سورة الزلزلة التي تخبر عن بعض مشاهد يوم القيامة

سورة الزلزلة

معنا اليوم سورة الزلزلة؛ هذه السورة العظيمة التي يقرر الله فيها مشاهد من مشاهد يوم القيامة. هذا اليوم العظيم الذي سأعيشه أنا وإياك، وستعيشه البشرية جمعاء؛ فماذا أعددنا لهذا اليوم العظيم؟

لأن الإيمان باليوم الآخر من أركان الإيمان، وكلما استقر في قلب العبد الإيمان بهذا اليوم كلما قاده ذلك إلى إحسان العمل مع الله، وعلى تقوى الله حق تقاته، وعلى زجر نفسه عن الذنوب والمعاصي؛ لأنه مستشعرٌ أنه سيحاسب، وأن هناك جزاء، وفوز أو خسارة؛ أسأل الله أن يجعلني وإياك من أهل الفوز.

سورة الزلزلة مكتوبة

يقول الله -سبحانه وتعالى- في هذه السورة، بسم الله الرحمن الرحيم {إذا زلزلت الأرض زلزالها | وأخرجت الأرض أثقالها | وقال الإنسان ما لها | يومئذ تحدث أخبارها | بأن ربك أوحى لها | يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم | فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره | ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}. في الآية الأولى يخبر الله عن هذا الزلزال العظيم الذي سيقع على هذه الأرض، وهو أعظم زلزال سيقع على هذه الأرض.

نرى ما تُحدثه الزلازل في هذه الدنيا من دمار عظيم وتشريد وهدم للبيوت؛ فكيف بهذا الزلزال العظيم الذي يخوفونا الله منه، فقال سبحانه {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم}.

هذا الزلزال العظيم، من شدته {يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد}.

يتخبط الناس، أصحاب العقول، كأنهم سكارى من شدة أهوال هذا الزلزال.

قوة هذا الزلزال؛ كل المعالم التي على الأرض ستذهب، وأعظم ما على هذه الأرض هي الجبال؛ فيقول الله -جل وعلا- في الآيات من سورة طه {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا | فيذرها قاعا صفصفا | لا ترى فيها عوجا ولا أمتا}.

فهذا العمران، وهذا التطور العمراني، وهذه الأبراج التي نراها على هذه الدنيا كلها ستذهب، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي»؛ يقول الراوي: ليس فيها معلم لأحد.

ذهبت معالمها، وذهب عقارها، وتحسَّر من اغتر بها، كما قال الله -سبحانه وتعالى- في الآيات من سورة الكهف {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا | وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا}؛ كله سيذهب.

لكن هناك من اغترَّ بها، ولم يستعد للقاء الله، أو سارع إلى ما فيها من حرام، فأكل الحرام والعياذ بالله، فسيخسر يوم القيامة.

لكن من عرف حقيقتها استعد للقاء الله.

وقوله تعالى في آيات سورة الزلزلة التالية {وأخرجت الأرض أثقالها}؛ ما هي أثقال الأرض؟ أنا وإياك سنكون من أثقال الأرض، وهم الموتى. وقيل -كذلك- الكنوز، لأنه ورد حديث قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم «تقيء الأرض أفلاذ كبدها، أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا».

ليس لها قيمة، لكن سببت في الدنيا قطع الرحم، والسرقة وأكل المال الحرام، وسببت كذلك أن الإنسان يقتل لأجل هذه الدنيا وهذا الذهب والفضة؛ ثُم ليس لها قيمه يوم القيامة.

ثم إذا أخرج الله الموت من الأرض، وأنا وإياك، {وقال الإنسان ما لها}. يتساءل الناس: ما لهذه الأرض؟ أين معالمها؟ أين عقاراتها؟ أين جبالها؟ أين هي؟.. تغير كل شيء. يقول تعالى في الآيات من سورة يس {ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون | قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون}؛ وفي الآيات من سورة الصافات {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون | وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين | هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون}.

فسيأتي هذا اليوم، وكل منا سينظر بأُم عينيه وسيرى. لكن هناك أناس لم يستعيدون لهذا اليوم، فسيقولون، كما جاء في سورة الصافات {وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين}؛ أي هذا يوم الجزاء على الأعمال والحساب عليها.

ويقولون، كما جاء في سورة يس {من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمٰن وصدق المرسلون}.

فاستعد أيها المسلم للقاء الله، واستعد لهذه المعاني العظيمة وهذه الأهوال الشديدة.

وفي الآيات من سورة الزلزلة {وقال الإنسان ما لها | يومئذ تحدث أخبارها | بأن ربك أوحى لها}. الأرض ستنطِق وتتكلم وتُخبِر وتشهد على من مشى عليها، وأنا وإياك ممن مشينا على هذه الأرض.

فأخبار الأرض، أن الأرض ستشهد على من مشى عليها، إما بعمل الخير وإما بعمل الشر. فهل أعددت لهذه الشهادة وهذا الإخبار عملا؟ فهنيئا لك يا من تحافظ على الصلاة وتُكثِر الخطى إلى المساجد، هنيئا لك يا من تذهب إلى الحرم وتطوف بهذه الكعبة، يا من تسافر لما يرضي الله، كمن يسافر لزيارة مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو لصلة الأرحام أو من أجل بر الوالدين؛ فوالله ستشهد عليك الأرض بهذا الخير العظيم.

وأما غير ذلك؛ من يذهب إلى أماكن الفجور والمعاصي وما يغضب الله؛ والله ستشهد على هذه الأرض بما يخزيه يوم القيامة.

فكيف ستكون الإجابة والشهادة عليك يوم القيامة؟

شهداء يوم القيامة

وكفى بالله شهيدا

هناك شهداء يوم القيامة، منها هذه الأرض. وأعظم شهيد هو الله -الحي القيوم-، يقول تعالى في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كما في سورة النساء، يونس، الرعد، الإسراء، العنكبوت، الفتح {وكفى بالله شهيدا}. يسمعنا ويرانا، بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

الملائكة

ومن الشهداء، الملائكة، الذين لا يتركونا، كما قال تعالى في سورة الإنفطار {وإن عليكم لحافظين | كراما كاتبين}.

يا الله! والله لو استشعرنا هذا لاستحيينا من هذه الملائكة وحرصنا على كل عمل يرضي الله، لأن هذه الملائكة ستكتب كتابا سيُعرَض يوم القيامة ويقال للإنسان، كما جاء في سورة الإسراء {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}. وما جاء في سورة الكهف {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هٰذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها}.

هذا الإنسان يحاسب نفسه، ويعمل الصالحات ولا يعمل السيئات.

الجوارح

من الشهداء كذلك، الجوارح. قال تعالى في سورة يس {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون}، وفي سورة فصلت {حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون}.

إذًا؛ ما نسمعه أنا وإياك، وعموم ما نراه في هذه الدنيا، وكل ما نعمله سيشهد علينا يوم القيامة، مِصداقا لقوله تعالى في سورة فصلت {أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء}.

الناس

ثم من الشهداء، كل من حولك سيشهدون عليك؛ ودليل ذلك ما ورد في الحديث الشريف الذي رواه البخاري: مُرَّ بجنازة فأُثْنِيَ عليها خيرا، فقال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: «وجبت وجبت وجبت»، ومُرَّ بجنازة فأثني عليها شرّاً، فقال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: «وجبت وجبت وجبت»، قال عمر: فدى لك أبي وأمّي، مُرّ بجنازة فأثني عليها خير فقلتَ: وجبت وجبت وجبت، ومرّ بجنازة فأثني عليها شرّ فقلت: وجبت وجبت وجبت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنّة، ومن أثنيتم عليه شرّاً وجبت له النّار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض».

فكَم جنازة حُمِلَت لا تُذكَر إلا بما عملت، وجنازتي أنا وإياك ستُحمَل، ولن يذكرنا الناس إلا بأعمالنا، فهنيئا لصاحب الخلق الحسن الذين يشهدون له الناس بالخير؛ بصلاته، بصدقاته، بخلقه الحسن؛ فهنيئًا له الجنة.

البعض في هذا الزمان يقول: الناس لا ينفع معهم الطيبة. فنقول له أن الناس شهداء عليك، فإما أن يشهدون عليك بخير، فأحسن خلقك الآن، وسارع إلى ما يرضي الله، وتعامل مع الناس، وبالذات مع أقرب الناس لك كالوالدين وزوجك وأولادك وجيرانك وزملائك، فإذا أثنوا عليك شرًا والعياذ بالله.. أخلاق سيئة، صاحب تعدي وظلم، لا تعرفه المساجد.. وغيرها من الأمور السيئة التي لا يريدها كل أحد؛ فوجبت النار والعياذ بالله.

فالله يرحمنا وإياكم برحمته؛ اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه من القول والعمل، واصرف عنا كل ما يغضبك يا سميع الدعاء، واجعلنا ممن يستعد للقائك وممن ينجو يوم القيامة ويفوز بجنة عرضها السماوات والأرض. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: