الذين لا يُباعون

الذين لا يُباعون

نستيقظ يوميًا وقلوبنا منذ سنوات طويلة بل عقود تحلم بنهار مختلف… بإشراقة أجمل على بلدنا وحياتنا والأهم على مستقبلنا… نذهب للنوم وكل أحلامنا في أن النهار الذي لم يأت اليوم، سيأتي غدا وستشرق الشمس على أرضنا وهي خالية من الظلم والفساد… بعد أن تملأ جنباتها إشعاعات العدالة والمساواة وعدم التمييز وتطبيق حقوق وواجبات المواطنة على الجميع بلا استثناءات أو واسطات ومحسوبيات.

وفي هذا اليوم المنتظر لن يكون هناك فقر وجهل ومرض… لن يكون هناك حاجة وذل وابتزاز لمن أصابهم العوز حيث لن يأتي هذا النهار بعوز، بل بأمل وعمل للجميع هذا الأمل الذي سنحمله جميعا في قلوبنا وعقولنا وقبلهما ضمائرنا حتى يظل دافعًا للاستمرار في معركة البناء للغد.

وطوال العقود والأعوام الماضية ظللنا نبحث عن المنقذين والمخلصين في كافة المجالات ومن كل الاتجاهات، حتى تلك التي اختلفنا معها لعل لديها خيرًا تحمله لنا، لكن علينا أن نعترف جميعًا أن المتشنجين فكريًا وسياسيًا ودينيًا واجتماعيًا وعلميًا… المتعصبين لأنفسهم ومصالحهم لا لأوطانهم لا يبنون إلا أماكن لنفوذهم وثرائهم وشهرتهم وما دون ذلك بالنسبة لهم مجرد أوراق ضغط يلعبون بها لتحقيق مصالحهم حتى لو تحول الوطن لمجرد ورقة من بين هذه الأوراق!!

فالمتنقلون بين الصفوف بلا قيم وطنية ثابتة… وخادمو الحكام وعبيد المصالح لا يبنون مستقبلًا ولا ينتظر منهم صباح جديد لأن الماضي بكل فساده ودناسة سلوكياتهم فيه هو تاريخهم الذي يقتاتون منه… هذا الماضي الذي مازال معظمه حاضرًا – وندعو الله ألا يكون هو المستقبل- مليء بخراب الذمم والضمائر بين الجميع وبلا استثناء… فجميعنا مارسنا الفساد بأشكال متفاوتة وتعاملنا معه كشرب الشاي لابد من تناوله عدة مرات يوميًا.

انسحق شرف الوطن وضاعت كرامتنا بأيدينا بعد أن قبلنا على مدار عقود بإفسادنا كشعب من قبل نخب ونظم تعمدت أن يكون مشهد المستقبل ضبابيا لدينا… فأي مستقبل مع نخب منتفعة تافهة سطحية متعالية… ونظم لم تتخذ من العدالة والمساواة هدفا لها وشعب قبل مجبرا أن تدهسه أقدام الجميع!

لكن منذ سنوات يقاتل الشعب المصري ليخرج من عباءة عملية التغييب التي تمت له ويحاول بعضه التطهر من دنس الفساد وخراب الضمائر وعبادة المال – حتى لو كان حراما – الذين استشروا في كل الأماكن وكأنهم طاعون لم يعاف الله منه إلا القليلين… ويظل هؤلاء القليلون هم الأمل في النهار المنتظر… فهؤلاء القليلون الذين لا يباعون هم من يستحقون تصدر المشهد لعلنا نستفيق من غفوة إنسانية وحضارية وعلمية وتعليمية وصحية استعذبناها طويلا حتى صرنا على هامش الدول المتقدمة والطامحة للتقدم!

أعتقد أنه حان الأوان لننتفض على أنفسنا ونمنح الذين لا يباعون في كافة المجالات الحق في تقديم رؤاهم لمستقبل الوطن لأنها ستكون رؤى صادقة وطنية لأن مقدميها ممن لا يمكن شراء ضمائرهم وذممهم وعقولهم وعلمهم وأقلامهم مهما كان حجم الابتزاز أو الإغراءات أو حتى التهديدات.

الذين لا يباعون من الشعب هم صمام أمان هذا الوطن ونقطة قوته، فلا حلم بالسلطة يحركهم ولا أمل في منصب يحفزهم وليس لديهم ذلة أو نقاط ضعف يمكن أن تكسر أعينهم… أعينهم التي لن يري فيها الناظر إلا صورة مصر الطاهرة المتقدمة المتعلمة العفية مرفوعة الجبين.

الذين لا يباعون يؤمنون بأننا لم نأت الدنيا إلا لنعبد الله ونعمل من أجل الوطن بلا تقاتل أو تصارع فقط يحركنا تنافس شريف من أجل تحويل مصر لقطعة من الفردوس وكيف لا تكون كذلك وهي أرض الله المختارة.

لكن لكي تكون كذلك لابد أن تكون أول معاركنا لتغيير واقع بلدنا المنهك أن نبحث بقلوب وضمائر سليمة عن هؤلاء ليتصدروا الصفوف في كافة المجالات فهم الأمل في المستقبل.

بقلم: الهام رحيم

أضف تعليق

error: