مجامع حسن التعامل بين المسلمين

صورة , حسن التعامل , مسلمون
حسن التعامل

خلق الله الناس وجعلهم شعوبا وقبائل، وقدر لهم الاختلاط والمشاركة فهم يتقاسمون الأرض والسماء والماء والهواء، وتجمعهم الأحداث والنوازل، ويتشاركون الأقدار معا، فهم معا في السراء الضراء رغما عنهم.

ومع ذلك فقد قسم لكل إنسان قسمة وقدر له رزقه وخصه بتفاصيل لم يخص بها أحد غيره، فالصحة والمال والولد وسعة الرزق والعلم والسعادة والمكان والزمان والاشخاص وظروف المعيشة وملابساتها، كلها أرزاق وأقدار يقسمها الله لخلقه دون تدخل منهم ولا حرية لهم في ذلك.

والتعامل بين الناس والاختلاط بهم يكشف معادنهم ويبين الجيد من الرديء، وهنا بين أيدينا حديث نبوي شريف يجمع ملامح التعامل الحسن بين الناس، ويبين قواعد الأدب والرقي في سلوك الإنسان مع غيره، ويعلمنا ما ينصلح به حال الفرد والمجتمع على حد سواء، ويضع خطوطا حمراء لو التزمها الناس فيما بينهم ولم يتجاوزها لتعافينا من أمراض الاختلاف والتشاحن والتباغض وسوء الخلق.

نص الحديث

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ –صل الله عليه وسلم- : (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا) رواه البخاري.

وفي هذا الحديث نهي عن كل ما قد يصدر من الإنسان تجاه أخيه من أفكار أو افعال تفسد عليه راحته أو تكدر صفو العلاقة بينه وبين أخيه، أو تؤدي إلى إلحاق أي ضرر بأخيه أيا كان نوع هذا الضرر أو درجته، ففهيه نهي عن سبعة أمور من المفاسد.

النهي عن الظن

نهى النبي –صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث عن الظن، والمراد هنا قطعا الظن السيء، الذي يؤدي إلى التهمة التي تفتقر إلى الدليل، وإلحاق الأذى بالغير، ومن تفسير القرطبي لجملة (إياكم والظن) أن هذا نهي عن البقاء على الظن السيء وعدم مدافعته، مما يدفع الإنسان إلى الانسياق وراءه وطلب الدليل على اثبات ظنه السيئ وتحققه الذي يحصل غالبا بالتجسس، لذ ا فإن النهي يشمل الظن السيء وكل ما يترتب عليه من تتبع لعورات الناس، وطلبا لزلاتهم، ثم الخوض في أعراضهم واتخاذ تلك العورات أو الزلات مادة للغيبة بين الناس.

وأخبر النبي أن الظن هو أكذب الحديث وتعليل ذلك، أن الأخذ بالظن الذي لا يقوم على بينة ولا يعتمد على دليل والتعامل معه كما لو كان حقيقة مسلم بها، هو درب من الكذب بل هو أقبح أنواع الكذب، لأن الكذب ظاهر معروف ومستقبح من أصله، أم الظن الذي شبه به فهو خفي وغير معلوم.

النهي عن التجسس والتحسس

نهى النبي عن التجسس على خلق الله وهو تتبعهم بغرض الاطلاع على عراتهم وعيوبهم، والخوض فيها النيل منهم، والتحسس هو تتبع الناس لمعرفة أحوالهم وأسرارهم ما يخفونه من النعم، ومن شأنه أن يؤجج الحسد في قلب المتجسس، وقيل أن التجسس والتحسس لهما نفس المعنى وأن الغرض من التكرار التوكيد، وقيل أن التحسس أعم من التجسس.

وحاصل المعنى أن تتبع أخبار الناس وطلب الاطلاع على خباياهم أمر محرم وهومن النقائص والعيوب التي يعاب بها الإنسان، ومن اللطائف التي تقال في أمر التجسس وضرره على صاحبه أن الإنسان ما دام يظن سوءا ويتجسس ليتثبت من ظنه السيء فإن الله يعاقبه بالاطلاع على ما يوغر صدره ويحزنه أشد الحزن، ويكون عليه غمة إذ لا يستطيع أن يتكلم بما رأى وإلا اتهم وافتضح سلوكه المتدني، هذا فضلا عما ينتظره من عقاب الله في الأخرة.

النهي عن الحسد

الحسد هو كراهية الخير للغير وتمني زوال النعمة عنه، وهو من أمراض القلب التي يشقى بها صاحبها قبل غيره، فالحسد نار تأكل القلب وحسرة تنهش فيه، ويصيب ضررها المحسود من ذوي النعم فيلحقه الفقد أو الضر، وقد نبهنا النبي إلى خطر العين وأنها حق وأن الإنسان ينبغي أن يحصن نفسه منها، بالاستعانة بالله ثم الاستعانة بالكتمان.

أما من يلمس فيه نفسه الحسد وكراهية الخير للناس فعليه أن يدافع هذا الداء، ويقاومه ويغض بصره عما في يد غيره لئلا يطوله أذى منه، ويستعين على ذلك بأن يترك مراقبة الناس ومحاولة التعرف على ما يملكون أو يتمتعون به من أوجه النعمة.

النهي عن التدابر والتباغض

والتدابر هو هجر الإنسان لأخيه بسب خصومة أو عداوة، وهذا منهي عنه، فقد علمنا النبي أن لا يهجر المسلم أخاه فوق ثلاث، أما التباغض فمعناه افتعال ما يدع إلى البغضاء والكراهية والحرص عليه، ومن ذلك الاختلاف في الرأي والهوى فهو يحمل أصحابه على البغضاء والمشاحنات، وهذا أمر لا يقبله الإسلام أبدا إلا أن يكون التباغض لله وفي أمر من أمور الشريعة أو أحكامها.

وكونوا عباد الله إخوانا

هنا أمر بأن يبذل المسلم لأخيه ما يؤلف قلبه ويجبر خاطره، ويزيل عنه أي ضيق من خلاف أو غيره، فالانتهاء عن كل ما سبق والحرص على صفاء القلوب والعمل عليه، حاصله أن يكون المسلمون إخوانا متحابين ومتوادين في الله.

أضف تعليق

error: