خطبة: الحج رسائل وحكم «كاملة – مكتوبة جاهزة»

هي تلك الخطبة القويَّة المُنقَّحة؛ خطبة: الحج رسائل وحكم. وقد وفَّرناها كاملة، شاملة للخطبة الأولى والثانية. وكذلك مكتوبة جاهزة؛ ومتوفرة في ملف pdf “بانتظاركم أسفل الصَّفحة، جاهز للتحميل المجاني”.

وقد راعينا في الخطبة تمييز الآيات والأحاديث بأقواس مختلفة حتى يتيسَّر عليكم إلقاء نظرة سريعة وقتما شِئتم، ونظرة تدقيق وإمعان قُبيل الخطبة.

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونستنصره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آله وصحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ﷻ ولزوم طاعته: لقوله ﷻ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا | يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. 

الخطبة الأولى

في هذه الأيام المباركة يستعد وفد الرحمن وأهل الإيمان والإحسان، للانطلاق في خير رحلةٍ، إلى خير بقاع، متجردين من حطام الدنيا وزينتها، متزودين بزاد التقوى ولباسه، مفارقين قراهم المتعددة إلى أم القرى مكة المكرمة، تاركين بيوتهم وأهليهم إلى بيت الله العتيق، ملبّين دعوة الله ﷻ وقد سبقتهم قلوبهم شوقاً وأُنساً إلى مهواها وسكينتها قال ﷻ على لسان سيدنا ابراهيم عليه السلام: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾، نازلين بضيافة الرحمن ﷻ، بعد أن وصلهم نداء أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام مؤذناً في كل أرجاء المعمورة بأمر الله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. فأتاه المؤمنون سراعاً ملبيين مكبرين، ليأدوا ركن الإسلام العظيم، وفريضة تقيم في وجدان المؤمن معاني توحيد الله ﷻ وإفراده بالعبودية، ألا وهي عبادة الحجّ الذي يتجلى فيه معاني الإسلام والتسليم لله ﷻ، يقول النبي ﷺ: «الغازي في سبيل الله، والحاج والمعتمر، وفد الله، دعاهم، فأجابوه، وسألوه، فأعطاهم» سنن ابن ماجه.

فما أن تبدأ تلك الرحلة المباركة والقلب يلهج بالإخلاص واللسان يردد: “لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك”، وقد وصف الله ﷻ الزائرين لبيته المُحرم على لسان جبريل عليه السلام بأنهم أهل الله، وأن الله ﷻ لن يضيعهم كما أتوه حنفاء مؤمنين، ولاذوا ببيته وحماه فقد ورد في قصة أم إسماعيل عليها السلام حين أتاها جبريل عليه السلام وأخرج لها ماء زمزم من باطن الأرض وقال لها: ” لاَ تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هَذَا الغُلاَمُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَهْلَهُ” صحيح البخاري.

وقد مدح الله ﷻ حجاج بيته الكرام لأنهم حققوا معنى الإسلام والعبودية، وأنهم هم أهل التقوى لأنهم عظّموا شعائر الله عز فقال سبحانه في سورة الحج: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.

عباد الله: إن الحاج هو سفير بلاده إلى الناس كافة، خاصّة وأن الحج هو المكان الذي يجتمع الناس فيه من شتى بقاع الأرض، ومن مختلف الدول، فالواجب عليه أن يعكس الصورة المشرقة للفرد المسلم بالمقام الأول، وأن يمثل بلاده خير تمثيل بإظهار أحسن الأخلاق وأزكاها، فرسالة الحج هي الذهاب إلى بيت الله ﷻ طلباً للعفو والمغفرة.

فيجب على المسلم إن أراد العودة مطهراً من كل ذنب، أن يقبل على الله بقلب سليم طاهر من كل عيب ويكون ذلك بالعفو عن الناس طمعاً في عفو الله عنه، فيعامل الناس بالسماحة واللين والرفق بالمؤمنين، والتجاوز عن زلاتهم وأخطائهم وأن يقبل على الله ﷻ تائباً منيباً، تتجلى فيه معاني الإسلام التي جاء بها سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام يقول الله ﷻ في سورة الأنعام ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ويقول النبي ﷺ: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» ~ صحيح البخاري.

والواجب على المسلمين في كل مكان أن يتشبهوا بحجاج بيت الله الحرام الذين لبوا النداء لأداء عبادة بدنية لا يكتمل أجرها وقبولها عند الله ﷻ إلا بتحقيق مقصودها وأثرها على القلب وعلى الجوارح في معاملة الناس، وذلك بأن يكون مخلصاً صادقاً مع الله ﷻ، ومحباً سليماً من الحقد والغلّ والحسد للناس فيتحقق بذلك معنى التقوى الذي يريده الله ﷻ في قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾.

وقال ﷻ في آيات الحج: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾.

وقد أخبر الله ﷻ أن سيدنا إبراهيم عليه السلام جاء بأعظم الأخلاق والصفات التي كانت سبباً في رفعة مكانته عند الله ﷻ فقال في سورة الصافات: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

وعلى المسلم أن يتحلى بهذا الخلق الفاضل خاصة وأنه من أمّة خير البشر الذي وصفه الله ﷻ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فيأتي بقلب عامر بالإيمان مليء بالمحبة، وبذلك تتجسد فيه أخلاق النبوة ويكون قلبه حاضراً في محراب العبودية لله ﷻ، عن عبد الله بن عمرو، قال: قيل لرسول الله ﷺ: أي الناس أفضل؟ قال: «كل مخموم القلب، صدوق اللسان»، قالوا: صدوق اللسان، نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: «هو التقي النقي، لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد» ~ سنن ابن ماجه.

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله الحليم العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

شاهد أيضًا إمامنا الفاضل: مُلْهِمة.. خطبة عن العشر الأوائل من ذي الحجة وأفضل الأعمال خلالها

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

عباد الله: ومن رسائل الحج التي تتجلى في هذه الأيام المباركة، الدعوة إلى التصبّر أثناء السفر، والصبر على الصحبة وعدم التضجر، يقول الله ﷻ في سورة الشورى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. فكما تجرد الحاج من متاع الدنيا وزخرفها، لا بد أن يتخلى عن كلّ خلق سيء وأن يعلم أنّه في خير صحبة اجتمعت على رضى الله ﷻ ومحبته، وفي ذلك تعظيم لشعائر الله ﷻ التي تدل على تقوى الله ﷻ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.

فلا بد في رحلة الحج من تراحم الناس فيما بينهم على أساس من المحبة والأخوة في الله ﷻ، وأن يشتغل المسلم في هذه الأيام المباركة بذكر الله ﷻ والإحسان إلى المسلمين والكفّ عن ارتكاب المعاصي بتعظيم حرمات الله ﷻ، يقول ﷻ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، خاصة ونحن نعيش في أيام الأشهر الحُرم التي عظمها الله ﷻ، وأمرنا فيها بعدم ظلم أنفسنا بأنواع المعاصي والآثام، فقال ﷻ في سورة التوبة: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾.

وإن من خير الذكر الذي يواظب عليه المسلم في هذه الأيام المباركة دعاء سيدنا يونس عليه السلام ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فيردد هذا الدعاء المبارك أربعين مرة في اليوم أو الليلة، وأن يحافظ على تسبيح الله ﷻ وتحميده مئة مرة في اليوم أو الليلة يقول النبي ﷺ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» متفق عليه.

سائلين الله ﷻ أن يحفظ بلادنا وولي أمرنا، إنه سميع مُجيب.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة نبيك، وأوزعهم أن يوفوا بالعهد الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم.

والحمد لله ربّ العالمين.

لتحميل خطبة الحج رسائل وحكم؛ بصيغة pdf؛ من هنا.

أيضًا؛ هنا: خطبة عن الحج مكتوبة «قصيرة وجيزة»

أضف تعليق

error: