التحقيق الصحفي.. والمجتمع المتكتم

لا تزال الصحافة المطبوعة تعد واحدة من أهم الوسائل المهنية الإعلامية وأكثرها عراقة وثقلا ومصداقية على الإطلاق حول العالم، محافظة على مكانتها وأهميتها وتقاليدها وقرائها، على الرغم من صعود الإمبراطوريات الإعلامية الفضائية وثورة الصحافة الإلكترونية. وتتمتع الصحافة المطبوعة بتنوع فنونها وتعدد مجالاتها، ما ليس هذا مقام بسطه، غير أن المتابع للصحافة المطبوعة أو الورقية لدينا في السعودية، يجد أنها شهدت تطورا ونموا وتوهجا في السنوات الأخيرة، ولكن هذا النمو والتطور ظل في نطاق محدود، ومنحصرا في ممارسات صحفية محددة، نجحت نجاحا كبيرا على حساب فنون وممارسات صحفية أخرى بقيت بعيدة عن مواكبة النهضة الصحفية في السعودية، التي يمكن تسميتها «صحافة خبر ومقال ودعاية وإعلان» فقط.

فإلى جانب الخبر الصحفي التقليدي والدعاية الإعلانية الربحية للشركات والمنتجات أو التهاني والتعازي، نهض العمود الصحفي من خلال المقال ببروز أقلام لكتاب صحفيين كبار خلال العقدين الأخيرين يتناولون قضايا متنوعة فكرية واجتماعية وسياسية بالنقد والتحليل والمعالجة، جعلت من العمود الصحفي وفن المقال شكلا من أهم أشكال الجذب التسويقي والإعلامي إلى جانب وظيفته الأساسية كمنبر للرأي والطرح الفكري.

في حين ظلت صنوف صحفية أخرى كالتقرير والتحقيق الصحفي، تعاني الكثير من الضعف والإعاقة وقلة الجودة في الغالب، «فالتحقيق الصحفي» كنموذج وبسبب الطبيعة الموضوعية له، المعتمدة على المعلومة الشاملة، بقي واحدا من الممارسات الهزيلة في الموضوع والمحتوى في معظم صحفنا.

وبلا شك فإن من أهم أسباب تراجع التحقيق الصحفي «صعوبة الحصول على المعلومة»، في شتى المجالات والقطاعات، والطبيعة المتحفظة لمجتمعنا التي تحبذ التكتم والسرية بشكل عام، وفي المسائل الشخصية والأسرية بشكل خاص، وسياسة «كل شيء على ما يرام».

بالإضافة إلى الوقت والمجهود الكبير الذي يتطلبه إعداد التحقيق، أدى ذلك إلى غياب ملحوظ لدور التحقيق الصحفي الجيد الذي يعتبر في عالم الصحافة العالمية والمجلات الدولية الهامة أهم نافذة يطل من خلالها القارئ على مجتمعه.

بقلم: سالم السيف

أضف تعليق

error: