خطبة: الاعتبار بمرور الأيام والأعوام – مكتوبة

خطبة: الاعتبار بمرور الأيام والأعوام – مكتوبة

عناصر الخطبة

  • أولو الأبصار والألباب هم الذين يعتبرون بمرور الأيام والأعوام، لأنهم يعلمون أن الدنيا ثلاث ساعات:  ساعة مضت من أعمارنا، وساعة نحن فيها، وساعة لا ندري أندركها أم لا، فلنعتبر بمرور هذه الساعات.
  • طول الأمل في البقاء هو العائق عن فعل الطاعات، الجالب للشر والفتن والخطيئات، والكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، ومن خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن طال أمله ساء عمله.
  • التسويف في الأعمال مرض عضال يقضي على الأيام والأعوام فتمر مرور الكرام، ونحن لا نشعر بقيمتها إلاّ عند الرحيل ولات حين مندم.
  • ترك الاعتبار بمرور الأيام والأعوام يتولد منه القسوة في القلب، والنسيان للآخرة دار الخلود، لأن الآمال بالعيش الطويل يجعل العبد ينسى الموت والقبر وهما يقين (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين).
  • الاستغفار ينفّس الكروب، ويغسل صدأ القلوب، وثمرته غفران الذنوب، ومن صِيغ الاستغفار دعاء سيدنا يونس عليه السلام (لا إله إلاّ انت سبحانك إني كنت من الظالمين) فلتلهج ألسنتنا به لتلين القلوب طاعة لعلام الغيوب ﷻ فنكون من أولي الأبصار واولي الألباب في الدنيا ومع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الآخرة.

الخطبة الأولى

الأيام والأعوام والسنون تمر مع الأهلة التي هي مواقيت للناس، وتمر بالأعوام والسنين والأيام والساعات حتى يرحل الإنسان عن هذه الدار إلى دار الآخرة، دار القرار.

ولا ريب أن أولي الأبصار والألباب هم الذين يعتبرون بمرور الأيام والأعوام، لأنهم يعلمون أن الدنيا ثلاث ساعات:  ساعة مضت من أعمارنا، وساعة نحن فيها، وساعة لا ندري أندركها أم لا، فلنعتبر بمرور هذه الساعات.

والمؤمن هو الذي يحاسب نفسه، وينظر إلى تقلب أمور حياته، وانقضاء زمانه، بين ليل ونهار يجريان بلا انقطاع، بين طلوع شمس وغروبها، ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ النور: 44.

فكم يفرح الإنسان بمرور الأيام وتمام الأعوام، ينتظر انتهاء مرحلة من عمره لتبدأ أخرى، وما علم أن في مرور الأيام انقضاء أيام عمره، فكم من صديق لنا كان بالأمس معنا، وكان له من الآمال والنوايا، واليوم هو تحت التراب، قال الله ﷻ:﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَار﴾ الحشر:2

إن طول الأمل في البقاء هو العائق عن فعل الطاعات، الجالب للشر والفتن والخطيئات، والكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، ومن خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن طال أمله ساء عمله فالذي ينتظر الأيام، حاله كحال المسافر الذي يعبر الأسفار، ويقطع الفيافي والقفار، فهو وإن كان يقترب من تحقيق طموحه وحلم حياته، إلا انه يبتعد عن أحبابه بتناقص أيام حياته.

يقول الحسن البصري رحمه الله: “يا أبن آدم إنما أنت أيام، إذا ذهب يومك ذهب بعضك فمن حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر ومن نظر في العواقب نجا، ومن أطاع هواه ضل”.

ولا ريب أن التسويف في الأعمال مرض عضال يقضي على الأيام والأعوام فتمر مرور الكرام، ونحن لا نشعر بقيمتها إلاّ عند الرحيل ولات حين مندم، فلنبادر إلى الأعمال الصالحة وخاصة في زماننا الذي كثرت فيه الفتن والعياذ بالله ﷻ.

أجل، لا بد من الاعتبار في الحال والمآل لأن ترك الاعتبار بمرور الأيام والأعوام يتولد منه القسوة في القلب، والنسيان للآخرة دار الخلود، لأن الآمال بالعيش الطويل يجعل العبد ينسى الموت والقبر وهما يقين قال ﷻ: ﴿وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ﴾ الحجر:99.

فليس بعد الدنيا من دار إلا الجنة جعلنا الله من أهلها، أو النار أعاذنا الله منها. فعلينا أن نعتبر بقصص الأنبياء التي جعلها الله ﷻ لأولي الألباب والعقول، قال الله ﷻ :﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ يوسف:111، ليكون لنا بذلك عبرة وعظة في حياتنا قبل موتنا

يقول النبي ﷺ: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» ← سنن الترمذي.

قال الفضيل بن عياض رحمه الله ﷻ لرجلٍ: (كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، قال: أنت منذ ستين سنةً تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال الفضيل: تعرف تفسيرها؟ قال: لا، قال: من عرف أنه لله عبدٌ، وأنه إليه راجعٌ فليعلم أنه موقوف، ومَن علِم أنه موقوف فليعلم أنه مسئول، ومن علِم أنه مسئول فليُعد للسؤال الجواب، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة تُحسن فيما بقي يُغفر لك ما مضـى، فإن أسأت فيما بقي أُخذِت بما مضى وما بقي).

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» ← سنن النسائي. ويقول النبي ﷺ: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلماً» ← رواه الترمذي.

إن الاعتبار بمرور الليل والنهار يدعونا إلى المبادرة بالأعمال الصالحة وعدم التسويف وإطالة الأمل، فهناك الحوادث وهناك الشواغل، وهناك الفتن التي تحيط بالإنسان من كل جانب، قال ﷺ: «بادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيْهَا مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً. أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً. يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» ← أخرجه مسلم.

قال الإمام النووي رحمه الله ﷻ: “معنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة، المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر، ووصف ﷺ نوعاً من شدائد تلك الفتن، وهو أن يمسي مؤمناً ثم يصبح كافراً أو عكسه، وهذا لعظم الفتن، ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب”.

ورحم الله ﷻ أحد العارفين القائل: “ألا إنكم في يوم عمل ليس فيه حساب، ويوشك أن تكونوا في يوم حساب ليس فيه عمل، وإنَّ الله ﷻ يعطي الدنيا من يحب ويبغض، ولا يعطي الآخرة إلاّ لمن يحب”.. جعلنا الله ﷻ من أوليائه واحبابه.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران: 102.

فاتقوا الله عباد الله، فإنّ التقوى شعار المؤمنين ودثار المتقين، واعلموا أنكم محاسبون على أوقاتكم وأعماركم كيف تقضونها لقول رسول الله ﷺ: «لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاَهُ» ← سنن الترمذي، فليحرص المسلم على وقته، وليستزيد فيما بقي من عمره، فإن من تساوي يوماه فهو مغبون

كتَبَ الخليفةُ عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البِصريّ يقول: “اجمع لي أمر الدُّنيا، وصف لي أمر الآخرة.

فكتَبَ إليهِ الحسنُ البِصريُّ يقولُ: “إنَّما الدُّنيا حلم، والآخرة يقظة، والموت متوسط ونحن في أضغاث أحلام”.

وجاء أعرابي إلى النبي ﷺ وقال: «متى القيامة؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام، إلا أني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من تحب» ← صحيح البخاري، ويقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة وإنّ الآخرة قد ارتحلت مقبلة ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب بلا عمل”.

كما وأذكّر نفسي وأذكركم بالاستغفار فإن الاستغفار ينفّس الكروب، ويغسل صدأ القلوب، وثمرته غفران الذنوب، ومن صِيغ الاستغفار دعاء سيدنا يونس عليه السلام (لا إله إلاّ انت سبحانك إني كنت من الظالمين) فلتلهج ألسنتنا به لتلين القلوب طاعة لعلام الغيوب ﷻ فنكون من أولي الأبصار واولي الألباب في الدنيا ومع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الآخرة.

والحمد لله رب العالمين..

أضف تعليق

error: