خطبة عن الدروس المستفادة من الهجرة النبوية

لديّ اليوم ما تنشدون؛ إنها خطبة عن الدروس المستفادة من الهجرة النبوية. تلك التي نشرد لكم فيها عظيم دروس وعبر وعظات تجلَّت في أحداث هجرة الحبيب المصطفى ﷺ من مكَّة إلى المدينة.

الخطبة كاملة؛ وتم عنصرة الدروس وترقيمها؛ حتى يسهل على الأئمة والخطباء إعداد خطبة جمعة قويَّة لهذا الموضوع؛ مع مطلع العام الهجري الجديد.

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه -صلى عليه وعلى آله وصحبه-.

الخطبة الأولى

أما بعد؛ فيا عباد الله ﴿اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

أيها المصلون يطيب الحديث ويحلو عندما يكون عن سيرة سيد البشرية -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- حديثنا اليوم عن شيء من سيرته العطرة ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين.

الدروس المستفادة من الهجرة النبوية

حديثنا عن هجرته ﷺ وما فيها من الدروس والعبر والعظات والفوائد. بعثه الله ﷻ إلى المسلمين عامة، فأتى رسول الله ﷺ ودعا الناس إلى إفراد الله بالعبادة، دعا الناس إلى توحيد الله ونبذ الشرك والخرافات، والبدع والخزعبلات والشهوات والشبهات.

نهاهم عن الشهوات المحرمة والآثام التي يرتكبونها، ووجد القوم منهم من يعبد الصنم، ومنهم من يعبد الشجر والحجر، ومنهم من يعبد الشمس والقمر.

بدع وخرافات وتعطيل للعقول وزيغٌ عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فدعاهم إلى توحيد الله فتعجبوا من دعوته ولا عجب أنهم يتعجبون.

إذا زاغت القلوب والعياذُ بالله، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا﴾ عندما قال لهم رسول الهُدى ﷺ «يا قوم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا».

قال عمه الشقي أبو لهب: تبا لك ألهذا جمعتنا، وقال: أبو جهل: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. يعجبون من من توحيد الله وإفراده بالعبادة الذي خلقهم.

١. صبر النبي ﷺ على إيذاء الكفار

فآذوا الحبيب ﷺ وردوا دعوته بل وتسلطوا عليه بأنواع الأذى -صلوات ربي وسلامه عليه- وسموه بالساحر والكذاب وغير ذلك من الأوصاف.

بل وضعوا على ظهره الشريف سلا الجزور -صلوات ربي وسلامه عليه- وحبس في الشِعب ثلاث سنوات ﷺ.

وعرضوا عليه الدنيا يريدونه أن يرجع عن دعوته ﷺ فرفض، بل وطردوه من مكة ﷺ وذهب إلى الطائف، ودعا أهل إلى توحيد الله فردوا دعوته وأدموا عقبيه الشريفين.

أرسلوا السفهاء والصبيان فقذفوه بالحجارة ﷺ وصبر في سبيل دعوته ﷺ، وعاد إلى مكة واشتدت الأذية من كفار قريش.

٢. الله خير الماكرين

اشتد البلاءُ على حبيبنا ﷺ وعلى أصحابه، فأذن النبي ﷺ للصحابة بالهجرة إلى المدينة، فأخذوا يهاجرون سرًا خوفًا من مكر قريش، ومن قتلهم ومن أذيتهم. وقال النبي ﷺ لأبي بكر «لا تهاجر» لأنه يريد أن يبقى معه ويهاجر معه. وأمر عليا أن يبقى كذلك في مكة حتى يقضي ما على النبي ﷺ، ويقوم بالدور الذي يريده رسول الهدى ﷺ.

واجتمع البرلمان في دار الندوة، اجتمع صناديد قريش في دار الندوة يخططون للتخلص من النبي ﷺ ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. فمنهم من قال: قيدوه بالحبال واسجنوه، ومنهم من قال: عليكم بالنفي ومنهم من قال: عليكم بالقتل.

فأجمعوا أمرهم على قتله، وتشاور القوم بالطريقة فرأوا أن يأخذوا من كل قبيلة رجلًا جلدًا يجتمعون فيضربوه ضربة رجل واحد، فنزل جبريل وأخبر النبي ﷺ وأمره ألا يبيت بفراشه وأذن له بالهجرة.

أخبره أن الله أذن له بالهجرة، وأمر علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن يبيت بفراشه ﷺ، وخرج مع أبي بكر في الليل.

٣. التوكل على الله والأخذ بالأسباب من أهم دروس الهجرة

واجتمع الأشقياء عند دار الحبيب ﷺ، وتأملوا أيها المسلمون، تأملوا أيها المؤمنون ما في ذلك من الدروس والعبر.

عندما أراد حبيبنا ﷺ وهو أمام المتوكلين، وهو القدوة ﷺ في كل شؤونه وحياته، توكل الحي القيوم وفعل الأسباب كلها ولم يعتمد عليها.

أمر عليًا أن يبيت بفراشه، وخرج ليلًا إلى جهة اليمن إلى جهة الجنوب وهو يريد شمالاً إلى المدينة، واختبأ بغار ثور -عليه الصلاة والسلام- ثلاث ليال.

وخرج الناس يبحثون عنه ﷺ يريدون قتله، فادركوا أثره عند الغار، وقال أبو بكر خشيةً على الحبيب ﷺ: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال الحبيب ﷺ وقد أطمأن قلبه وسكنت نفسه «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. فأبطل الله كيد الكفار، نزلت السكينة على حبيبنا ﷺ وعلى أبي بكر.

٤. موقف سراقة بن مالك مع النبي عند الهجرة

وبعد ثلاث ليال خرج النبي ﷺ إلى جهة الساحل فتبعه سراقة بن مالك ولم يسلم بعد، فلما أدرك النبي ﷺ ساخت قدمه في الأرض، أرض صلبة، ولكنها العناية الإلهية واللطف الرباني.

عاهد النبي ﷺ سراقة أن يرجع، وقال «ضلل القوم عنا»، ثم رجع سراقة وكل من قابله قال: قد كفيتكم هذا الطريق.

٥. منزلة المدينة ومكانتها

فذهب النبي ﷺ ووصل إلى المدينة، واستقبله أهل المدينة بالفرح والسرور، وأراد العليم الحكيم أن يكون للمدينة منزلة.

المدينة لم يكن لها فضل قبل هجرة الحبيب ﷺ، فسكن بها الحبيب ونزل بها الوحي وانطلقت منها الفتوحات الإسلامية إلى كل مكان.

٦. من حفظ  الله حفظه الله

ومن دروس الهجرة يا عباد الله؛ أن من حفظ  الله حفظه الله ﷻ، فحفظه ربنا ﷻ عندما خرج من الكفار وهو ينظر إليهم ويضع التراب فوق رؤوسهم، ويتلو قول الله ﷻ ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾.

يحثو التراب على رؤوسهم، وعندما استيقظوا من ذلك نفضوا الغبار والتراب من رؤوسهم.

حفظ الله -جل وعلا- النبي ﷺ في الغار، وحفظه عندما أدركه سراقة وحفظه في رحلته كلها.

٧. من ترك شيئا لله عوضه الله خيرًا منه

ومن الدروس يا عباد الله؛ أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرًا منه، فرسولنا ﷺ وصحابته الكرام تركوا الديار، تركوا الأموال، خرجوا بأنفسهم هجرة إلى الله ورسوله يبتغون ما عند الله من الأجر والثواب فعوضهم الله ﷻ في الدنيا والآخرة، أبدل خوفهم أمنا، وأذلهم عزا، وفتح لهم الأرض.

نعم وأصبحوا من أغنى الناس، واستقر الناس في المدينة، واطمأن الناس في المدينة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وعوضهم الله ﷻ خير مما تركوا، فمن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه.

٨. إن مع العُسر يُسرا

ومن الدروس والعبر يا عباد الله؛ أن الشدة مهما بلغت، فلا بد من الفرج.

مكث رسول الهدى ﷺ ثلاث عشرة سنة في مكة، وقاسى ما قاسى وعانى ما عانى وكذلك الصحابة، فأتى الفرج من عند الله ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا | إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع الشدة الفرج من البلاء يا عباد الله.

فمن صبر فإن الفرج سيأتيه من عند الله ﷻ، بل إن الإنسان في حال انتظار الفرج فهو في عبادة.

عبد الله مهما بلغت الشدة عندك، مهما بلغ البلاء فلا تيأس من رحمة الله، ولا من روح الله وعلق قلبك بالله ﷻ، وابشر بالفرج من عنده ﷻ.

ومن الفوائد والدروس والعبر؛ أن الله ﷻ أعز دينه ومكن دينه وانتشر الإسلام في كل مكان ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ | وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا | فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.

٩. النبي ﷺ قدوة في العفو والتسامح

أتى نبينا ﷺ إلى مكة في الحج ومعه مئة ألف، وأتى إلى مكة فاتحًا ﷺ بعد أن خرج منها خائفًا -صلوات ربي وسلامه عليه- بعد أن طرده أهل مكة منها فتحها وعفا عن أهلها وقال «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

فمن دروس الهجرة أن المسلم يعفو عند المقدرة، ومن عفا لله ﷻ فقد وقع أجره على الله ﷻ.

ودروس الهجرة يا عباد الله؛ معين لا ينضب، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

ينبغي لنا أن نأخذ الدروس والعبر من سيرته ومن هجرته ﷺ.

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه أنه هو الغفور الرحيم.

ولا تفوتكم: خطبة عن الهجرة النبوية مكتوبة ومُعنصرة ومشتملة على دروس وعبر وعظات عظيمة

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا يليق بجلال الله وعظمته، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ عدد ما صلى عليه المصلون وذكره الذاكرون وغفل عنه الغافلون، وجزاه عن أمته خير الجزاء وأكمل الجزاء.

أما بعد فيا عباد الله؛ اتقوا الله ﷻ وتأسوا برسوله ﷺ وبصحبه الكرام، أين من عاند الرسول صلوات ربي وسلامه عليه؟ أين من تكبر وتجبر وعاند؟ ماذا حصل لهم في معركة بدر؟ العاقبة للتقوى والعاقبة للمتقين.

وأين من استجاب لرسول الهدى ﷺ؟ فخذوا العبرة واهجروا ما نهى الله ﷻ عنه. قال رسول الهدى ﷺ «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه».

فعليك يا عبد الله أن تهجر معصية الله، اهجر الربا والظلم والجور والعقوق والبهتان والنظر المحرم وسائر المعاصي لله ﷻ.

هذا واعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ به بنفسه فقال ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وقال حبيبنا ﷺ «من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا».

الدعاء

  • اللهم صلِّ وسلم وبارك وأنعم على نبينا محمد وعلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن بقية الصحابة يا رب العالمين وأنا معهم بمنك وكرمك وعفوك يا أرحم الراحمين.
  • اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.
  • اللهم يا حي يا قيوم اجعل بلدنا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين.
  • وفق ولاة أمرنا لما تحب وترضى وسدد أقوالهم وأعمالهم، وبارك في جهودهم يا رب العالمين.
  • اللهم أصلح أحوال المسلمين، واجمع كلمتهم على الكتاب والسنة يا رب العالمين.
  • اللهم فرج هم المهمومين، اللهم اشفي مرضى المسلمين، اللهم الطف بإخواننا في كل بلدان المسلمين.
  • اللهم أعدهم إلى بلادهم آمنين سالمين يا رب العالمين.
  • اللهم اشرح صدورنا ويسر أمورنا وتولنا يا حي يا قيوم.
  • اللهم كما جمعتنا في بيتك في أطهر بقعة على وجه الأرض اللهم اجمعنا مع أفضل البشر -عليه الصلاة والسلام- في جنات النعيم.
  • اللهم اجعلنا ممن يطول عمره ويحسن عمله وتحسن خاتمته، ولا تجعلنا ممن يطول عمره ويسوء عمله وتسوء خاتمته يا رب العالمين.
  • اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
  • اعصمنا من فتن الشهوات والشبهات وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

عباد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.


خطبة: الدروس المستفادة من الهجرة النبوية

  • ألقاها: فضيلة الشيخ د.عبدالعزيز الفايز -جزاه الله خيرا-.
  • فحواها: الإمعان عن كثب في الدروس المستفادة من الهجرة النبوية الشريفة، وما كان فيها من عظات وعبر حريّ بالمؤمن أن يتحراها وأن يجعلها دروسًا لحياته كاملة.
  • خطبة مقترحة: خطبة الجمعة عن الهجرة النبوية.. دروس وعبر في التضحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: