خطبة عن الاحتكار وغلاء الأسعار «مكتوبة»

نسوق إليكم هنا خطبة عن الاحتكار وغلاء الأسعار «مكتوبة جاهزة»، وذلك في ظِل ما يعانيه المسلمون في بلادهم، وحتى المغتربون منهم من موجة الغلاء المتفحّش ومن وارتفاع أسعار السلع الغذائية وغيرها.

فهذا من الأمور المهمة التي ينبغي على الخطباء والأئمة توجيه الحديث عنها عن كثْب. موجهين وعظهم ونصحهم للتجار أولا وتوعيتهم بخطر الاحتكار وعقوبته وعواقبه.

خطبة عن الاحتكار وغلاء الأسعار

مقدمة الخطبة

الحمد لله؛ نحمده ونستعين به ونستهديه ونستغفره. ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله؛ وصفيه وخليله. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وعلى آل كُلٍ وصحب كُلٍ منهم أجمعين.

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون أوصيكم ونفسي المخطئة بتقوى الله ﷻ وأحثكم على طاعته. فإن الله ﷻ يقول في محكم تنزيله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

تَحْرُوا الحلال يا أُمَّة الإسلام

معشر المؤمنين، يقول ربنا ﷻ في سورة البقرة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.

ويقول ﷻ في سورة الشعراء ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.

ويقول ﷻ في سورة النساء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل﴾.

أيها الإخوة المؤمنون عرفنا في خطبٍ ماضية أن الأخلاق السيئة إذا شاعت في سلوك الناس كانت سببا في دمار الأمم وضياع المجتمعات. وفي خطبتنا اليوم سوف نبدأ بعونه ﷻ الحديث تفصيلا عن الأخلاق السيئة، لنتنبَّه إليها، ولنكون منها على حذر.

الاحتكار

وأول خلق سيء سأشْرع في الحديث عنه في خطبتنا اليوم هو الاحتكار. الاحتكار هو من الأخلاق السيئة في سلوك التجار. الذي يعود بالشر والشقاء على المجتمع، وخاصَّة طبقة المساكين والفقراء والبسطاء.

اعلموا -أيها الإخوة- أن الأشياء التي يتعاطاها الناس ويسعون في تحصيلها في حياتهم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

  • الضروريات: فهي التي يترتب على عدمها وقوع الإنسان في الضرر.
  • الحاجيات: فهي التي يترتَّب على انعدامها وقوع الإنسان في الحرج.
  • التحسينيات والكماليات: فلا يترتب على فقدها ضرر ولا حرج.

والاحتكار الذي حاربه الإسلام وحذَّر من خطر الوقوع فيه ما يكون في الضروريات والحاجيات، وخاصَّة ما يتعلق بالطّعام ونحوه. وأما الكماليات والتحسينيات فلا إثم في احتكارها، كمختلف أنواع الزينة التي يجعلها الناس في بيوتهم، وما يكون من فرشها بالطنافس والسجاجيد.

أيها الإخوة المؤمنون؛ ما هو الاحتكار؟ ذكر العلماء أن الاحتكار هو حبس السلع وعدم طرحها في الأسواق بقصد رفع أسعارها. رغم وجودها وتوفرها في مخازن التجار.

وهذا ما بيَّنه النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ حيث روي عن معاذ بن جبل -رضي الله ﷻ عنه- أنه قال: سألت النبي ﷺ عن الاحتكار؛ ما هو؟ فقال «إذا سمع برخص ساءه وإذا سمع بغلاء فرح بئس العبد المحتكر إن أرخص الله الأسعار حزن وإن أغلاها فرح».

عاقبة المُحتكِر

وقد ذم النبي ﷺ الاحتكار والمحتكر، وحذره من سوء العاقبة؛ فقال ﷺ «من احتكر طعاما أربعين ليلة، فقد برئ من الله تعالى، وبرئ الله تعالى منه، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله تعالى».

وقال النبي ﷺ «المحتكر في سوقنا، كالملحد في كتاب الله».

وقال «المحتكِر ملعون».

وفي حديث صحيح عن الاحتكار وعاقبته، ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه؛ أن رسول الله ﷺ قال «من احتكر فهو خاطئ».

وقال «من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين؛ فهو خاطئ».

وجاء في مسند الإمام أحمد “رحمه الله” بسند صحيح، عن فرّوخ مولى عثمان، أنه قال عن سيدنا عمر -رضي الله ﷻ عنه- خرج عمر -وهو يومئذ أمير المؤمنين- إلى المسجد؛ فرأى طعامًا منثورا -أي كثيرا- في السوق. فقال: ما هذا الطعام؟ قالوا: طعام جُلِب إلينا. قال: بارك الله فيه وفيمن جلبه. قيل: يا أمير المؤمنين إنه قد احتُكر. قال: ومن احتكره؟ قالوا: فرّوخ مولى عثمان، وفلان مولى عمر. فأرسل إليهما، فدعاهما. فقال: ما حملكما على أن تحتكرا طعام المسلمين؟ فقالا: يا أمير المؤمنين، إنما نشتريه بأموالنا ونبيع. فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول «من احتكر على المسلمين طعامهم أصابه الله ﷻ بالإفلاس أو بجذام». فقال فرّوخ مولى عثمان: يا أمير المؤمنين، أعاهد الله وأعاهدك ألا أعود في طعامٍ أبدا. أي: ألا احتكر طعاما أبدا.

وقال مولى: عمر إنما نشتريه بأموالنا ونبيعه. ولم يقلع عن الاحتكار. يقول أبو يحيى: فرأيت مولى عمر مجذوما؛ أي أصابه الجذام.

وجاء من أخبارهم في ذلك أن المسور ابن مخرمة احتكر طعامًا كثيرا. فرأى سحابا في الخريف، فكرهه. لأنه علامة على كثرة الخير وخروج النبات. الأمر الذي يفسد عليه احتكاره ويفوّت عليه الأرباح الطائلة.

ثم رجع إلى نفسه. فقال: ألا أراني قد كرهت ما ينفع المسلمين. فتاب إلى الله. وآلى على نفسه ألا يربح في ذلك الطعام وأن يبيعه برأس المال. فلما أُخبر سيدنا عمر “رضي الله عنه” بذلك قال له: جزاك الله خيرا.

وجاء من أخبارهم في الخوف من الوقوع في الاحتكار والحذر من سوء عاقبته يوم القيامة أن الحجاج بن دينار بعث بطعام إلى البصرة مع رجل وأمره أن يبيعه يوم يدخل بسعر يومه. فأرسل إليه ذلك الرجل كتابا، يقول فيه: قد قدمت البصرة فوجدت الطعام منقَصا، فحبسته، فزاد الطعام، فازددت كذا وكذا.

فكتب إليه الحجاج بن دينار؛ يقول: إنك قد خُنتنا، وعمِلت بغير ما أمرناك به. فإن أتاك كتابي فتصدَّق بجميع ثمن الطعام على فقراء البصرة، فليتني أسْلم إن فعلت ذلك.

حكم الاحتكار في الإسلام

أيها الإخوة المؤمنون، لقد اتفق علماء الشريعة على حُرمة الاحتكار.

وتأتي الحكمة من تحريم الاحتكار لما فيه من إلحاق الضرر بالناس. وذلك بسبب حبس السلع عنهم التي يحتاجون إليها. ولقد قال النبي ﷺ -كما جاء في الحديث الصحيح- «لا ضرر ولا ضرار».

وقالوا إن الاحتكار هو من تحقيق الكسب بالانتظار. والكسب بالانتظار هو حرام في الشرع، لأنه يشبه الربا. وذلك من حيث كونه كسبا بالانتظار؛ وذلك لأن صاحبه “الربا” عبر الانتظار ينتظر الأرباح الطائلة لماله من خلال ذلك الربا.

وأقول -أيها الإخوة- هذا من الظلم الذي حرَّمه الإسلام. ثم أقول في مقابل ذلك، حَضّ الإسلام على الجلب، وتزويد الأسواق بالسلع والبضائع التي يتحقق بها قضاء حوائِج العباد. وأن تُباع بأسعارها المناسبة، تفريجا عن الناس، وتحقيقًا لقضاء حوائجهم.

قال -عليه الصلاة والسلام- في ذلك «الجالب إلى أسواقنا كالمجاهد في سبيل الله». أي الذي يأتي بالبضائع ويوفرها في الأسواق بأسعارٍ متهاوده؛ لا غلاء، لا ارتفاع لهذه الأسعار، كالمجاهد سبيل الله. وبشَّره النبي -عليه الصلاة والسلام- بأن الله يبارك في رزقه. فقال «الجالب مرزوق». والجالب الذي يأتي بالبضائع والسلع وكل ما يحتاج إليه الناس إلى الأسواق حتى يقضي حوائجهم ويفرج عنهم.

قصة عام الرمادة

تأمَّل؛ عندما أصاب العرب أزمة شديدة في عام الرمادة، وذلك في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله ﷻ عنه- جَلب الأرزاق من الأقاليم الإسلامية الخِصبة. وأرسل إلى عمرو بن العاص -والي مصر من قِبله- كتابا يقول له فيه: الغوث.. الغوث.

طلب منه أن يرسل من مصر خيراتٍ إلى بلاد الحجاز والمدينة، حيث ضربتهم تِلك المجاعة وأصابتهم تلك السَّنة.

فأجابه عمرو بن العاص: ستكون عيرٌ أولها عندك، وآخرها عندي.

تأمَّل كم أرسل إلى تلك البلاد التي ضربتها المجاعة في عام الرمادة.

ستكون عير: أي محملة بمختلف أنواع الطعام والشراب والكساء وما يحتاجه الناس.

أيها الإخوة؛ هذا كله من التعاون الذي أمر به الإسلام خاصة في أوقات الشدة والأزمات. فحَض الإسلام على أن يكون المسلمون متعاونين فيما بينهم عندما تضربهم المحن، وتأتي عليهم السَّنَة، وتشتد المجاعة، وعندما ترتفع الأسعار بما يُنقِض ظهور المساكين والفقراء.

غلاء الأسعار

عباد الله؛ ما نحن فيه اليوم، وما يعانيه كثير من الناس من غلاء الأسعار وشُح الأرزاق يدعونا إلى أن نتحلّى بأخلاق الإسلام. وخاصَّة التجار الذي بيدهم البضائع، والتي يرسلونها إلى الأسواق. أن يتعاونوا فيما بينهم، وأن يرفقوا بالعباد، وأن يحرصوا على قضاء حوائِج الناس. بأن يُنزِلوا من أسعار تلك السلع بما يُمَكّن الفقير والمسكين من أن يحصل حاجته دون عناءٍ أو مشقَّة شديدة. إلى هذا أرشد الإسلام.

فينبغي على المسلمين اليوم أن يكونوا فيما بينهم كما قال ﷻ ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان﴾.

وكما قال خير الأنام -عليه الصلاة والسلام- «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة».

وكما قال في وصف المجتمع المسلم «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى»؛ والحديث في صحيح البخاري.

أيها الإخوة المؤمنون، أدركوا هذا المعنى؛ وأخُصّ بالذكر التجار الذين بيدهم أرزاق الناس من السلع المختلفة التي يحتاجون إليها. احرصوا على أن تكونوا في منجاةٍ من الوقوع في الاحتكار المهلك في الدنيا والآخرة حتى تسلموا في الدنيا وتسلم تجارتكم، وتسلموا في الآخرة يوم تُعرضون على ربكم.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. والحمد لله رب العالمين.


ختامًا، كانت هذه خطبة عن الاحتكار وغلاء الأسعار؛ ومن ثَم نتوجَّه بالشكر إلى فضية الشيخ نذير مكتبي على هذه الخطيبة الطيبة المباركة، ونسأل الله ﷻ أن ينفع بها الجميع.

وهذه خطبة جمعة مكتوبة أيضًا ذات صلة: خطبة عن الغلاء / غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار.. وكيفية مواجهته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: