خطبة ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا﴾ – فضل الذكر – مكتوبة

خطبة ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا﴾ – فضل الذكر – مكتوبة

عناصر الخطبة

  • أهمية ذكر الله وأثره في تثبيت الإيمان.
  • أسماء الله الحسنى وأهمية حفظها والدعاء بها.
  • ذكر الله يرفع درجة المسلم ويقربه من الله.
  • الفرق بين ذكر اللسان وذكر القلب.
  • حَثّ النبي على الذكر المستمر.
  • أثر الذكر في الرزق وطول العمر.
  • أهمية الذكر في الاستعداد للآخرة وحب لقاء الله.

الخطبة الأولى

الحمد لله..

افتتح الله ﷻ كتابه العزيز بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، ليُعلِّمَنا الأدبَ معه سبحانه، فتذكره ألسنتُنا بمجامع الحمد تعبيراً عما في قلوبنا من ثناء على الله ﷻ الذي يرجع إليه الحمدُ كله، ولِعظم مقام الحمد في هذه الآية الكريمة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، جعلها بعض العلماء توازي ﴿لا إله إلا الله﴾ في تحقيق معاني التوحيد.

فالعبد حينما يَحْمدُ ربه ﷻ، عليه أن يستحضر جلال الله وعظمته وقدرته، وكل صفات الكمال والجلال لله ﷻ، وعليه أن يستذكرَ أسماء الله الحسنى، وصفاته العلى، ففي الحديث «إن لله ﷻ تسعاً وتسعين اسماً من حفظها دخل الجنة» ← متفق عليه، وقال ﷺ: «منْ أحصاها دخل الجنة»، أي ” كل منْ عرف أسماء الله ﷻ، واعتقدها ومات على ذلك فهو من أهل الجنة “.

والدعاءُ بالأسماء الحسنى ذكرٌ لله ﷻ بأسمائه ﷻ، قال ﷻ: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180]، وكل اسم من الأسماء الحسنى له معنى يثبت الإيمان في قلب الذاكر، وكلما أكثر المسلم من ذكر الله ﷻ رفع الله درجته، وجعله من المقربين؛ لأن المحب إنما يكثر من ذكر منْ أحبه، قال الله ﷻ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]، وكلما ذكرنا الله ﷻ ارتقى مقامُنا عنده ﷻ لقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152].

قال أبو حفص النسفي – رحمه الله ﷻ – في تفسير قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 41] شكراً له على النعم، والكثير: الذي لا ينقطع… وقيل: ما كان عن إخلاص، فيُقبَل ويَكثُر ثوابه، فأما ما لا إخلاص فيه، فقد قال الله ﷻ في حقه: ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: 142].

إن الله ﷻ خلقنا في أحسن تقويم، وجعل القلوب مركز الحياة، وحياتها إنما تكون بذكر الله ﷻ: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، والقلوب المطمئنة هي قلوب الذاكرين الله كثيراً.

إنَّ ذكر اللسان يقال له: «ذِكْر» بكسر الذال، وذكر القلب المطمئن يقال له: «ذِكْر»، فالضمة أقوى من الكسرة في لسان العرب، وذكر اللسان إنما ترجمان عن ذكر القلب الخاشع، جاء رجلٌ إلى النبي –ﷺ– فسأله: يا رسول الله، إنَّ شرائع الإِسلام قد كثرتْ عليّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، فقال –ﷺ–: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر اللَّهِ تَعالى» ← رواه الترمذي.

ولا شك أن القلوب تحيا، وتسعد بذكر الله ﷻ في كل أحوالها، قال ﷺ: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ» ← صحيح البخاري، ومنْ ذَكرَ اللهَ ﷻ من العباد أعانه الله ﷻ بتوفيقه وتأييده له، عندما يتوجه بقلبه إلى ربه ويستغيثه لتحقيق مطلبه، قال النبي ﷺ: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا: بلى، قال: ذكر الله» ← سنن الترمذي.

والحق أن ذكر الله سبحانه هو خير دواء لعلاج الداء مهما كان الداء عضالاً، والأدلة في هذا المعنى كثيرة في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة والسيرة النبوية، قال الله ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]، فإذا استغاث العبد ربه ﷻ استجاب له ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُم﴾ [الأنفال: 9].

والأحاديث النبوية الشريفة التي تدعو إلى الإكثار من ذكر الله ﷻ كثيرة، ومن قول النبي ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا» ← سنن الدارقطني، ومنْ كانت كلمة التوحيد ﴿لا إله إلا الله محمد رسول الله﴾ خاتمة كلامه دخل الجنة.

والسيرة النبوية تزخرُ بالشواهد على أن ذكر الله ﷻ من أسباب رفع البلاء والنصر على الأعداء.

ولا ريب أن الذاكرين الله كثيراً والذاكرات هم الثابتون إذا انتشرت الفتن، وكثرت الزلازل والمحن؛ لأن قلوبهم المطمئنة بذكر الله ﷻ تثبتهم على ما قدره الله ﷻ، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم؛ لأنهم حققوا العبودية لربهم ﷻ.

إن ذكر الله ﷻ هو سبب من أسباب الرزق، وطول العمر، وما إلى ذلك من نعم الله التي لا تحصى؛ لأن الذاكرين الله ﷻ هم الذين يتوكلون عليه ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، فالتوكل ثمرة من ثمرات ذكر الله ﷻ.

وخير زاد يتزود به العبد في حياته لما بعد مماته هو زاد ذكر الله سبحانه، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ؛ لأن كثرة الذكر دليل على محبة لقاء الله ﷻ، ومنْ أحبَّ لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن أحبه الله ﷻ فله الحسنى وزيادة، والحسنى: الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم، وأَكْرِم بها من زيادة.

وذكر الله ﷻ يُعين على التخلص من العادات السيئة كالتدخين مثلاً، والذي يعرض الإنسان فيه نفسه ومن حوله الى الخطر والامراض والهلاك، قال الله ﷻ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ النساء﴾ : [النساء: 29]، وقال الرسول ﷺ: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ» ← رواه أحمد وابن ماجه.

فالمواظبة على ذكر الله ﷻ خير عون لك على ترك التدخين، وحتى تستطيع أن تذكر الله ﷻ، لا بُدّ أن تفوح من فمك رائحة طيبة حتى لا يضجر منك المصلون، وكذلك الملائكة لأنها تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فعلى كل ذاكر لله ﷻ أن يطيب فمه بالفرشاة أو باستخدام السواك فهو مطهرة للفم ومرضاة للرب كما بين لنا ذلك المصطفى ﷺ.

جعلنا الله ﷻ من الذاكرين كثيراً الذين يحبون لقاء الله ﷻ ؛ لنكون عنده في مقعد صدق عند مليك مقتدر. اللهم آمين

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران: 102.

لا تنسوا الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ، فعن أُبي بن كعب –رضي الله عنه– ﴿أنّ من واظبَ عليها يكفى همه ويُغفر ذنبه﴾، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: “مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا”، وصلاة الله على المؤمن تخرجه من الظلمات إلى النور، قال ﷻ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الأحزاب: 43.

ومن دعا بدعاء سيدنا يونس عليه السلام: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ استجاب الله له، ومن قالها أربعين مرة، فإن كان في مرض، فمات منه فهو شهيد، وإن برأ برأ وغفر له جميع ذنوبه.

ومن قال: “سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة، حُطَّتْ خطاياه وإن كانت مثل زَبَد البحر”.

ومن قال: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكُتِبَتْ له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي”.

وعليكم أيضاً بـ«كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن وهما سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» قدر المستطاع.

والحمد لله ربّ العالمين.

المزيد من الخطب المنبريَّة حول فضل الذِّكر

هذه القائِمة رائِعة أيضًا، تحتوي على أربعة خُطب مكتوبة، جميعا تتناول فضل ذكر الله ﷻ.

موفَّقون إن شاء الله ﷻ.

أضف تعليق

error: