خطبة عن السلام مع النفس والكون – مدققة إملائيًا ومصاغة لغويًا

نجتمع وإياكم إخواننا الأئمة في ملتقى الخطباء الخاص بموقع المزيد؛ لنقرأ سويًّا معًا خطبة عن السلام مع النفس والكون. هذا بغيَة أن يكون ما نقدمه لكم هنا من الخطب المكتوبة بمثابة يد عوْن لكم على المنبر.

اقتصوا ما أعددناه وكتبناه ونسَّقناه وراجعناه إملائيًّا ونحويا لكم في هذه الخطبة المباركة؛ وألقوها على المسلمين المُصَلّين يوم الجمعة في مساجد الأرض لتنفعوهم بها وتكون لنا ولكم ولهم مزيد زادٍ عِند الله -تبارك وتعالى-.

مقدمة الخطبة

الحمد لله نحمده؛ الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه ولعظيم سلطانه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق الجهاد، وتركنا على محجةٍ بيضاء ليلها كنهارها، لا يبتغيها إلا سالك ولا يزيغ عنها إلا هالك؛ اللهم فصِل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد أخوة الإسلام، فأوصيكم ونفسي المخطئة المذنبة بتقوى الله في السر والعلن، وأحثكم على طاعته وأنهاكم عن معصيته. يقول الله -تبارك وتعالى- في محكم تنزيله (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم).

السلام؛ من مرادفات هذه الكلمة: الأَمَان، الأَمْن، الاطْمِئنان، التَصَالُح، السِلْم، الصُلْح، الطُمَأْنينة.

ويقول الله -عز وجل- (قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها).

أيها المؤمنون؛ إن صلاح النفوس هو المقصد الأسمى عند أهل الإيمان لأنهم يعلمون أن نفوسهم الطاهرة المطمئنة هي التي سيعرجون بها إلى أعلى المراتب عند الله -عز وجل-. قال تعالى (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي).

فجهدهم الدائم أن تبقى نفوسهم طاهرة نقية، أن تبقي قلوبهم سليمة، فإذا جاء الموت أخذهم على قلوبٍ سليمة وعلى طوية حسنة ونفس مطمئنة. قال -تعالى- (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة) في ساعة الموت وقبض الأرواح (ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون).

وفي أبيات شعر عن النفس؛ قال الإمام البستي -رحمه الله-:
أقبِلْ على النفسِ واستكمِلْ فضائلَها
فأنتَ بالنفس لا بالجسمِ إنسانُ

وكُنْ على الدهرِ مِعْوانًا لذي أملٍ
يرجو نَداكَ، فإنّ الحرَّ مِعْوانُ

واشْدُدْ يدَيْك بحبلٍ الله معتصِمًا
فإنّه الرُّكنُ إن خانَتكَ أركانُ

أن يستكمل الإنسان المسلم الفضائل التي ينبغي أن تكون في نفسه، في قلبه، في روحه. بذلنا الأوقات النفيسة لأجسادنا ولحياتنا المادية، لأشغالنا، لصحتنا البدنية؛ وهذا مطلوب لأننا نعيش في دار الأسباب؛ ولكن هناك ما هو أهم وأرقى وأخطر، أن نعتني بأرواحنا، أن نراقب نفوسنا، أن نعتني بقلوبنا وقلوب أبنائنا وشبابنا؛ فهذه القلوب إذا انعقدت على حب الدنيا ومفاسد الدنيا وماديَّة الدنيا، هلك أصحابها.

وتلك النفوس إذا صارت نفوسًا أمَّارة بالسوء خبيثة -والعياذ بالله- صارت بابًا لكل شر، ومهيعًا عريضا لكل سوءٍ وخطيئة.

عناية الصحابة رضي الله -تبارك وتعالى- عنهم كانت دائمًا أن تكون نفوسهم لله -عز وجل-، أن تكون قلوبهم مع الله -تبارك وتعالى-؛ وهذا ليس بالأمر السهل أبدا، لأن مداخل الشيطان على الإنسان كثيرة، فقال (لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا | ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا | يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا).

هي ملحمة المواجهة الروحية، فإما أن تضيع هذه الأرواح وتسقط أمام وساوس الشياطين من الجن والإنس وإما أن يكون المؤمن رجلا بما في الكلمة من معنى، ثابتًا على الحق، نفسه طاهرة عفيفة، نقية، تُحلِّق في فضاء طاعة الله -عز وجل-، تلحظ مراقبة الله -تبارك وتعالى- ليكون من الذين قال الله -تبارك وتعالى- فيهم (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون).

فيتدرَّج الواحد منا في الولاية مرتبة تعلوها مرتبة، ودرجة فوقها درجة، وهكذا حتى يصبح الإنسان في أعلى المراتب؛ فيحب عندها لقاء الله -عز وجل-.

من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه؛ لأن نفسه مشتاقة للقاء الله -تبارك وتعالى-، نفسه كرهت هذه الدنيا وما فيها، ولو لأنها دار الأسباب أُمِر أن يعمرها ما بقي فيها لحظة.

مشتاق لذلك العالم العلوي مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وتصغر في عينه الدنيا وحطامها، وماديّاتها.

يتقاتل الناس على أتفه الأشياء وأسخف الأشياء، لأجل المال قطعوا الأرحام، ولأجل الملذات قتّلوا الشعوب؛ ملذات السلطة والمناصب وشهوة البروز والمعرفة بين الخلق والإعلام، ضللوا الناس وهتكوا قيم الأخلاق والمبادئ.

أشخاص قليلون في العالم الآن -بضع مئات- يملكون ثروات تعادل حجم بقية بمن يعيش على هذه الأرض؛ هذا لأن النفوس فاسدة، تزداد ثروات أشخاص بالمليارات وأشخاص يموتون جوعًا.

القلوب سيئة، والإنسانية معدومة.

وهكذا أيها المسلمون؛ تتغير ثقافة البشر اليوم كلما ابتعدوا عن منهج الله -عز وجل-، عن مناهج الإيمان؛ لتصبح تلك النفوس نفوسًا خبيثة -والعياذ بالله- كما وصفهم القرآن الكريم (أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون).

يظهرون في أبهى صورة وأحلى منظر والناس تلحقهم، ولكن هُم في حقيقة الأمر أموات لا إحساس لهم، لا شعور لهم، لا قلوب لهم، لا نفوس لهم.

ما قيمة الإنسان إن لم يمتلئ شعورًا وإحساسًا؟ ما قيمة المرء إن لم تكن جزوة المشاعر فيه تتوقَّد حبًا وعطفًا وحنانًا واستشعارًا بأحوال الناس؟

هي ثقافة عصرية خطيرة جدًا، ولا يغير حالها ولا يغير شأنها إلا الإيمان بالله -عز وجل-، إلا الرجوع إلى الله -سبحانه وتعالى-.

وهكذا وُطنت نفوس الناس أن تتأقلم مع الشر، وهذا من مكائد شياطين الإنس والجن؛ أن يوطِّنوا نفسك أن تتأقلم مع الباطل (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما).

أهل الباطل يريدون أكبر عدد معهم ممن يشاركونهم في باطنهم أو أن يسكتوا عن باطلهم؛ ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما، أن تسقطوا سقوطًا جسيما أن تنحرفوا انحرافًا شديدًا.

بدأ حبيبنا المصطفى -عليه الصلاة والسلام- بقلوب الصحابة وآل بيته الكرام، بدأ بتلك القلوب حتى صارت لله ومع الله وفي سبيل الله. لا يعنيها المال، ولا يعنيها الجاه، ولا يخشون في الله لومة لائِم.

أصبحوا شجعانا، قادة، أصبحوا رجالا بما في الكلمة من معنى لأن قلوبهم مع الله -عز وجل-؛ وإن كان القلب مع الدنيا فلا قيمة لصاحبه، لأن قيمته من قيمة الماديات التي يسعى وراءها، ويريدها لنفسه ولمطامعه.

أيها المسلمون؛ في هذه الأيام؛ نسأل الله -عز وجل- أن يرزقنا توبة نصوحا أن نهيء قلوبنا -إن شاء الله- إلى أنوار هذه الأيام القادمة حتى نكون من أوليائه الصالحين، ومن جنده الربانيين، أن نكون كما يحبنا رسولنا المصطفى -صلى الله عليه وسلم- من أهل الثبات على الحق، المتمسكين بمنهج الحق، مهما اشتدت حوالينا الأعاصير ومهما كانت الإغراءات والفِتن ومهما اشتدت المِحَن؛ رجال ثابتون مع الله -تبارك وتعالى-، ومن كان مع الله كان الله معه.

أسأل الله -عز وجل- أن يرزقنا حقيقة التوبة وحقيقة الاستقامة وحقيقة تزكية النفوس وتطهير القلوب؛ والصحبة الصالحة، فهي الباب حتى تتغير الأحوال اليومية.

الصحبة الصالحة أن نكون على صلةٍ مع القرآن، مع ذكر الله -عز وجل-، أن يكون لنا شأنٌ مع قيام الليل. قيام الليل كما أخبرنا حبيبنا المصطفى -عليه الصلاة والسلام- (شرف المؤمن).

وأن يكون لنا شأنٌ من غض البصر، من تطهير أموالِنا من الحرام، من الثبات على حب الصالحين، من الثبات على الحق ولو كان أهل الباطل كثُر.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله نحمده، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه ولعظيم سلطانه؛ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله.

عباد الله، اتقوا الله فيما أمر وانتهوا عما نهى عنه وزجر، واعلموا أن ربكم قد صلى على نبيكم قديمًا، قال تعالى ولم يزل آمِرًا حكيما، تعظيمًا لقدر النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وتكريمًا؛ (إن الله وملائكته يصلون على النبي | يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).

اللهم صَلِّ على سيدنا محمد صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا.

الدعاء

  • اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار.
  • اللهم عافنا واعف عنا وتب علينا يا غفار.
  • اللهم أرِنا الحق حقا وارزقنا اتباعه. وأرِنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.
  • اللهم ثبتنا على الإيمان وأمِتنا على الإيمان. نلقاك وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين.
  • اللهم يا ربنا، يا إِلَٰهَنا، أحسِن خِتامنا ويَمّن كتابنا، واجعل إلى الجنة مآلنا.
  • اللهم زَكِّ نفوسنا وأصلح قلوبنا، واجعلنا من صفوة أوليائك الصالحين.
  • اللهم يا ربنا فرج عن المسلمين في مشارق الأرض وفي مغاربها يا رب العالمين.
  • اللهم اهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين.
  • اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات المؤمنين والمؤمنات.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

أقِم الصلاة.


تفاصيل الخطبة

  • عنوان الخطبة: السلام مع النفس والكون – صلاح النّفوس.
  • ألقاها: سماحة أمين الفتوى في الجمهوريّة اللبنانيّة فضيلة الشيخ أمين الكردي.
  • المغزى منها والدروس المستفادة: إلقاء نظرة قريبة عن كثب حول أمر السلام مع النفس وصلاحها.
  • تنويه: هذه ليست الخطبة الرسمية من وزارة الأوقاف التي تنشرها عبر موقع أوقاف أونلاين.

أضف تعليق

error: