هو غلامٌ كان يَرْضَع من ثَدْي أُمه، وكان ﷺ يَصِفُ كيف يَرْضَع حيث كان الرضيع يضع إصبعه الكبرى في فيه، فأقبل رجل ذو شارة أي منزلة وهيئة حسنة يُشَارُ إليه، على دابَّةٍ فارهة، كانت الدابة على أحسن ما يُرْكَب من الدَّوَابِّ، فقالت الأم والوليد في حِجْرِها يَرْضَعُ من ثَدْيِها: اللهم اجعل ابني مِثْلَ هذا. فترك الغلامُ ثَدْيَ أُمِّهِ، وقال: اللهمَّ، لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَ هَذَا. ومرت الأم ورضيعها بعد ذلك على جاريةٍ تُضْرَبُ، ويقولون لها زَنَيْتِ سَرَقْتِ. وهي تقول: حَسْبِيَ الله ونعم الوكيل، فقالت الأم: اللهم، لا تَجْعَل ابني مثل هذه فترك الغلامُ ثَدْيَ أُمِّهِ، وقال: اللهم اجعلني مثل هذه.

فلما تَرَاجَعَا الحديث، قالتْ: مَرَّ رجُلٌ حَسَنَ الهيئة، فقلتُ: اللهم اجعل ابني مثله، فقلت: اللهم، لا تَجْعَلْنِي مِثلَه ومَرُّوا بِهَذِهِ الأَمَةِ وهم يضربونها ويقولون: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ. فقلتُ: اللهم، لا تجعل ابني مثلها. فقلت: اللهم اجعلني مثلها. قال: إنَّ ذاك الرجل كان جَبَّارًا. فقلتُ: اللهم لا تجعلني مِثلَه. وإن هذه يقولون لها: زَنَيْتِ، ولم تَزْنِ وسَرَقْتِ ولم تَسْرِقُ، فقلتُ: اللهم اجعلني مِثْلَها».

فهذا الحديث أيها المؤمنون فيه عبر كثيرة، ونَخُصُّ منها قصة صاحب جُرَيْجٍ ومَا وَقَعَ لَجُرَيْجٍ، وما وقع لصاحبه وهو وَلَدُ الراعي من الابتلاء، وما أنْطَقَه الله به، فجُرَيْج كان من بني إسرائيل، وكان في ديانتهم جَوَازُ البعد عن الناس والتفرغ للعبادة، كما قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧].

كان جريج رجلاً عابدًا، فاختلى بنفسه في صومعته يُصلي، فأتته أُمه، والوالد والوالدة يشتاقون إلى الوَلَدِ، فطَلَبَتْه أُمه، وكانت الصومعة في مكان مرتفع، فنادته أمه من تحت الجبل: يا جريج. وكان في صلاة نفل، وكان ينبغي له أن يُجيب أُمَّه؛ لأن إجابة الوالد في مثل هذا الحالِ فَرْضُ، فقال: أي رَبِّي، أمي وصلاتي. فلم يُجِبْ أُمَّه، وانصرف إلى صلاته، فتركته أمه، وأنته من غَدٍ، فنادته فلم يجب، ثم أتته الثالثة فلم يُجِبْ نداء أُمه، فدعت عليه أُمُّه بقولها: اللهم لا تُمِنْهُ حَتَّىٰ يَنْظُرَ إِلَىٰ وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ.

وفي هذا عِبْرَتانِ: الأولى: أن دعاء الوالد على وَلَدِهِ، ودعاء الوالدة على وَلَدِها يُخْشَى منه، فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «ثلاثُ دَعَوَاتِ مُسْتَجَابَات لَا شَكٍّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ»، فإن دعوة الوالد أو دعوة الأم على وَلَدِها إذا تركها وعَقَّها، ولم يُجِبْ دَعوتَها ولم يَصِلُّها، ولم يبرها فإن دعوتها مُجَابة، يعني: على رجاء الإجابة إذا دَعَتْ.

فانظروا إلى دعوة الأم على هذا العبد الصالح بأن يُرِيَهُ اللهُ وُجُوهَ المومسات، حيث قالت: اللهم لا تُمِنْهُ حَتَّى ينظر إلى وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ.

فأجابَ الله دَعْوَتها، وابتُلي ذلك الرجل الصالح بأعظم ما يَكْرَهُه وأَبْلَغ ما يَبْغَضُه ألا وهو رُؤية وُجُوهِ المُومسات الذين تتفَطَّر قلوب أهل الإيمان إذا رَأَوْهُنَّ؛ لأجل ما هم عليهم من الخَنَا والفُجُور، ومِن معصية الله، ومِن مُبَارَزَتِه بكبيرة من الكبائر، فأتته المرأةُ المُومِسُ ورؤية المومسات تأباها الفِطرة السليمة، تأباها القلوب المؤمنة؛ لأن المُومِسَ يعلم صاحب الإيمان أنها صاحبة كبيرة، ويعلم أنها صاحبة جُرم، وصاحبة إشاعة للفاحشة في الذين آمنوا، فكيف يحب؟ وكيف يُثْنِي؟ بل كيف ينظُرُ ويُسَرُّ برؤية مَن يَقْتَرِفُ كبيرةً؟ بل ومَنْ ينشرها في الناس، ويجاهر بأنه يفعل ذلك، كما فعل بنو إسرائيل حيث كانت المومسات لهن شأن كبير عندهن، وقد قال ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النَّسَاءِ» حيث انتشرت فيهم المومسات، وانتشرت فيهم النساء ذوات الخَنَا، وذوات الفُجُور، حتى تَفَشَّى ذلك في بني إسرائيل، فجزاهم الله ﷻ بأن فرقهم وجعلهم شَدَرَ مَذَرَ أَي مُتَفَرِّقِين، كما هو معلوم في قصص كثيرة في الكتاب.

هكذا، فقد دَعَتِ الأم على ولدها بهذه الدعوة التي لو عَلِمَ بها جُرَيْجٍ، لَمَشَى حافيًا مسافاتٍ طويلةً كراهة أن تتحقق هذه الدعوة، فينظر إلى وجوه أَبْغَض الخلق إلى أهل الإيمان، ألا وهنَّ الفاجرات المومسات.

قال ﷺ: «تَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ. وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيُّ يُتَمَثَلُ بِحُسْنِهَا. فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ. قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ». وفي هذا عِبْرَة وعِظَة أن الأناس الذين فيهم الفساد والفجور لا يَرْضَوْنَ أن يكون ثَمَّ أُناسٌ صالحون، بل يَهْوَوْنَ أن يكون الجميع على مَشْرَبٍ واحد، فينتشر فيهم الفساد والخَنَا، حتى لا يَرْفَع الصالحُ رأسه، ويُنكر المُنْكَرَ على أولئك الفَجَرَةِ.

وهذا الأمْرُ سُنَّةٌ أَخَذَها الخَالِفُ عن السالف، فأهل الفُجور لا يَهْدَءُونَ إِلا إذا أَفْسَدوا الناس وأفسدوا أهل الإيمان والصلاح بخاصة، فتارةً يتعرَّضُون لهم بِصَرِيح التعرُّض، وتارةً بِبَ الدَّعَايات، وبَثّ الشائعات التي تَنْقُص مِن قَدْرِهم، أو يُرْمَى فيها أهل الصلاح بأنواع ما يُرْمَوْنَ فيه من الافتراءات؛ لكي لا يتأثر الناس بعبادتهم، ولا يتأثر الناس بصلاحهم، ولا يقتدي الناس بأولئك الصالحين، بل يقول الناس: إن كل هؤلاء الصالحين فيهم ما فيهم من الفساد والرغبة في كذا وكذا مما لا يصح، فينعدم التأثر أو يقل، فيَضْعُف نَشْر الحق والصلاح بين الناس.

فقد ذَهَبَتِ المرأة المُومِسُ إلى جُرَيْج، وتَعَرَّضَتْ له، وقد كان يشار إليها في الحسن، ذهب وتعرضت لجُرَيْج، لكنه أبى، ولم يلتفت إليها؛ لأن الله ﷻ قد عَمَرَ قَلْبَه بحُبِّ الله ﷻ، وحُبّ الصلاة، وحب مناجاة الله ﷻ، والمُحِبُّ يَنْشَغِلُ بِحَبِيبِهِ عن كل ما سواه، ويُؤْثِرِ رِضَاه على كل مَكَذَّات الدُّنيا، فلما تَعَرَّضَتْ له وأَبَى، انصرفَتْ عنه، ولم تَرْضَ أن تَرْجِعَ إِلى قَوْمِها الفَجَرَةِ خائبة، فذهبت إلى الرعي، وتعرضت له، ومَكَّنَتْه مِن نَفْسِها حتى،واقعها، فحَمَلَتْ منه، ثم وَضَعَتْ حَمْلَها، وكان من عادة المومسات في الجاهلية إذا حَمَلَتْ إحداهُنَّ، فإنها تَكُفُّ عن البِغَاء حتى تَضَعَ حَمْلَها، ثم يُلْحَق المولود بأبيه.

فلما ولدت فقالوا ممن هذا؟ قَالَتْ: أبوه جُرَيْجٍ، فانطلقوا فَرِحِينَ إِلى جُرَيْج العابِدِ الصالح، فأنزلوه من صَوْمَعَتِهِ، وأخذوا يَهْدِمُونها ويضربونه، فقال لهم: ما شأنكم؟ ولم يكن يَدْرِي مَا أَعَدَّ له أعداءُ الله وأعداءُ رُسُلِهِ وأعداء أهل الإيمانِ من تلك المكيدة، لذلك قال لهم: ما شأنكم؟ قالوا: زَنَيْتَ، وجِيءَ لك بولد.

فقال: أين الغلام؟ فَلما أَتَوْا به لم يستعجل في سؤاله، أو في محاورتِهِ، فهو وَلِيُّ من أولياء الله؛ لذلك اتَّجَهَ إلى ربه ﷻ بصلاته، فكان مَخْرَجُهُ الصلاةَ، وكان مخرجه الدعاء، وكان مخرجه والمُنقِذُ له تذلله بين يدي الله ﷻ، فمن كان مع الله ﷻ كان الله معه، ومن كان مع الله ﷻ في السراء، كان الله معه في الضَّرَّاء، فلما صَلَّى ودعا تَوَجَّهَ إلى الغلام، فَطَعَنَ بَطْنَه بِإِصْبَعِه، أي: أشار بإصبعه إلى بطنه، وقال: يا غُلامُ، مَنْ أَبُوكَ؟ ولكن هل الغلام الصغير الذي ولد من ساعته هل ينطق أو يتكلم؟ !، ولكنَّ جريجًا قد رَجَا أَنْ يُنقِذَه ربه ﷻ من ذلك الاتهام، وليس أمامه إلا مثل هذه الوسيلة، فنَطَقَ الغلامُ، أَنْطَقَهُ له الله ﷻ له، نَطَقَ الغلامُ بِإِنْطَاقِ الكريم الذي يَتَوَلَّى الصالحين، نَطَقَ الغُلامُ، فَقال: أَبِي فُلانُ الرَّاعِي.

فأقبلَ بنو إسرائيل على جُرَيْج يُقَبِّلُونه اعتذارا، ويَتَمَسَّحُونَ به، فقد كان من الجائز عندهم التَّمَسُّحِ بالصالحين بخلاف ما جاء في شريعة محمد ﷺ، فإنه لا يجوز التمسح بالصحابة ولا بالصالحين ولا بالأولياء، وإنما ذلك للمصطفى – ﷺ – حيا.

أقبلوا عليه، وقالوا له: نَبْنِي لك صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. فهم يُرِيدُونَ الاعتذار بالدنيا، فيُعْظِمُون جزاءه واعتذراهم إليه عما فعلوا بتقديم الدنيا، ولكن هل الدنيا تساوي شيئًا في قلب المؤمِن حينما يُبْتَلَى؟! وهل الدنيا تساوي شيئًا في قلب المستأنس بالله المستأنس بمَرَاضِيهِ، المستأنس بتوحيده؟ فقال لهم: لا، إنما أَعِيدُوا بِناءَ صَوْمَعَتِي كما كانت مِنْ طِينٍ؛ لأن في قلبه إيثارًا للآخرة ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص].

أيها المؤمنون، إن هذه القصة فيها عظات وعبر بالغة، ومن ذلك:

أن العبد المؤمن يَكْرَهُ أهْلَ الفَسادِ والخَنَا، ولا يُسَرّ بهم، وهذا نقوله تذكيرا لأهل الإيمان؛ لكي لا يتساهلوا في هذا الزمن برؤية أهل الخنا والفجور والفساد، فإن رؤية الفاجرات يُغرم لها القلب. فقد قال رسول الله ﷺ عندما صلَّى صلاة الكسوف، وخَطَبَ في الناس خُطْبَتَه التي قال فيها: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِي عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِي أَمَتُهُ».

فقال بعضُ أهل العلم: ذكر المصطفى ﷺ الزِّنا في خطبته لما كسفت الشمس؛ لأجل عِظَم المُناسبة بين الزنا وبين كسوف الشمس، فإن الزنا ووسائِلَه يُطْفِئُ نُورَ الإيمان في قلب أهل الإيمان، كما أن الكسوف يُطْفِئُ نُور الشمس، وهذا أمر مُشاهَدٌ مُلاحَظُ، فلأجل هذا ينبغي علينا جميعا أن نَحْذَرَ من التساهل والسرور برؤية وُجُوه الفاجرات والفاجرين، وأن لا نستأنس بذلك، فإن ذلكم مُخالف للفطرة السليمة، فذلكم العبد الصالح دُعِيَ عليه بأن يَنظُرَ إِلى وُجُوه المومسات، وهل هذه الدعوة لو دُعِيَتْ على أحد ممن لا يرفع رأسه، هل تساوي شيئا؟ وإنها لَعَظيمةٌ في قُلُوبِ أهل الإيمان.

ثم إن من فوائد هذه القصة أن العبد الصالح يَجْعَلُ له الله بتقواه من كل هم أو ضِيقٍ فَرَج، ومن كل بَلاءِ عافيةٌ، ويجعل الله ﷻ كُلَّ ما كَادَتْهُ الناسُ أو كادته الأرضُ له من بينهما مَخْرَجًا.

فأسأل الله الكَرِيمَ الجَوَادَ المنان على أوليائه بالثَّبَاتِ أن يجعلني وإياكم ممن عَمَرَتْ قلوبهم بالإيمان، وصَفَتْ قُلُوبُهم للواحد الدَّيَّان، اللهم اجعلنا من أوليائك المُخْلِصِينَ الذين أَنسُوا لك، وأَنسُوا بذكرك وعَظَمُوك وأَبْغَضُوا الخَلْقَ فيك وأَحَبُّوا فيك، فقد جاء في الحديث «مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ» فإنما تنال ولاية الله بذلك.

أسأل الله لي ولكم الحُسْنَ في العمل، والحسن في القول، والحسن في الاعتقاد.

اللهم اجعل أعمالنا وقلوبنا صالِحةً، إنك جَوَادٌ كريم، وبالإجابة جَدِير.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنصَبْ * وإلى رَبِّكَ فَأَرْغَب﴾ [الشرح].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه، وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

وهنا: «عنوان السعادة» خطبة جمعة جديدة مكتوبة

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقه وامتِنَانِهِ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله صل الله عليه وعلى آله وصَحْبه، وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد.. فإن أَحْسَنَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله، وشر الأمور محدثاتها، وكُلُّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بالجماعة فإن يَدَ الله مع الجماعة، وعليكم بلزُومِ تَقْوَى الله، فإن بالتقوى رِفْعَتكم وفَخَارَكم، فاتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلا وأنتم مسلمون.

هذا، واعلموا رَحِمَني الله وإياكم أن الله ﷻ أَمَرَنَا بالصلاة على نبيه، فقال ﷻ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب].

اللهمَّ صَلِّ وسَلّم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحِبِ الوَجْهِ الأنْوَرِ والجَبِينِ الأَزْهَرِ، وَارْضَ اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحُنَفَاءِ الذين قَضَوْا بالحقِّ، وبه كانوا يَعْدِلُونَ، وَعَنَّا معهم بِعَفْوِكَ، ورَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الراحِمِين، وعن سائر الصَّحْبِ والآلِ، ومَنْ تَبعَهم بإحسان وأنت أرحم الراحمين.

كلك؛ هنا خطبة جمعة بعنوان: طريقة ولاية الله

الدُّعـاء

  • اللهمَّ أَعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشِّرْكَ والمشركين، واحْمِ حَوْزَة الدين، وانصر عبادك المُوَحَدِينَ.
  • اللهم آمِنًا في دُورنا وأصْلِحْ أَئِمَّتَنَا، وَوُلاة أمورنا، ودُلَّهم اللهم على الرَّشَادِ، وباعد بينهم وبين سُبُلِ أهل البغي والفساد، وأنت أكرم الأكرمين، وأنت مجيب السائلين.
  • اللهم نسألك أن تَكُفَّ عنا كَيْدَ الأشرار، اللهم من كَادَنَا فَكِدْهُ، ومن أَرَادَ بنا شرًّا فِي دِينِنا، أو في دُنْيَانا أو في أَهْلِينا، اللهم فاشْغَلْهُ في نَفْسِه، ورُدَّ كَيْدَه في نَحْرِهِ، فإنَّك أنت القوي العزيز.
  • اللهم ارفع عنا الرّبا والزنا وأسبابَهُمَا، وادفَع عنا الزلازل والمِحَنَ وسُوءَ الفِتَن مَا ظَهَرَ منها وما بَطَنَ عن هذه البلاد بخاصة، وعن سائر بلادنا بعامة، وأنت أكرم الأكرمين.

عبادَ اللهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل]، فاذكروا الله العظيمَ يَذْكُرْكُم، وَاشْكُرُوه على النّعَمِ بأَلْسِنَتِكُم وأَعْمَالِكُم يَزِدْكُم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت].

أضف تعليق

error: