خطبة جمعة عن عاشوراء وما يتعين على المسلمين أن يَفْطَنُوا له الآن

إخواني الأئمة والخطباء؛ ألتقي بكُم في ملتقى الخطباء الخاص بنا، مع خطبة جمعة عن عاشوراء؛ لكِن هذه المرَّة بشكلٍ لم يعتاد المسلمون عليه من خُطَب تخُص هذا الموضوع. فسيُنبِّه الخطيب هاهُنا على ما يتعين على المسلمين أن يَفْطَنُوا له الآن؛ في هذا الزمان.

نعم؛ تشوَّقت الآن؛ أليس كذلك؟ حسنًا، فلنبدأ بالقراءة سويًَّا ونرى ما لدينا في هذه الخطبة القويَّة من دروسٍ وعِبَر.

مقدمة الخطبة

الحمد لله نحمده؛ الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه ولعظيم سلطانه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق الجهاد، وتركنا على محجةٍ بيضاء ليلها كنهارها، لا يبتغيها إلا سالك ولا يزيغ عنها إلا هالك؛ اللهم فصِل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد أخوة الإسلام، فأوصيكم ونفسي المخطئة المذنبة بتقوى الله في السر والعلن، وأحثكم على طاعته وأنهاكم عن معصيته. يقول الله -تبارك وتعالى- في محكم تنزيله (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء).

الخطبة الأولى

عباد الله؛ إن من أعظم نعم الله -تبارك وتعالى- على العبد المؤمن أن يرزقه الثبات على الحق، وأن يرزقه الثبات على الطاعة. وغاية ما نتلوه في كتاب الله -عز وجل- ونحن نقرأ قول الله -عز وجل- ونردده في فاتحة الكتاب في كل ركعة (اهدنا الصراط المستقيم)؛ أي ثبتنا على الصراط المستقيم.

فالموفق من ثبت، والموفق من كانت قدمه راسخة على الحق وعلى طريق الهداية، وعلى طريق المبادئ والقيم، والعقيدة الصحيحة.

أما الهالك فهو الذي ينحرف، وخاصة إذا كان انحرافه عن عمد منه وعن قصد وعن قرار مسبق، فهذا أمره خطير وشأنه دقيق. فليحافظ كل واحد منا أن يثبت في علاقته مع الله -عز وجل-.

نحتاج لنفس طويل، ونحتاج لصبر ومصابرة وجهاد ومجاهدة حتى نلقى الله -عز وجل- وهو عنا راض.

لأن الفتن تصيب المسلمين اليوم في فكرهم، في سلوكهم، في حياتهم الاجتماعية، في دينهم، في أخلاقهم، في الوضع الذي يعيشونه واختلاط الحق والباطل فيه.

فنحتاج للثبات؛ (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة). نحتاج أن نتوكل على الله -عز وجل- حق التوكل وإلا تعصِف بنا رياح الباطل، وتحطم وجودنا تلك الأفكار الهدامة، وتلك الأحوال الخطيرة التي غزت أمتنا وغزت واقعنا.

في التاريخ الإسلامي مشاهد عظيمة ثبت فيها المسلمون وجعل الله -تبارك وتعالى- نصره وتأييده حتى للفئة القليلة المؤمنة بقلة عددها وعتيدها، كانت التمكين والنصر من الله -سبحانه وتعالى- مع قلة العدد وقلة العتاد؛ ولكن السر في ذلك كله هو الثبات على الحق، ألا يتنازل الإنسان عن الحق، ألا يتنازل عن عقيدته وعن إيمانه وعن اقتدائه بنبه المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.

واليوم؛ الصراع الذي نعيشه هو صراع إسقاط المبادئ، هو صراع تخليك عن هويتك الإسلامية، وعن انتمائك لدينك، وعن انتمائك لمفهوم الحق بالمطلق.

يريد الظالم أن تشاركه في ظلمه، أن تصفق له على ظلمه، أن تكون معه في طغيانه، أن تسكت، تصمت، لا تتكلم؛ وهو يطغى ويظلم.

يريد الشر المتوحش في الفكر وفي السلوك وفي الأخلاق أن يسيطر على الأهل والعائلات والبنات والشباب، والجميع يخضع؛ لا تستطيع أن تتكلم.

الشذوذ في الفكر والسلوك يقتحم حياة الناس؛ ويجب عليك أن تخضع. ولكن المسلم المؤمن لا يخضع للباطل مهما كلف الأمر، ومهما كان الأمر يحتاج لصبر وتضحيات ودماء وفداء؛ لا يخضع المسلم أبدا للباطل.

ونحن اليوم أيها الأحبة في أيام عاشوراء، هذا اليوم نجى الله -سبحانه وتعالى- فيه سيدنا موسى -عليه السلام-، وأهلك فيه فرعون.

وهذا اليوم الذي سطَّر التاريخ فيه ملحمة سيدنا الحسين -رضي الله عنه-، سبط النبي -صلى الله عليه وسلم- وجوهر آل بيته عليه الصلاة والسلام.

ثبت وتحمل في الوقت الذي تخاذل فيه المتخاذلون، وزيف فيه المزيفون للحقائق والتاريخ، وتعلق على ستائر الإمام الحسين -رضي الله عنه- وعلى شهادته أشخاص غيروا وزيفوا وبدلوا في التاريخ.

انتصر بثباته على مبدأه، انتصر وهو ينتسب إلى جده النبي عليه الصلاة والسلام، ويواجه الباطل والانحراف. ولكن للأسف كم دلَّس المدلسون باسم الحسين -رضي الله عنه-؟ وكم ظلم الظالمون باسم سيدنا الحسين -رضي الله عنه-؟

نحن في عقيدتنا حُبّ آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، ونحن في عقيدتنا حب سيدنا الحسين، وحب سيدنا علي، وحب جميع الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم؛ هذا لا يزايد فيه أحد علينا، هذه عقيدتنا وهذا ديننا.

ولكن للأسف؛ لما تستخدم المناسبة لعملية إخضاع فكري وديموغرافي وسياسي! هناك من يقول أنا موجود هنا، ينظر إليك نظرة غريبة وعجيبة، وهذا كله من التزييف التاريخي للأسف، ومن التزييف السياسي والمنطقي والفكري والإعلامي.

نحن أحق بسيدنا الحسين -رضي الله عنه-، ونحن معه، ونحن على نهجه؛ لا نهجه هو نهج النبي -صلى الله عليه وسلم-، ونحن ضد كل المزيفين للتاريخ، والذين يزعمون حب الحسين -رضي الله عنه- ويمشون في موكب الباطل والطغيان والظلم والاستعلاء في الأرض والتبرير للظالم والتصفيق للظالم؛ وجعلوا من أنفسهم يدًا للطغاة والظالمين.

هذا كله يحتاج منا أن تثبت على الحق، وأن ندعو للحق، وأنه نبين الحق، وأن نكون ثابتين على منهج النبي المصطفى -صلى الله عليه وسلم- مهما زيف المزيفون ومهما فعل المخربون في أفكار الناس، وفي واقع الناس.

نحن في زمن نحتاج فيه للكلام الممزوج بالحكمة؛ قال تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة).

نحن ندعو دائما لوحدة المسلمين ووحدة الأمة وجمع ما افترق في الأُمة؛ ولكن نحتاج للطرف الآخر أن يسمع وأن يعقل وأن يستيقظ من هذا الحال الذي هو فيه.

نحتاج أن نتمسك بالقرآن الكريم، وبسنة نبينا المصطفى -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن بهما القوة التي نحتاجها؛ قال ﷺ (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي).

أن تمسك بكتاب الله -تبارك وتعالى-؛ لن نضِل. أن نتمسك بنهج النبي -صلى الله عليه وسلم- لن نضِل.

أما أن نحكم فكرنا لأهواء زيد أو عمرو، أو أن نمشي خلف فلان أو علان؛ ثم بعد ذلك يندم الإنسان على واقعه.

عزتنا بانتمائِنا لديننا الحق، عزتنا بانتمائِنا للنبي المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.

نحتاج إلى هذا الوعي. أسمِعتُم عن قصة نبي الله موسى مع فرعون؟ حسنًا فلتأخذوا منها العِظَة والعِبرة.

نحن أصحاب جمعٍ لا تفريق، وأصحاب نبذٍ للفِتن؛ هكذا علمنا النبي -صلى الله عليه وسلم-، علمنا أن نستعيذ من الفتن؛ ولكن بالمقدار الذي نستعيذ فيه من الفتن نكون ثابتين على الحق، أقدامنا راسخة في طريق الحق.

نسأل الله عز وجل أن يثبتنا وإياكم على منهج الحق، أن يحفظنا ويحفظ شبابنا وبناتنا وأن يجمع هذه الأمة وأن يعيذنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله نحمده، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه ولعظيم سلطانه؛ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله.

أيها المسلمون؛ إن أعظم ما نجتمع عليه، كتاب الله تبارك وتعالى؛ فهو الباب الذي يوصلنا إلى الهداية. قال -تعالى- (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم). هو الباب الذي ينجينا من كل المهالك الفكرية والنفسية والاجتماعية، هو الباب الذي من خلاله نرقى إلى أعلى المراتب بين يدي الله تبارك وتعالى.

الدعاء

  • اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار.
  • اللهم عافنا وأعف عنا وتب علينا يا غفار.
  • اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.
  • اللهم ثبتنا على الإيمان وأمِتنا على الإيمان، نلقاك وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين.
  • اللهم أحسن ختامنا ويمن كتابنا واجعل إلى الجنة مآلنا.
  • اللهم يا ربنا، يا إلهنا، اجعلنا من صفوةِ أوليائك الصالحين الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون.
  • اللهم فرج عن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
  • اللهم من أراد بالمسلمين خيرا فوفقه إلى كل خير، ومن أراد بهم شرا فخذه أخذ عزيز مقتدر يا جبار.
  • اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، المؤمنين والمؤمنات.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

أقِم الصلاة.


تفاصيل الخطبة

  • العنوان: خطبة جمعة عن عاشوراء وما يتعين على المسلمين أن يَفْطَنُوا له الآن
  • المغزى: التنبيه على ما يُحاك بالمسلمين من زيف وفِتَن في هذا الزمان.
  • بواسطة: الشيخ أمين الكردي

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: