أحمد يبحث عن منى

أحمد يبحث عن منى

«يا راجل فوق لنفسك وسيبك بأه من الحاجات دي!»

أحمد يحدث نفسه بالزواج من ثانية. لقد مضى على زواجه عشرون عامًا تزيد ولا تنقص. وهو الآن نيف على الأربعين، وبدأ الملل يتسرب إلى حياته. إن لم يفعلها الآن فلن يفعلها مطلقًا. هكذا تمتم بينه وبين نفسه. ماذا ينتظر؟ إنه يسير نحو الخمسين، أو منتصف العمر كما يقال (كأنما حسبوا عمره وقرروا أنه سيعيش مائة عام بالتمام والكمال). يا للهول! لا.. لا.. لا تفكر بأمر الخمسين، ما زلت بمنأى عنها، وما زلت شابًّا تضج في خدودك حمرة الشباب. لست (عجوزًا) وربما لن تشيخ أبدًا. أنت في الأربعينيات، وهي مرحلة النضج كما يقال. ألم يبعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو في الأربعين؟ أليس بلوغ الرجل أشده يعني وصوله الأربعين، وهي سن موسى عليه السلام أيضًا عندما ابتعث إلى بني إسرائيل؟.

الشباب شباب الروح

وهبك بلغت الخمسين أو الستين، فما المشكلة؟ أليس الشباب شباب الروح لا شباب الجسد. سمعت مرة الشيخ علي الطنطاوي (رحمه الله) يقول إن أبا بكر رضي الله عنه كان قد نيف على الستين عندما ولي الخلافة وارتدت العرب، فكان أن وقف وقفة عجز شباب الصحابة أن يقفوها. لقد طلب منه بعض المسلمين ألا يقاتل المرتدين، وخاطبه عمر رضي الله عنه مستنكرًا: “أتقاتل العرب؟”، فرد عليه أبو بكر رضي الله عنه: “أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام يا عمر؟”. هتف أبو بكر بمنتقديه: “أينتقص هذا الدين وأبو بكر حي؟ والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه، والله لأقاتلنهم ما استمسك السيف بيدي ولو قاتلتهم وحدي”. أي فتى كان أبو بكر؟ وأين الشباب ذوو الأرواح الخانعة المتهافتة من ذلك الشيخ الأبي الذي أنقذ الله به الإسلام في أحلك موقف، وفي أحرج مفترق طرق؟.

عودًا على بدء، ما يضير أحمد الآن لو شرع في أمر الزواج من ثانية (وهو في نظر بعض المتحمسين للتعدد نوع من الجهاد أو الإصلاح الاجتماعي أو سنة دارسة يجب إحياؤها)؟ لكن لماذا يفكر أحمد في الزواج الآن؟ وما هي المصلحة من كسر الصفاء بينه وبين زوجته وأم عياله؟ أليس في الأمر تضحية بحبيبته الأولى وشريكة حياته ورفيقة دربه؟ وهل لو فعلها سينسجم مع الثانية الجديدة؟ ماذا سيقول الناس؟ رجل (عينه زايغة).. (يحب الحريم).. (قروشه زايدة)؟ سيردد أقوام إنه (ناكر للجميل)، وسيستشهدون بالآية الجليلة “هل جزاء الإحسان إلا الإحسان”. سيتمثل بعضهم بقول الشاعر:

ذهب الوفاءُ فلا وفاءَ وإنه
لأعز وجدانًا من الكبريتِ!

سيسمع عبارات تستنكر (جحوده) من قبيل: (هذا جزاء المعروف؟)، أو (يا خسارة العيش والملح). ربما يلومه أصدقاؤه قائلين: “وش لك ووجع الرأس”. ربما تخاطبه أمه مستنكرة: “وش تبي بالحريم تجمّعهم؟”، ثم هناك شيء آخر: ما الجديد الذي يبحث عنه أحمد؟ سيقول له بعضهم: “الحريم كلهم واحد”. لكن من يقول إنهم (زي بعض) لا يفهم الأنوثة والإناث مطلقًا. النساء لسن سواء كأسنان المشط فيما يتعلق بالفهم والذوق والجمال والمرح ومعرفة فنون الحب والغرام. هل كل النساء خفيفات دم أو شربات؟ هناك نساء ثقيلات على القلب، وهناك (مهضومات) يتوق الفؤاد إلى وصلهن. هل يتحدث النساء زي بعض؟ هل يأكلن زي بعض؟ هل يضحكن زي بعض؟ هل يتذوقن الحب والجمال والرومانسية زي بعض؟ لا والذي نفس أحمد بيده.. قالها الفتى وهو يتنهد.

التعدد

لكن هل التعدد أولوية في حياة أحمد الآن؟ أليس هناك ما يسمى (فقه الأولويات)؟ “يا راجل فوق لنفسك وسيبك بأه من الحاجات دي!”، انصرف إلى بناء عشك الزوجي، أحسن تربية أولادك، وفِّر لهم الحياة الكريمة، وكافئ زوجتك بمزيد من الرعاية والحنان. لماذا تجلب لها (ضرة) تنكد عليها، وتقلب حياتها رأسًا على عقب؟ ألم تسمع بغيرة النساء؟ لكن أليس التعدد -كما يقول بعض العلماء- هو الأصل في الشريعة؟ ألم يعدد المسلمون قديمًا وحديثًا؟ إن التبرم من التعدد، وتوجيه سهام النقد للمعددين أو الراغبين في التعدد، لا يجوز شرعًا؛ لأنه يتضمن انتقاص حكم شرعه الله لعباده، وأحله لهم بلطفه وحكمته جل وعز. لقد أفضى (تجريم) التعدد ورسم صورة متوحشة ومتخلفة عنه في الصحافة ووسائل الترفيه الإعلامي كالأفلام والمسلسلات إلى تشويه حكم ثابت في القرآن والسنة، ودفع بعض الأزواج إلى الرذيلة، عبر اتخاذ خليلات أو (صديقات). ثم كيف يمكن إنقاذ المجتمع من أزمة العنوسة إذا أعرضت يا أحمد أنت وأصحابك عن التعدد، وبقيت طول عمرك ملازمًا لواحدة فقط؟ ألم يقل الشاعر القديم:

إن النساء رياحين خلقن لنا
وكلنا يشتهي شمّ الرياحين

ليكن شعارك منذ اليوم: “زوجة واحدة لا تكفي”، انكح ما طاب لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، أنجب، زد عدد المسلمين، ولا تحرّم ما أحل الله لك! في كل كبدة رطبة أجر أيها الفتى. إنها لعمر الله “أجر وغنيمة”، احتسب واستمتع في آن!.

تيه وتناقض

بس كفاية! ألم يأتك خبر كثير من المعددين الذين يعيشون بين تيه وتناقض وتقلبات عاطفية؟ بعضهم قال بعد تجربته (السعيدة): “أضطر كثيرًا إلى الدبلوماسية، وأبذل محاولات حثيثة للتوفيق بين الطرفين”. وآخر قال: “ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما فعلتها”. وهناك من كان أكثر توازنًا فوصف تجربته بالقول: “كثير من الارتباطات والمسئوليات، مع زيادة محدودة في درجة الاستمتاع”. ومن المعددين من حوَّلته الثانية إلى رجل آخر، شغفته حبًّا، وضخت في عروقه دماء جديدة!.

أحمد حائر ويستبد به القلق. هو محتاج إلى ثانية، وربما ثالثة، ولكنه في الوقت الحاضر لا يفكر بأبعد من الثانية. يا أحمد، أعرض عن هذا. يا أحمد، “القديمة تحلا ولو كانت…” فما بالك وأنت تسر برؤية صاحبتك. ليكن شعارك الجديد: “أم أولادي، ثمرة فؤادي”. عد إلى حبيبتك وقبِّلها بشوق وحنان. أنشدها قول أبي الطيب:

نقل فؤادك ما تشاء من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول!

وقول نزار:

هل يا ترى من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل؟

أسمعها من شعرك هذا المقطع:

الحب أجمل ما يكونْ

وأنتِ أروع ما يكونْ

أنت افترار الثغر

إيقاع اللحونْ

أنت انتفاض الحقل

جادته المزونْ

أنت اشتياق العمر

يجتاح السكونْ

أنت الوصال وسحره المنساب

من عمق الحنينْ

أنت الشباب

وروعة التذكار

والقلب الحنونْ

بل أنت في دربي الهدى الوضاء

والفجر الأمينْ

يا أنتِ يا مصباح عمري

المستبينْ

ها أنت بين جوانحي

في القلب في لحظ العيونْ

في أضلعي الحرّى

وأعماقي

وإحساسي الدفينْ

ينثال طيفك في مخيلتي

فتنتفض الشجونْ

والأمنيات البيض تغمرني

كفوح الياسمينْ.

بقلم: د. أحمد بن راشد بن سعيد

⇐ طالع أيضًا المزيد أدناه:

أضف تعليق

error: