اغتنام الأوقات ومخاطر إضاعتها.. خطبة جمعة مكتوبة ومشكولة الآيات ومعززة بأحاديث وأقوال الصالحين

نعَم، إنها خطبة جمعة بعنوان: اغتنام الأوقات ومخاطر إضاعتها. وهي من أهم الموضوعات التي حثَّنا رسول الله ﷺ عليها والانتباه لها. الخطبة مكتوبة ومُنسَّقة ومشكولة الآيات، وكذلك مُعزَّزة بأحاديث من السنة النبويَّة وأقوال ومواقف من السلف والتابعين والصالحين.

إنَّ خطبة اليوم يقدمها لكم ملتقى الخطباء بموقع المزيد، آملين أن تنتفعوا بها جميعا وتُثري عقولكم وأفئدتكم، وينتفع بها المصلون والمؤتمّون خلفكُم.

مقدمة الخطبة

إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله العظيم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهديه الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم. سبحانه من إلهٍ عظيم كريم، أنعم علينا بنعم كثيرة لا تحصى ولا تعد {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}.

وطلب منها أن نشكره {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}. سبحانه سبحانه، هو الغني عن خلقه، الكل بحاجة إليه وهو الغني {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}.

وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا وحبيبنا ومعلمنا محمدا، عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه. بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأُمَّة، وكشف الله به الغمة؛ وتركنا على محجةٍ بيضاء، ليلها كنهارها.

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها الإخوة المسلمون أوصى نفسي وإياكم بتقوى الله العظيم، فقد أمر الله -سبحانه وتعالى- بالزيادة منها، فقال {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ}.

وأمرنا جميعا أن نتزوَّد وأن نكون من أهلها، فقال {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ}، وقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}. في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم يأمرنا ربنا -تبارك وتعالى- أن نكون من المتقين، فاللهم اجعلنا وإياكم من المتقين.

الخطبة الأولى

وبعدُ أيها الإخوة، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي النبي المصطفى -صلى الله عليه وسلم-. يقول ربنا -تبارك وتعالى- في كتابه العزيز الحكيم، وهو أصدق القائلين، {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً}.

ويقول أيضًا -جلَّ شأنه- {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}.

وها نحن أيها الإخوة، وغدا عن قريب، يأتي شهر رمضان. وإذا تأملنا قليلا نرى وكأنَّ رمضان قد انتهى بالأمس. فالأيام تمر مسرعة، والعمر ينقضي. وكلما مر يوم، كلما تقربنا إلى القبر يوم.

الله -سبحانه وتعالى- علَّمنا الحساب كي نحسب أعمارنا، لنعلم كم صار عمر كل واحدٍ منا، اليوم سنة، ثم عام جديد، ثم بعد ذلك.. إلى أن يصل الإنسان إلى عُمر قدَّره الله -سبحانه وتعالى- له.

أعمارنا محدودة إلى أجلٍ مسمى. يقول -سبحانه- في سورة الأنعام {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ}. نرجع مرَّة ثانية إلى الله.

أيها الإخوة؛ كم للوقت من أهميةٍ في حياة الإنسان المسلم! الوقت له أهمية عظيمة في حياتنا. ولذلك، النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ».

فقد يكون الإنسان صحيحًا في جسده لكن ليس عنده ما يكفيه، وقد يكون عنده ما يكفيه ولكن الصحة بحاجة إلى علاج. فإذا توفَّرت الصحة وتوفر الوقت وقصَّر الإنسان في طاعته لربه فهذا إنسان مغبون. لأن الصحة والوقت هم رأس مال الإنسان.

ولذلك؛ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك». فالإنسان مازال ينعَم بصحته، فعليه أن يغتنم وقت الصحة والقوة قبل أن يكبر، لأن الإنسان حينما يكبر فعادة يُصاب ببعض الأمراض، ويصاب بالضعف. لأن الله -سبحانه وتعالى- قال في سورة الروم {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً}؛ هذا هو الإنسان، ضعف، ثم قوة، ثم ضعفا وشيبا.

فعلى الإنسان أن يستغل فترة شبابه قبل أن يكبر.

«وصحتك قبل سقمك»، الإنسان الصحيح يستطيع أن يؤدي الطاعة براحة، لكن الإنسان المريض دائِما مشغول بصحته.

«وغناك قبل فقرك» اليوم عندك مال تتصدق، وزوِّد ليوم القيامة؛ فإن الإنسان إذا تصدَّق وجد ذلك عند الله -سبحانه وتعالى-. وهو -جل شأنه- القائِل في القرآن الكريم {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}، يعلمه ويسجله لكم في ميزان حسناتكم.

«وفراغك قبل شغلك»، عندك الوقت؛ استغله في طاعة الله، استغله في القرب من الله -سبحانه وتعالى-.

«وحياتك قبل موتك»؛ نحن في هذه الحياة نعيش أيامًا، فعلينا أن نستعد قبل أن يأتي اليوم الذي لا نستطيع أن نعمل فيه شيئا.

أيها الإخوة المؤمنون؛ لقد كان السلف الصالح يحرصون كل الحرص على المحافظة على أوقاتهم.

سيدنا ابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: ما ندمت على شيء كندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي.

لأن اليوم يمُر، وسُجِّلَ عليك هذا اليوم؛ لأنه ما من يومٍ يصبح فيه العبد إلا وينادي منادٍ: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزوّد منى فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة.

كلما مرَّ يوم، لن يعود مرة ثانية؛ فتنقضي الآجال، فعلينا أن نحافظ على أوقاتنا.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال أنه «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه».

والأيام ثلاثة أيها الإخوة، يوم مضى، وهو الأمس؛ ويوم آتٍ، لعلنا ندركه أو لا نُدرِكُه، فاجتهد في هذا اليوم الذي تعيش فيه.

تزودوا أيها الإخوة من هذه الأيام، تعلَّموا اغتنام الأوقات وفقِّهوا أبنائَكم عن مخاطر إضاعتها واستغلوها في طاعة ربكم، حافظوا على أوقاتكم، لا تضيعوها؛ فأُمَّة النبي -صلى الله عليه وسلم- أُمَّة عمل وجُهد وعِلم.

أوَّل ما نزل رسول الله صلى وسلم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}. نحن لسنا أُمَّة بطالة وليست أُمَّة كسل. النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصافح الرجل، فحينما يجد في يده خشونة يقول «هذه اليد يحبها الله ورسوله».

فأُمَّة النبي -صلى الله عليه وسلم- أُمَّة تستغل الوقت ولا تضيعه، لأن هذا الوقت يمر من العمر.

ولذلك؛ سيدنا الحسن البصري -رضي الله عنه- في معنى كلامة يقول: يا ابن آدم, إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك.

بل بالأحرى: يا ابن آدم إنما أنت أنفاس، كلما ذهب نفس، ذهب بعضك.

إنما هي الأيام نفرح لمرورها، ولكن كلما مر يوم ضاع جزء من العمر.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، خلق فسوى، وقدر فهدى.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.

وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله، خير نبي أرسله الله إلى العالمين؛ اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلي آلة وأصحابه أجمعين.

سأل الفضيل رجلا فقال له: كم عمرك؟ فقال: عمري 60 سنة، قال له: فأنت تسير إلى الله منذ 60 سنة، توشِك أن تصِل.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك».

فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.

فقال: من علم أنه عبدٌ لله وأنه إليه راجع، فليعِد لكل سؤال جوابا.

ما قصة هذا السؤال؟ يقول الله -سبحانه وتعالى- {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}.

لا يظُن الإنسان بأن الأمر يمر كما يمر في الدنيا، بل هناك وقفة بين يدي العادل -سبحانه وتعالى-، العدل المطلق هناك؛ هناك حينما تقف بين يدي الله -سبحانه وتعالى-. {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا}.

فقال الرجل: وما الحيلة؟ فقال له: الحيلة يسيرة، أن تُحسِن فيما بقي من عمرك، يكفيك الله ما مر. فإن أسأت، آخذك الله على ما مر وما بقي.

المطلوب منا أن نجدد التوبة وأن نستغفر الله -سبحانه وتعالى-، وأن نعود إلى ربنا.

دُعُّوا الدنيا ومشاغلها. فالدنيا تمر بشقاوة أو بسعادة، لكن هناك وقفة بين يدي الله -سبحانه وتعالى-.

سنقف جميعا بين يديه، فـ {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا}. وقال -جلَّ شأنه- في سورة الكهف {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَه}.

الدعاء

فاللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك يا ربنا سميع قريب مجيب الدعوات.

اللهم ارفع الهم والغم والكرب والبلاء عن هذه الأُمَّة يا رب العالمين.

اللهم هيئ لهذه الأُمَّة فرجا ومخرجا.

اللهم ولِّ أمورنا خيارنا، ولا تستعمل علينا شرارنا؛ واستعملنا في طاعتك وفي ما تحبه وترضاه يا أرحم الراحمين.

اللهم اجمع كلمتنا وألِّف بين قلوبنا وأصلِح ذات بيننا، وانزع الحِقد والغِل من قلوبنا.

اللهم أعنا على غض البصر وحفظ اللسان.

اللهم يا أرحم الراحمين؛ يا الله اجمع كلمة المسلمين على طاعتك ومرضاتك.

اللهم عليك بأعداء الإسلام في كل مكان، أرِنا فيهم قوتك يا رب العالمين.

اللهم يا ربنا أنا نسألك ونتوجَّه إليك ألا تحرمنا من النظر إلى وجهك الكريم.

عباد الله؛ اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم؛ وأقِم الصلاة.


خطبة اغتنام الأوقات ومخاطر إضاعتها

هذه الخطبة المباركة ألقاها فضيلة الشيخ د. محمد البيلي؛ حفِظه الله، وجزاه عنا كل خير.

فحواها، الحَثّ على اغتنام الأوقات في طاعة الله -سبحانه- وإدراك قيمة العمر والأعوام؛ كما سلَّطت الضوء على مخاطر إضاعة الوقت من المُسلِم، ووجَّهت النصائِح الطيبة لاستغلال الوقت والزمن أمثل استغلال.

تنويه: هذه الخطبة ليست الرسمية التي نشرتها وزارة الأوقاف المصريَّة في خطبة الجمعة القادمة، وانما هي -كما ذكرنا- من إلقاء فضيلة الشيخ د. محمد البيلي، في أحد خُطَب الجمعة. فلعلها تكون إضافة لكل إمام وخطيب ليُلقي خطبة قوية ومؤثرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: