خطبة مميزة وقصيرة عن الريادة في العلم والمعرفة.. مكتوبة

خطبة مميزة وقصيرة عن الريادة في العلم والمعرفة.. مكتوبة

مقدمة الخطبة

الحمد لله الذي رفع أولي العلم درجات، إكراما لهم ليبلغوا في المعارف الغايات، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العزيز الوهاب، القائل في محكم الكتاب: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، كان بالعلم عاملا، وبالحق قائلا، وعلى آله الأطهار، وصحبه الأخيار، وعلى التابعين له بإحسان إلى يوم القرار.

أما بعد، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

الخطبة الأولى

معاشر المؤمنين: إن الريادة في العلم والمعرفة هي السعي الحثيث الذي يتسابق إليه العالم في زماننا الحاضر، ذلك أن التقدم في شتى المجالات ينطلق من البحث العلمي والسبق المعرفي، ولا ريب أن مفتاح ذلك كله أجنحة العلم، ألا وهي القراءة والكتابة والتفكير، ولذلك نجد الرسالة الخاتمة افتتحت بهذا الأمر تأكيدا لهذه الحقيقة وحثا على العناية بها وأنها أساس العلم، بل هي المحرك الكبير في نهضة الأمم ورقي الحضارات، وقد كان أول اتصال بين السماء والأرض، وأول خطاب وتكليف من الله لرسوله قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.

ولقد كانت هذه الآيات تطبيقا عمليا في خطة النبي وهو يبني أمة الإسلام بناء متكاملا قائما على العلم والمعرفة، حتى أن الصحابي الذي يتقن القراءة والكتابة كان يقدم على إخوانه في كثير من مهام الأمة، فهذا زيد بن ثابت على صغر سنه كان مقدما على كثير من الصحابة لإتقانه القراءة والكتابة.

عباد الله: إن أمتكم هذه أمة قراءة وكتابة، أمة علم ومعرفة، ولذا كان حريا بكل مؤمن أن يأخذ حظه من آيات العلم، وأن تكون القراءة جزءا لا يتجزأ من حياته، حتى تنهض الأمة وترقى في سلم العلم والمعرفة ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾، هذا وإن سنن الحياة لا تحابي أحدا، وسوق العلم مناهبة، والمعرفة ليست حكرا على أحد، فمن طرق بابها وأخذ بأسبابها كان في مقدمة الركب الحضاري.

وأنتم تعلمون أن قطاع التعليم والبحوث العلمية له أكبر نصيب في موازنات الدول المتقدمة، ولما كانت القراءة مقدمة في حياة المسلمين كان لهم قصب السبق في شتى الميادين، بل إن الأمم الأخرى كانت تتطلع إلى ما عند المسلمين من تراث فكري ومعرفي؛ لا سيما وأن المكتبات العلمية والمعرفية ترفرف أعلامها في كل ربوع البلاد الإسلامية.

أيها المؤمنون: إن واقع المسلمين اليوم يدعوهم إلى بذل المزيد من الجهد، ليلحقوا بمقدمة الركب الحضاري في العلم والمعرفة، فثم القيادة والريادة، وإن كانت بعض الإحصائيات تشير إلى واقع غير مرض في الريادة المعرفية، فلا نجعل ذلك عائقا بل هو حافز إلى بذل المزيد من الجهد، ومعالجة التحديات التي تعرقل مسيرة العلم بدءا من معالجة الضعف القرائي وهو معاناة معرفية لدى الأجيال، نتج عن سوء العلاقة بينهم وبين الكتاب، وأثمر أمرا لا نرغب فيه وهو أن نرى طلبة قد أنهوا مرحلة علمية وهم لا يتقنون قراءة مقال علمي، أو حتى سورة من كتاب الله.

فلذا يا معاشر المسلمين: لا بد من تغيير المسار، لا بد أن يكون المجتمع الإسلامي مجتمعا قارئا، فنحن أحق بالقراءة من غيرنا، وإذا كانت القراءة عند غيرنا متعة وهواية، فإن القراءة عندنا علم وعبادة نؤجر عليها، ففي الحديث: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة»، «وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا لما يطلب»، «وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب».

فاتقوا الله -عباد الله-، وارفعوا شأن أمتكم بالاجتهاد والجد، واطلبوا العلم من المهد إلى اللحد، ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.

⇐ هنا أيضًا: خطبة عن فضل وأهمية القراءة

الخطبة الثانية

الحمد لله الرحمن، خلق الإنسان، وجعل له السمع والبصر والجنان، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العليم الحكيم، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، ذو الهدف النبيل، والشأن العظيم، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا عباد الله: من أجل أن نصنع جيلا قارئا لا بد أن نستحضر أمورا، منها أن نعي جيدا أن أبوين قارئين يعني مجتمعا قارئا، فيا أيها الآباء الكرام: القدوة قوام التربية، اشتغلوا بالقراءة أمام أبنائكم، اجلسوا معهم في حلقة قرآنية، أو جلسة تتدارسون فيها فنا من فنون العلم، ولو نصف ساعة في اليوم، فستجدون مع الوقت أنكم أسهمتم في بناء جيل قارئ بامتياز، يحب القراءة ويعشقها.

وكذلك من الأمور التي ينبغي أن تكون حاضرة لنصنع مجتمعا قارئا أمر تنظيم الوقت وتخصيص جزء منه للقراءة، فالقراءة غذاء الروح، ليقرأ كل واحد منا في مجاله وتخصصه، فأمتنا بحاجة إلى الطبيب والمهندس والمفكر والعبقري والمخترع المسلم، ولن يتأتى ذلك إلا بالقراءة المنظمة والاطلاع الواسع.

ومن الأمور المهمة أيضا، مكتبة المنزل، وهي أمر لا بد منه في بناء الجيل القارئ، فكما نوفر لأبنائنا الغذاء والكساء لا بد أن نوفر لهم غذاء الروح، وهو الكتاب الذي يضم بين جنباته العلوم والمعارف، وما لم نستطع شراءه من كتب فالاستعانة بالكتب الإلكترونية أمر متاح، ويسهل الوصول إليه دون عناء أو مشقة.

فلنشغل أوقات الفراغ -وما أكثرها- بالقراءة والمطالعة، وليأخذ كل منا كتابه معه حيثما اتجه وسار، وليملأ بالقراءة ساعات الانتظار، فوقت الانتظار وقت ميت إن لم يستغل بالمطالعة والاستذكار.

وينبغي أن نشير أن بناء المكتبات العامة في كل مكان، والوصية لها، ووقف الأموال لدعمها، كل ذلك يسهم في بناء جيل قارئ، قادر على التعامل مع معطيات الحياة، والرقي بالأمة نحو القمة.

فاتقوا الله -عباد الله-، وكونوا بالعلم عاملين، وبالحق قائلين، وعلى صراط ربكم مستقيمين، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

هذا وصلوا وسلموا على إمام المرسلين؛ محمد الهادي الأمين، فقد أمركم ربكم بذلك حين قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آل نبينا محمد، كما صليت وسلمت على نبينا إبراهيم وعلى آل نبينا إبراهيم، وبارك على نبينا محمد وعلى آل نبينا محمد، كما باركت على نبينا إبراهيم وعلى آل نبينا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات، وعن جمعنا هذا برحمتك يا أرحم الراحمين.

⇐ ونترككم أيضًا مع خطبة جمعة رائعة –مكتوبة– بعنوان: بكلمة «اقرأ» ارتقينا

أضف تعليق

error: