مقال عن بر الوالدين وكيفيّة الإحسان إليهما

مقال عن بر الوالدين

يقول الله عز وجل في كتابه الكريم عن بر الوالدين في سورة لقمان: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}. صدق الله العظيم.

نِعمة وجود الوالدين في حياة الأبناء

أنعم الله عليك بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ولعل من أهمها وجود والديك. إنها لنعمة عظيمة ما يقدرها ولا يشعر بها إلا من فقدها. وكثير ممن يفقدون والديهم يمر به الوقت وتأخده الدنيا ولا يذكرهما. فالوالدان هما سبب السعادة، هما سبب وجودك في هذه الدنيا. لولاهما ما كنت ولن تكون أبدًا ذا شأن أو يلمع لك نجم.

بذل الوالدان الكثير لأجل أبنائهما، ولم يدخرا جهدًا في سبيل تحقيق السعادة لأبنائهما قدر استطاعهما. فالأب يسعى لكسب الرزق لا ليعيش في رفاهية ورغد لنفسه؛ وإنما لكي يعيش أبناؤه في راحة وهناء. يحرم نفسه الكثير من متع الدنيا كي يتمتع الأبناء، ولا يلتفت لأمر من متاع الدنيا إلا لكفايتهم وسد حاجاتهم. يحمل الأب مسؤولية أسرته وهمهم، ويهتم إذا ما كان لأبنائه طلبًا ولا يستطيع تلبيته، بل ويحاول أن يفعل ما بوسعه لتحقيق ما يطلبونه. يتحمل الأب صعوبة ومرار الدنيا لأجلهم، ولا يشكو أو يهن أو يضعف. يؤدي رسالته لا لأنه رب أسرة وعليه أن يقوم عليها فحسب، بل يفعل هذا بود وحب ورضا، ينسى همومه لمجرد رؤية أبنائه في سعادة يضحكون. ابتسامتهم دواء يشفي عليله، وضحكاتهم تقطر عسلًا في فمه المر.

والأم لا تحتاج إلى تبرير فضلها، فالأم كنز خلقه الله لتغترف منه طيلة حياتك. جوهرة تسطع لك وما عليك إلا أن تجليها بالكلمة الحسنة والفعل الطيب. تحمّلت الأم مشقة إيجادك في هذه الدنيا. وتحملتك منذ أن كنت جنينًا تضرب في أحشائها ولا تدرك. تحملت سهر الليل، وعدم النوم، وتعب الجسد والقلب لأجلك. ما احتملت إلاك، وما اهتمت إلا لهمك وشأنك، وما تفعل إلا ما يجعلك مسرورًا آمنًا. ما شكت يومًا وما تذمرت، بل هي دائمًا العون والملجأ والملاذ الذي تذهب إليه وقتما شئت.

والوالدان كما هما نعمة في حياتنا فعلينا أن نكون نعمة لهم وليس نقمة. علينا ببر الوالدين وطاعتهما، وإرضائهما، وإسعادهما، واحترامهما، والشعور بهما. أحسن إليهما كما أمرك الله سبحانه وتعالى، إذ أمرك الله بالإحسان إليهما واقترن هذا بعبادته؛ إذ يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في سورة الإسراء: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}. صدق الله العظيم.

كيفية الإحسان إلى الوالدين

والإحسان إلى الوالدين ليس هبة منك أو منحة، وإنما واجب عليك قضاه الله، وقرنه بعبادته عز وجل. وذلك لفضل الوالدين عليك الذي لا يمكن أن تستطيع رده مهما فعلت. وكل ما عليك فعله هو الإحسان إليهما. والإحسان يأتي بصور كثيرة عليك أن تفعلها كما يناسبك وتستطيع. فالإحسان بالكلمة يكفي الوالدين، والكلمة الطيبة إحسان، والمعاملة الحسنة إحسان، والتبسم في وجهيهما إحسان، والرفق بهما إحسان، ورعايتهما والاهتمام بهما إحسان. اهتم بوالدليك كما كنت الشاغل الوحيد الذي يهتمان به، ولا تنشغل عنهما برزق أو زوجة أو ولد. ولا تتعلل بالدنيا حتى لا يسلطن الله عليك الدنيا والزوجة والولد.

من أحسن إلى أبويه رزقه الله الزوجة الصالحة والولد الصالح، وما واجه تعبًا أو مشقةً في حياته، ويهنأ باله ويطمئن قلبه. فلا تنشغل عنهما وخصص لهما من وقتك الكثير فلولاهما ما كنت أنت أنت. افعل ما يدل على شكرك لهما وعدم نكرانك لجميلهما. واشكرهما على ما أنفقاه من عمر من أجلك، واعلم أن الأب والأم ما يفعلان أمرًا إلا إن كان فيه سعادتك. فاشكر الله على نعمته التي أنعم عليك بوجودهما نعمة لا تضيعها واغتنمها.

فوصانا الله في قرآنه بالوالدين لأهميتهما ولفضلهما، وجعل شكرهما من شكره سبحانه وتعالى. فاشكر الله على والديك، واشكر والديك على ما قاما به وما عاناه كلاهما من مشقة وتعب. فكن شاكرًا معترفًا بالجميل ولا تكن ناكرًا له. ولا تكن كمن أمّن الرسول على دعاء جبريل عليه أن يرغم أنفه من أدرك أبويه أحدهما أو كلاهما ولم يدخلاه الجنة. فالجنة تأتي ببرهما. وأنت من تحتاج إلى هذا البر أكثر منهما فإذا أحسنت إليهما فتح الله لك كل موصد، وأنعم عليك بالرضا والهناء والراحة والطمأنينة والسكينة. ورزقك الله الدنيا والآخرة. ولعل أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين، كما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.

فاغتنم الفرصة وفز بها، ولا يكونن وفاة أحدهما أو كليهما سببًا في نسيانك إياهما، فالإحسان والبر يكن في حياتهمها وبعد مماتهما. فإن مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: الصدقة الجارية، والعلم الذي يُنتفع به، والولد الصالح الذي يدعو له. فكن الابن الصالح الذي يدعو إلى والديه بعد موتهما. والصدقة الجارية ترفع من مرتبتهما، وتُعد من أبواب البرَّ والإحسان إليهما. وكذلك سداد ديونهما، فكما كانا يسدان حاجتك فسد حاجتهما في الدنيا الآخرة. وكذلك من أبواب البر بعد وفاتهما قضاء ما عليهما من صيام أو حج أو عمرة إن استطعت. فكن أنت المعين لهما بعد كانا خير من يهتم بك. وصل رحمهما فصلة الرحم من أبواب البر ولا تنسى من كانا يحبانه. وتذكر دائمًا أن والديك هُما الشمس التي تشرق حياتك فلا تطفئها فتكن من الخاسرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: