خطبة عن نعمة الماء وحسن تدبيره والمحافظة عليه

خطبة عن نعمة الماء -من وِجهَة نظري الشخصية- يُمكِن أن تكون بمثابة صفعة قويَّة لأولئك الذين لا يعبؤون بأمر الحفاظ على هذه النعمة العظيمة، ولا يحثّون ذَوِيهم على حسن التدبير والاستهلاك وترشيد الاستخدام لهذه النعمة.

نعم؛ اليوم نسوق إليكم خطبة الجمعة لهذا الأسبوع؛ تحت عنوان: نعمة الماء وحسن تدبيره والمحافظة عليه.

وقد يقول آخرون: نحن نريد خطبة جمعة عن التحذير من الإسراف في الماء؛ ونحن نقول لهم، نعم، نحن نعي ونُدرك ذلك جيدًا، وهذه الخطبة في صميم هذا الموضوع.

مقدمة الخطبة

الحمد لله، الحمد لله حمدا يليق بجلاله، لا أحصي ثناءً عليه، وكما أثنى على نفسه أستغفره وأتوب إليه.

أشهد أنه الله الواحد الأحد الفرد الصمد ربي وربكم ورب كل شيء شهادة عبد أسلم وجهه لله هو محسن، وأشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدا عبد الله ورسوله المبلغ عن ربه بالحق والهادي إلى الصراط المستقيم، بأبي هو وأمي.

بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ونحن على ذلك من الشاهدين.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلي آله سيدنا محمد كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم وعلي آل سيدنا إبراهيم في العالمين أنك حميد مجيد صلاة نسألك يا مولانا أن جعلها لنا ذخرًا حيث ينعدم الذخر وملاذا يوم ينعدم الملاذ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم خال من شوائب الشرك والكفر والنفاق والرياء والحسد والحقد والبغض والكبر وكل داء.

الخطبة الأولى

إخوة الإيمان أتباع النبي الإمام دوام النعم مرتبط بالشكر متوقفٌ على الشكر.

يقول الله ﷻ ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وزوالها مرتبط بالكفر أي؛ كفر النعمة وعدم الشكر يُبينها قول الله ﷻ بعد هذه الآية ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. فالكفر هنا في مقابل الشكر الكفر بالنعمة.

الماء نعمة عظيمة

ومن النعم التي مَنّ الله بها على بني الإنسان؛ على بني آدم الماء، الماء النازل من السماء، والماء النابع من الأرض، هو سر الحياة وأُسّها وأساسها بل إن هذا الماء هو أُس الحضارة؛ الحضارة الإنسانية.

والحضارات التي قامت في عدد مناطق الأرض كانت مرتبطة بالأنهار كـ النيل، وكـ دجلة والفرات، وكـ غيره من الأنهار.

الماء أساس التنمية

هذا الماء هو أساس التنمية في كل مجالاتها؛ الزراعية والصناعية والبيئية.

وقد تكرم الله علينا بهذه النعمة ومَنّ بها علينا فقال ﷻ الله ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ | وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ | وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾.

حافظوا على نعمة الماء شكرا لله

والمحافظة على هذا الماء واستعماله بالقدر الذي يفي بحاجة كل واحد منا هو من الشكر المطلوب، فالشكر يكون باللسان حمدًا وثناء.

الحمد لله الذي أنعم علينا، الحمد لله الذي من علينا بذكر هذه النعمة، فالشكر يكون بذكر النعمة، وبشكر المنعم، وبالاستفادة من هذه النعمة بالقدر الذي يحقق النفع بعيدا عن التبذير والإسراف.

الإسلام دين الوسطية والاعتدال

الله ﷻ أنعم علينا، أمرنا بأن ننفق مما أنعم به علينا من المال ومن كل شيء ولكن دائما يوجهنا إلى عدم التبذير وإلى عدم الإسراف.

قال تعالى ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾، هذا في المال ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾.

وقال في المأكل وفي المشرب ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.

وقال ﷻ في تدبير شؤون الحياة، في تدبير ما نتمتع به من النعم ومن الأموال ومن كل ما يجعل حياتنا يسيرة قال تعالى ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾.

أهمية الماء

وقضيتنا اليوم عن الماء وقد وصلنا في بلدنا هذا إلى حالة حرجة رغم أن الله ﷻ أنعم علينا باستقلالٍ مائيٍ يعني يغبطنا عليه.

تلك نعمة خاصة فالجبال تُكسى بالبياض في فصل الشتاء، والأودية التي تنعم بالأمطار التي تنزل في فصل الشتاء، والأنهار التي تنبع من هذه الجبال وتسري في أرجاء البلاد.

كل هذا يعطينا حماية خاصة ولكنها ليست كاملة ما لم يكن تعاملنا مع هذه النعمة بالقدر الذي يحافظ عليها، وهو أمر ضروري.

قوله تعالى ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ نهيٌ عن التبذير ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾، فالمبذرون إخوان الشياطين ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾، فإذا كان المبذر أخا للشيطان وكان الشيطان كفورا فمعنى هذا أن المبذر كفور بالنعمة، والكفر بالنعمة مودنٌ بزوالها والعياذ بالله.

دعاء حفظ النعمة

ومن الدعاء الذي نقوله في حفظ النعم: اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء. اللهم أدمها نعمة واحفظها من الزوال.

للمحافظة على هذه النعمة الابتعاد عن التبذير وعن الإسراف، وهي ثقافة يجب أن نتحلى بها.

وقد قيد الله لهذا البلد في الأزمنة الماضية رجالا حرصوًا على هذا الماء من خلال تقنيات عجيبة كبناء الخطابات التي كانت تقام في المدن العتيقة لتخزين المياه، وكذلك بناء السدود لأهمية الماء مستقبلاً.

تلك السياسة التي ساسها هؤلاء الرجال في بناء السدود والتي أعطت أُكلها في السنوات العجاف والتي توالت على بلدنا.

حسن تدبير الماء والمحافظة عليه

ولكن هذا كله لا يفيد إذا لم تكن لدينا ثقافة في حسن تدبير الماء، ثقافة تلغي خطرًا كبيرا يركبنا وهو الأنا، بمعنى أن كل واحد منا عليه أن يستحضر أن ذلك الماء الذي يستعمله في بيته أو في مزرعته أو في معمله أو في المكان العمومي أن الناس شركاء فيه فعليه أن يستعمله بالقدر الذي يحقق النفع دون تبذير ولا إسراف.

سيدنا رسول الله ﷺ رأى سعد “أحد الصحابة” وهو يتوضأ ولكنه يسرف في الماء، يسرف في استعمال الماء، وهذا نلاحظه نحن أيضًا في سلوكنا في الوضوء وفي الغسل فقال له النبي ﷺ «يا سعد لا تسرف لا تسرف» فقال سعد: يا رسول الله أفي الماء سرف؟ قال النبي ﷺ  «نعم، وإن كنت على نهر جار».

وفيما معناه أن النبي ﷺ قال له «ولو كنت على نهر جاري خذ ما يكفيك، ما يكفيك فقط، واترك لإخوانك».

وهذا الفكر هو الذي يجب أن يسود، والله ﷻ يقول ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.

إخوة الإيمان غايتي ومراده، والنصيحة لله ولرسوله ولعامة المسلمين وخاصتهم أني أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب.

ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، ألا هل بلغت اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، أستغفره إنه الغفور الرحيم، والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا ومولانا محمد أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

إخوة الإيمان اتباع النبي الإمام إن التبذير سلوك دال على الأنانية، سلوك دال على أن الإنسان لا يستحضر ذلك الجانب الجمعي أي؛ أن يفكر الإنسان في إخوانه.

واليوم ونحن نسمع أن عددًا من المناطق الماء فيها قليل نادر علينا ونحن في المناطق التي يتوفر فيها الماء أن نستحضر أنه قد يأتي علينا وقت أو زمان أو حال نصير فيه إلى الحالة التي تقف عليها بعض المناطق.

الإسراف في استعمال الماء كفرٌ بالنعمة

إن الإسراف في استعمال النعم وفي استغلالها كما أخبر بذلك الحق ﷻ كفر بالنعمة.

والكفر بالنعمة منذر بزوالها، والمسألة مرتبطة بالجماعة كما هي مرتبطة بالفرد، أي؛ كل واحد فينا، علينا أن نستحضر هذا ونحن نستعمل الماء.

خزائن الله لا تفنى ملأى ولكن يُنزل بقدر ابتلاء وامتحاناً واختبارا فنجد الماء زائدًا في بعض المناطق متوفرًا في بعض المناطق هو ابتلاء وامتحان لينظر كيف نعمل؟ كيف نتعامل مع هذه النعمة المتوفرة؟ وقد يكون قليلاً في مناطق أخرى، وهو أيضا ابتلاء لينظر كيف نتعامل في حالة الشح؟ شح المياه.

التبذير والإسراف والتضييع للماء كفر بالنعمة ما بعده كفر خصوصًا إذا استحضر كل واحد منا وهو يتنعم بتلك النعمة أن هناك أناسًا قد يصلون إلى حالة العطش.

وهذا كله حين يستحضر الإنسان بهذا المعنى، وهذا هو الذي يجعل الإنسان يحاسب نفسه عند استعمال ذلك الماء فلا يستعمله إلا بالقدر الذي يكفي وبالحاجة التي هي ضرورية عنده.

بعض سلوكياتنا دالة على أننا لا نهتم، وعلى أن الأمر ليس جِدا، بل هو من الكلام الذي نطلقه في الصباح وننساه في المساء ونمر عليه كأنه ليس كلامًا يعنينا، وإنما هو كلام يعني أناسا آخرين.

القضية هي قضيتنا كلنا في المناطق التي يتوفر فيها الماء، وفي المناطق التي لا يتوفر فيها الماء مع صدق التوجه الى الله ﷻ في كل وقت وحين أن يُغيثنا غيثًا نافعاً، وأن ينعم علينا بهذا الماء الذي هو سر الحياة، وأن يبعدنا من حالة العطش التي تجعلُ حياة الناس حياة ضنكا.

فاتقوا الله عباد الله وأحسنوا في تعاملكم مع هذه النعمة الجليلة في كل مجالات حياتكم تفوزوا بالسعادة في دنياكم والفلاح في آخرتكم.

وأكثروا في كل أوقاتكم الصلاة والسلام على نبيكم، والرضا عن آله الكرام وأصحابه الأعلام.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.


خطبة: نعمة الماء

أضف تعليق

error: