خطبة عن فصل الشتاء وما يرتبط به من أحكام وعظات وفضائِل

في هذه الأيام البارِدة يجب أن يكون للإمام والخطيب بصمة؛ نعم، ونحن هنا من أجل ذلك. هُنا خطبة عن الشتاء -مكتوبة- نُبيّن لكم بعضًا من فضائل هذا الفصل وأحكامه. فضلًا عن بعض المواعِظ والوقفات التي بجب علينا أن نتمعَّن التفكير والنظر فيها.

خطبة عن فصل الشتاء وما يرتبط به من أحكام وعظات وفضائِل

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهدِه الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله. الرحمة المهداة إلى الناس أجمعين. اللهم فصَلّ وسلم وزد وأنعِم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد، فأوصيكم عباد الله بتقوى الله ولزوم إطاعته وكثرة مخافته. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا | يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.

أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله. وخير الهدي هدي محمد ﷺ. واعلموا أن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

الخطبة الأولى

أما بعد، فيا أيها المسلمون عباد الله؛ يا أمة محمد ﷺ، بالأمس القريب كنا نشكو الجدب ونقص من الأمطار ورحمة الله -سبحانه وتعالى-. وبعد أن من الله -سبحانه وتعالى- علينا، بعد أن دعونا ودعوتم وسألتم الله -سبحانه وتعالى- أن يُنْزِل علينا الغيث. مَنّ الله -سبحانه وتعالى-. ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾.

فانظروا عباد الله إلى آثار رحمة الله -سبحانه وتعالى- على عباده. فأكثروا من حمد الله -سبحانه وتعالى-. واشكروه واحمدوه، فإنه يحب العبد الشاكر، ويحب العبد الذي يحمد الله -سبحانه وتعالى-. فخيار عباد الله يوم القيامة الحمادون، الذين يحمدون الله -سبحانه وتعالى-. فاللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد من بعد الرضا، ولك الحمد إلى أن ترضى يا رب العالمين. لك الحمد على ما أعطيت ولك الشكر على ما أثنيت وأوليت يا رب العالمين.

عباد الله؛ إن في تقلب الليالي والأيام وانصرام الشهور والأعوام لتذكرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. قال -تعالى- ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا | وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾.

فهذا من رحمة الله -سبحانه وتعالى-. يقلب الليل والنهار ويأتي بالفصول تلوا بعد أخرى بعد أخرى. وفي هذا عبرة وموعظة وتذكرة للقلوب الحية، قلوب المؤمنين الذين رضوا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا.

عباد الله؛ بيَّن لنا ربنا -سبحانه وتعالى- حكمته من هذه الفصول. وبعض الأحكام على لسان نبيه محمد ﷺ.

أولها: أن السلف كانوا يستبشرون بقدوم هذا الفصل –فصل الشتاء– ويحبونه كثيرا. وجاء في بعض الآثار أنهم كانوا يقولون: الشتاء ربيع المؤمن.

وقال النبي ﷺ «الغنيمة الباردة: الصوم في الشتاء».

وكان ابن مسعود يقول [مرحباً بالشتاء؛ تتنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام].

فكانوا يحبون هذا الفصل بسبب هذا الأمرين. أنهم يحبون أن تتيسر لهم العبادة. فكل طريق كان يوصلهم إلى رضى الله -سبحانه وتعالى-.

الصيام في الشتاء

كانوا يتخذونه طريقا. فكانوا يصومون نهاره لأنه قصير، ولا يشق على الإنسان إذا صام نهار الشتاء؛ إن صامه يوما وأفطر يوما أو صام الإثنين والخميس أو صام من كل شهر ثلاثة أيام، فذلك هو الغنيمة الباردة التي دلنا عليها رسولنا ﷺ.

وأنتم تعلمون فضل الصيام. فالصيام لا عدل له. قال الله -سبحانه وتعالى- ﴿إلا الصوم؛ فإنه لي، وأنا أجزي به﴾.

فهذه من عظيم عبادات الله -سبحانه وتعالى- التي مَنّ بها على عباده.

قيام الليل في الشتاء

ثم بعد ذلك قيام الليل. يطول الليل فيه، ساعات طويلة. فهنيئا وطوبى لمن قام في ظُلمة الليل بركعاتٍ قليلاتٍ يبتغي وجه الله -سبحانه وتعالى- بها.

قال أبا ذر -رضي الله عنه- [صلوا في ظلمة الليل لوحشة القبور].

قال الله -سبحانه وتعالى- في سورة السجدة ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، وفي سورة الذاريات ﴿كَانُوا قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.

فكان السلف يستبشرون بقدوم هذا الفصل استبشارا عظيما. فهنيئا لمن كان هذا الفصل في ميزان حسناته؛ يزيد من طاعته وتقربه إلى الله -سبحانه وتعالى-.

موعظة الشتاء

أيضا مما أعَدّ الله -سبحانه وتعالى- في هذا الفصل أن يتذكر العبد نعمة الله عليه. وبما فضل الله علينا وعليكم بهذه المساكن التي تدفع عنا برد هذا الشتاء. ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾.

هذه البيوت التي مَنّ الله -سبحانه وتعالى- بها علينا، تقينا حر الصيف وتقينا برد الشتاء.

وهذه النِعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى. هذه السيارات وهذه الأجهزة التي تجعل الشتاء صيفا وتجعل الصيف شتاء بنعمة الله -سبحانه وتعالى-. فاشكروا لله هذه النعم المتواليات التي تأتيكم تترا.

احمد الله كلما تذكرت فقيرا وكلما رأيت بأُم عينك أسرة أو عائِلة يسكنون في الخيم من اللاجئين أو النازحين أو غيرهم من المسلمين.

والله أني رأيتهم بعيني -في أحد التقارير- قبل أيام لاجئين مسلمين قد دخل عليهم ماء المطر إلى خيامهم، وهم يخرجون هذا الماء من خيمهم. ولهم أطفال رضع وصغار ونساء؛ وقد ابتلوا بهذا الأمر، وقد فارقوا ديارهم وأهليهم وسكنوا هذه الخيام.

فإذا رأيت هذا النوع من المسلمين ورأيت نفسك في نعمة من الله -سبحانه وتعالى-. لك بيت يأويك ولك من المدافئ ولك من المفارش ولك من البطانيات ما تدفع عنك هذا البرد القارص. تحمد الله -سبحانه وتعالى- أولا وتشكره على نعمه. ثم بعد ذلك تسأله -عز وجل- أن يفرج كرب هؤلاء المسلمين وأن ينفس همومهم وأن يرجعهم إلى ديارهم وأن يجعل هذا الابتلاء رِفعة لهم في الدنيا والآخرة. وأن ينجيهم هذا العذاب الأليم.

فوالله قد تقطعت أوصالهم ودمعت عيونهم وجمدت جلودهم من هذا البرد الشديد. فاشكر الله -سبحانه وتعالى-. كلما مر بك هذا الفصل، بل كلما مر بك يوم من الأيام وأنت منعم معافى في جسدك، آمن في سربك، عندك قوت يومك؛ فأحمد الله -سبحانه وتعالى-. فكأنما حيزت لك الدنيا بحذافيرها.

أيضا هذا الفصل يذكرنا بأنواع من العبادات التي يرفعنا الله -سبحانه وتعالى- بها، ومن ذلك إسباغ الوضوء على المكاره. يقول النبي ﷺ «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟» قالوا بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط».

فأنت حين تقوم لصلاة الفجر ثم تتوضأ وأنت مُكره على ذلك؛ لكنك تقوم طاعة لله -سبحانه وتعالى-. وتسبغ الوضوء -أي تتم هذا الوضوء بالشكل الذي يرضاه الله -سبحانه وتعالى- وبالشكل الذي علمك إياه رسولنا ﷺ- فبعض الناس يفرط في هذا الوضوء، فلا يغسل إلى مرفقيه، أو لا يغسل رجليه كاملة. والنبي ﷺ رأى موضع درهم على رجل. فقال «ويل للأعقاب من النار».

أي لا تفرطوا في هذه العبادة، فإسباغ الوضوء على المكاره نعمة من نعم الله -سبحانه وتعالى-.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه.

الخطبة الثانية

الحمد لله ثم الحمد لله. ما توفيقي ولا اعتصامي إلا بالله. عليه توكلت واليه أنيب. حسبي الله.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ.

من أحكام الشتاء

أيضا من أحكام الشتاء عباد الله، وهو جواز المسح على الخفين وما يقوم مقامهما في هذا اليوم من الجوارب. أي المسح على الخفين والجوارب. فهي رخصة ودفع للمشقة وفضلٌ من الله وسعة في دينه -سبحانه عز وجل-. جواز المسح على الخفين أو الجوربين.

يشترط للمسح على الخفين أو الجوربين شروط:

  • أولا: لبسهما على طهارة صغرى، وليس طهارة كبرى. أي أن تلبسهما بعد أن تتوضأ وضوءك للصلاة، وتغسل رجليك ثم بعد ذلك تلبس هذه الجوارب أو هذه الخفاف.
  • ثانيا: أن تكون هذه الجوارب طاهرة من النجاسات التي بينها الشرع الحكيم.
  • ثالثا: أن تكون هذه الجوارب ساترة لمحل الفرض. فقد ظهرت في الآونة الأخيرة جوارب ليست ساترة لمحل الفرض كالجوارب التي يلبسها بعض الشباب. فهي ليست ساترة لمحل الفرض [أن يغطي الكعبين]. فهذه لا يجوز المسح عليها. فيجب في الجوارب أو الخِفاف التي تُلبس ويمسح عليها أن تكون ساترة لمحل الفرض.
  • رابعًا: يجب أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعًا. فيجوز للمقيم ويُرَخَّص له أن يمسح مدة يوم وليلة -أربعا وعشرين ساعة- وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها.

أيضا من أحكام الشتاء التي نرجو الله -سبحانه وتعالى- أن نكون ممن رفع الله -سبحانه وتعالى- بها درجاتنا؛ أن نحيي إرشادات النبي ﷺ. إن نحيي سنته في هذا الفصل.

كما جاء في الحديث الصحيح في صحيح البخاري؛ عن النبي ﷺ. قال لنا -وهو يرشدنا «إن هذه النار إنما هي عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم».

هذه النار؛ نار المدافئ، نار الهيترات. نار ما يوجد في هذا العصر.. وغيرها. فإذا نمت فأطفئها عليك وعلى أولادك.

وقد رأينا حوادث كثيرة بسبب هذه المدافئ وبسبب هذه الهيترات.

أدفئ نفسك بشيء آخر أحسن النار التي هي عدو لك. فالنبي ﷺ ما نطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾.

أيضا من أحكام الشتاء -عباد الله- التي أبينها لكم؛ فهي بشرى لمن إصابته الحمى في هذا الفصل. وكثيرٌ من الناس من يصاب بالحمى والمرض في الشتاء. وأسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يرفع عنا كل وباء وكل داء وكل مرض وأن يعافينا في أبداننا وأجسامنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

لكن البشرى في هذه للذين يصابون بالحمى -يعني ارتفاع درجات حراراتهم-. وقد دخل النبي ﷺ على أم السائب وهي تسب الحمى بعد أن أصابتها. فقال لها النبي ﷺ «لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم، كما يذهب الكير خبث الحديد»

كلما أصابتك الحمى اسعد في نفسك، كن فرحا في قلبك أن الله -سبحانه وتعالى- بهذه حمى يكفر بها عن خطاياك، ويذهب عنك سيئاتك.

وآخر أحكام الشتاء عباد الله أبينها لكم. أن الله -سبحانه وتعالى- أعد هذا البرد الشديد عذابا لمن عصى. فقد جاء في الحديث الصحيح «اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير».

فأكثر ما تجدون من حرارة الصيف هذا نفس من أنفاس جهنم. وأشد ما تجدون من برد الشتاء هذا أيضا نفس من أنفاس النار، أعاذنا الله وإياكم من النار.

الدعاء

سلوا الله من فضله واطلبوا الإعانة منه -سبحانه وتعالى- إنه على كل شيء قدير.

اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم  إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم  إنك حميد مجيد.

اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى من الجنة، ونعوذ بك من النار يا رب العالمين.

اللهم اغفر لحيّنا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا يا أرحم الراحمين.

اللهم اغفر لموتانا وشافي مرضانا وعافي مبتلانا، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.

وصلى الله -تعالى- على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أقم الصلاة.


هذه خطبة عن فصل الشتاء وما يرتبط به من أحكام وعظات وفضائِل؛ نسأل الله -تبارك وتعالى- أن تنتفعوا بها وأن تتمعَّنوا فيما ورد فيها من فضائِل وأحكامٍ ومواعِظ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى