حكاية الشاب هاني رمضان!

شارك عبر:

حكاية الشاب هاني رمضان!

“في هذه اللحظة أنا واحد من ضحايا هذه التكنولوجيا، رغم أني كنت من أوائل من استخدموها واعتمدوا عليها من بين الصحفيين المصريين وذلك في نهاية الثمانينات من القرن الماضي تقريبا”! بهذه الكلمات استهل أيمن الصياد رئيس تحرير مجلة “وجهات نظر” القاهرية، حديثه في ندوة عقدت قبل أيام بنقابة الصحفيين المصريين حول التطورات التكنولوجية ومستقبل الصحافة، وأضاف “كنت قد أعددت لكم عرضا شاملا حول موضوعنا هذا به الكثير من الإحصاءات والبيانات ذات العلاقة، وذلك على جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بي، غير أني فقدته مع حقيبتي الخاصة والتي نسيتها في السيارة الأجرة التي أقلتني إلى هنا، فسامحوني إن عجزت عن تذكر كل هذه الأرقام والبيانات”.

بدا الوجوم والتعاطف على وجوه الزملاء الحضور في بداية اللقاء، لا سيما بعد أن نوه الصياد إلى أنه في موقف صعب للغاية لأن الكمبيوتر يحوي ملفات مهمة جدا بالنسبة له، إضافة إلى مقالات يفترض أن تنشر في المجلة على مدى عام مقبل، غير أن الصياد مضى مع ذلك في إلقاء كلمته على النحو المقرر، ولكن من الذاكرة.

مفاجأة!

بعد حوالي ساعة من بداية الندوة، وبينما كانت دفة الحديث قد انتقلت لآخرين، اضطر الزميل للخروج من القاعة أكثر من مرة للرد على عدة مكالمات تليفونية، عاد بعد إحداها إلى القاعة باسماً، قبل أن يعلن بعدها بقليل.. “Breaking news (خبر عاجل) أشعر أن من واجبي إبلاغكم بالخبر السار.. لقد تلقيت اتصالا من سائق السيارة الأجرة يبلغني بأنه عثر على الحقيبة التي لم يتنبه لوجودها في المقعد الخلفي إلا بمساعدة ثالث أو رابع زبون يستقل السيارة من بعدي ”

وكشف الصياد أمرا آخر، وهو أن الحقيبة، بها أيضا مبلغ ضخم كان على وشك أن يسدده في مستشفى كرسوم لإجراء جراحة كبرى، غير أن “ظروفا غريبة” – هكذا اعتبرها- عطّلته، فاضطر للحاق بالندوة أولاً. وقال “السائق الشاب طمأنني على الحقيبة والمبلغ الموجود بها، وهو الآن في الطريق إلى هنا”.

قد يرى البعض هذا الموقف عاديا لا يدعو للاستغراب وقد يراه آخرون نادرا في زماننا، لكن ما أثارني هو أنها مثلت الوجه المقابل لصورة محزنة وكئيبة سيطرت على مخيلتي إثر قراءتي لمقالة الكاتب الكبير فهمي هويدي نشرت غداة ذلك اليوم في جريدة الشروق المصرية – الثلاثاء 23 نوفمبر 2010 – تحت عنوان “تحرير بعض الذي جرى في مصر” وفيها تحدث عن دراسة تكشف تفشي مجموعة من القيم السلبية بين أفراد المجتمع في العقود الأخيرة، وغياب العديد من القيم الإيجابية التي كانت سائدة فيما مضى.

واقرأ هنا: قصة معاناة طبيب بين المروحة والتكييف

ليس مجرد أمانة!

اللافت للنظر أن السائق الشاب هاني رمضان لم يكن أمينا فقط، لكنه استشعر ضرورة إعادة الحقيبة لصاحبها في أسرع وقت ممكن، إدراكا منه بأن صاحبها وبالتأكيد يعاني في تلك اللحظة بحثا عنها. ولا شك أنه سيتعطل ساعات عن عمله، وهو في غالب الأمر ووفقا لما هو شائع في مصر يعمل على السيارة مقابل أن يسلم لصاحبها مبلغاً محدداً مقابل كل ساعة، أي أنه سيتحمل خسارة مالية طيلة الوقت الذي “يضيع” منه في البحث عن صاحب الحقيقة، وهو أيضا شجاع لم يستسلم لمغريات العثور على ثروة– ربما كنز بالنسبة له – رغم أنه في الأغلب يعاني الأمرين في مواجهة أعباء ينوء بحملها الكثيرين من أبناء الطبقة الوسطى بين شعوبنا !

الجميل أيضا أن السائق الحائر الذي عجز بمفرده عن التوصل لهاتف صاحب الحقيبة من خلال الأوراق الموجودة بها، صادف راكبة شابة لم تكن سلبية، حيث لم تترك هاني، و لجأت إلى حل لم يهتد هو بخبرته المحدودة إليه، فقامت بتشغيل الكمبيوتر الذي لم يكن – ولحسن الحظ – مغلقا بكلمة سر، وتعرفت على صاحبه ثم على أرقام هواتفه من بين الملفات المحفوظة، وأعطتها للسائق.

وكان من الممكن وببساطة أن تجد هذه الشابة بينها وبين نفسها مبررا لعدم الاهتمام، وتقنع نفسها بأن الأمر الذي استقلت هي السيارة من أجله – أيا ما كان- أهم، ولا يستدعي التأخير، غير أنها أدركت قيمة أن تغيث ذلك “الملهوف” (صاحب الحقيبة) وأن تساعد في تهدئة مخاوفه وأن تجنبه شعورا فظيعا بأن جهازه قد ضاع، وكذلك كل هذا المال الذي يقدر بعشرات الآلاف من الجنيهات المصرية قد ذهب أيضا.

هنا -كذلك- تقرأ عن: السير إلى الله.. بقلم: د. مصطفى محمود

القصة لم تنته بعد

بعد الندوة، هاتفت الزميل الفاضل لأهنئه بالعثور على الحقيبة، ولأطمئن على صحته بعد أن سمعت لأول مرة بأمر الجراحة التي ينتظر إجراؤها. وكنت حريصا على سؤاله.. “كيف تمكنت من إلقاء كلمتك مكتملة وواضحة بهذا الشكل ودون أن يبدو عليك أيا من علامات القلق أو شرود الذهن؟ ربما لو أن أي شخص آخر في مكانك لم يكن من السهل عليه أن يمضي الأمر معه على هذا النحو، ويقبل بأن يتحدث أمام الناس في ندوة، ربما كان سيفضل أن يسارع بالبحث عما ضاع منه؟ أو على الأقل سيكون منزعجا وفاقدا القدرة على التركيز والحديث”. فرد بكلمات بسيطة ” لا أعرف.. بالفعل لا أعرف.. لكن ربما ما جعلني مطمئنا أني فوضت أمري لله وقلت في نفسي.. ربنا موجود”.

ثم كشف لي عن شيء آخر.. “أستغرب كيف قدر الله أن أتعطل عن الذهاب للمستشفى وأركب بهذا المبلغ الكبير في سيارة أجرة كي أمر بتجربة فقدانها لساعات ثم العثور عليها كما رويتها لكم.. هل تصدقني إن قلت لك أنني قبل هذا الموقف كنت مترددا وقلقا للغاية بسبب هذه الجراحة، والآن زال القلق وأشعر أنني سأدخل الجراحة باطمئنان”.

بقلم: عبد الهادي أبو طالب


شارك عبر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error:
Scroll to Top