خطبة عن العدل ومسؤولية الحاكم

خطبة عن العدل ومسؤولية الحاكم

ما أحوجنا إلى تلك الفئِة من الخُطَب! نعم، لدينا اليوم خطبة عن العدل ومسؤولية الحاكم؛ نتناول من خلالها هذا الموضوع وهذا العنوان بمزيد عناية وتدقيق وضوء مُسلَّط نافِع.

وستدركون من خلال قراءتكم لهذه الخطبة المكتوبة والمُراجَعة بعناية ما تحويه في طيَّاتها من مواعِظ ثمينة، نحن في أمسّ الحاجة إليها في هذا الزمان وكل زمان.

مقدمة الخطبة

الحمد لله مفيض العدل والإحسان، وسبحان من خلق الإنسان وعلمه البيان، وتبارك الذي رفع السماء وخلق الأرض ووضع الميزان، وأشهد أن لا إله إلا الله {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ}.

وأشهد أن محمدا رسول الله، نبي الله المختار، ﷺ وعلى آله وصحبه الثقات الأبرار.

الخطبة الأولى

أما بعد، فاتقوا الله -عباد الله-، فإن في التقوى ثواب الدارين، وحصول الخيرين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

عباد الله: من تدبر الكتاب المسطور، ونظر في الكون المنظور، وجد أن أس الأسس الذي قامت عليه السماوات والأرض هو العدل، وما أدراك ما العدل!

العدل الذي لا غنى عنه في كل شيء، العدل الذي يحتاج إليه المخلوق في علاقته بخالقه، العدل الذي يحتاج إليه الإنسان في تعاملاته مع نفسه، العدل الذي يحتاج إليه الإنسان في تعاملاته مع أهله، العدل الذي يحتاج إليه الإنسان في تعاملاته مع الناس، العدل الذي يحتاج إليه الحاكم في تعاملاته مع المحكومين، العدل الذي يحتاج إليه المحكومون في تعاملاتهم مع الحاكم؛ ولما كان العدل على هذه الصفة من الأهمية كان خطاب الله العظيم للمخلوقين {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}.

أيها المؤمنون: من تدبر قول الله جل جلاله {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}، وجد أن الخطاب جاء وكأنه يخاطب به الإنسان في وقت تلاوته أو سماعه أو تذكره لهذه الآية؛ مشعرا ذلك أن ربنا تبارك وتعالى أراد منا أن نستحضر هذا الأمر في كل زمان ومكان، وعلى كل صورة وحال، ومن المأمورون؟ لم يذكر المأمورون؛ لأن هذا الأمر للمخلوقين جميعهم، وكل واحد منهم مطالب به على قدر المسؤولية التي هو فيها؛ فعدم ذكر المأمورين لفظا فيه إشعار وتنبيه أن الخطاب متوجه إلى كل واحد وكأنه على حدة؛ ليكون اهتمامه بهذا الأمر غاية الاهتمام.

والعدل هو المساواة بين الناس في الحكم، وليس الحكم هو حكم الحاكم أو القاضي فحسب، بل إن تصرفات الإنسان على اختلاف مستويات المسؤولية هي أحكام؛ فإن الحكم هو النسبة التامة بين شيئين، وليس أدل على ذلك من قول الله جل جلاله مخاطبا العباد: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.

عباد الله: لقد صور لنا القرآن الكريم العدل أحسن تصوير؛ فالعدل الذي هو قيمة معنوية، قربه القرآن الكريم إلى الأذهان في صورة حسية، وليس بعد تصوير القرآن من تصوير! {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً}.

فالعدل في تصوير القرآن كالميزان، وما أقرب الميزان إلى الأذهان! فعدم العدل تطفيف، والتطفيف بخس صاحب الحق حقه، أو أخذ الإنسان أكثر من حقه، وهذا هو المعبر عنه بالحقوق والواجبات، فعدم أداء الواجب تطفيف، وبخس الحق تطفيف، وما حياة الإنسان إلا حق وواجب، والتطفيف صور لا صورة واحدة، تختلف باختلاف الزمان والمكان، ومن رجع البصر كرتين إلى قول العدل تبارك وتعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}، أدرك عظمة المسؤولية، وعرف حقيقة التكليف، ووضع بين عينيه هدي النبي الكريم ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

فاتقوا الله -عباد الله-، {اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.

الخطبة الثانية

الحمد لله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا رسول الله، ﷺ وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد، فاتقوا الله -عباد الله-، واعلموا أن ذكر وضع الميزان مقترنا برفع السماء، فيه إشارة – ليست بعدها من إشارة – إلى أن العدل ارتفاع بالنفس، وسمو في الأخلاق، وقيام بواجب العبودية لله، وقرب من الله ليس من بعده قرب، وما أعظم وقع قول الله تبارك وتعالى على القلوب الحية! {وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ | أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ | وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}.

وكيف لا يكون العدل كذلك! وما أنزلت الكتب إلا لتحقيقه، وما بعثت الرسل إلا للقيام به، فاسمعوا قول ربكم جل جلاله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}، والاقتران بين وضع الميزان ورفع السماء، فيه إشارة إلى أن الحياة تنتظم بالعدل، كما ارتفعت السماء بالعدل، وما من أمة جعلت العدل صراطها، إلا كانت أمة مرفوعة؛ أفرادها يرفلون في المحبة، وينعمون بالطمأنينة، وتغشاهم الرحمة وتتنزل عليهم السكينة {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا}.

هذا وصلوا وسلموا على إمام المرسلين، فقد أمركم ربكم بذلك حين قال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن المؤمنين والمؤمنات، وعن جمعنا هذا برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدعاء

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيا ولا محروما.

اللهم أعز الإسلام واهد المسلمين إلى الحق، وأجمع كلمتهم على الخير، واكسر شوكة الظالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين.

اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت سبحانك بك نستجير، وبرحمتك نستغيث ألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أدنى من ذلك، وأصلح لنا شأننا كله يا مصلح شأن الصالحين.

اللهم أنزل علينا من بركات السماء وأخرج لنا من خيرات الأرض، وبارك لنا في ثمارنا وزروعنا وكل أرزاقنا يا ذا الجلال والإكرام.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم اغفر لكل من آمن بك، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعاء.

مُقترح: الأسرة سكن ومودة — خطبة الجمعة مكتوبة وجاهزة ومُنسَّقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: