هل تعتبر زيادة ساعات النوم أو نقصها مرض

صورة , طفل , نائم , ساعات النوم , النوم الصحي
ساعات النوم

ما مفهوم النوم الصحي؟

قال “د. صالح الدماس” أستاذ أمراض واضطرابات النوم. يُعرَّف النوم الصحي بأنه عدد ساعات النوم في اليوم الواحد الكافية لجعل الفرد في حالة جسدية ونفسية ومزاجية جيدة. ويتحدد عدد الساعات الكافية لكل فرد تبعًا للمكون الجيني والوراثي وكذلك تبعًا للمرحلة العمرية، فما يحتاجه الطفل الرضيع يختلف عن المراهق ويختلف عن كبير السن، فالأطفال الرُضع يحتاجون إلى النوم لما يقرب من 20 ساعة يوميًا، أما المراهقين يحتاجون إلى عدد ساعات أقل تتراوح بين 8 إلى 10 ساعات يوميًا، أما البالغين وطبقًا للدراسات العالمية فيحتاجون إلى 7 أو 8 ساعات يوميًا على الأكثر.

مما سبق نستكشف أن أي زيادة أو نقص في عدد ساعات النوم المخصصة للفئة العمرية يكون عبارة عن حالة مرضية – جسدية أو نفسية – تستلزم العلاج، أي أن الزيادة والنقص متشابهان في كونهما وضع غير صحي.

لماذا تعتبر زيادة ساعات النوم أو نقصها مرض؟

تابع “د. الدماس” عندما خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان، جعل النوم ضرورة من ضروريات الحياة والبقاء والنمو. فالطفل الرضيع يحتاج إلى ساعات أطول للمساعدة على نمو وتطور الأجهزة الداخلية في الجسم كالجهاز المناعي والدوري، بينما الشخص البالغ المكتمل النمو فلا يحتاج إلا لعدد ساعات بين 7 إلى 8 ساعات فقط. وعليه فإن قلة أو زيادة ساعات النوم المحددة طبيًا وبناءًا على الدراسات التي أجريت على مئات الآلاف من البشر يعد مرض يستلزم المشورة والعلاج، ويصنف تحت بند الإضطرابات المرضية.

كيف تكون زيادة ساعات النوم أو نقصها سببًا في الموت المبكر؟

أوضح “د. الدماس” أثار هذا الموضوع دراسة طبية واسعة أُجريت في إحدى الجامعات البريطانية على مئات الآلاف من الأشخاص (تقريبًا 433 ألف شخص، تتراوح أعمارهم بين 38 إلى 70 عام) ولفترة زمنية طويلة. ونُشرت الدراسة حديثًا، وخلاصتها أن الأشخاص الذين ينامون أقل من 6 ساعات يوميًا – بغض النظر عن طبيعة نشاطهم أثناء الإستيقاظ – معرضون للإصابة بالعديد من الأمراض التي قد تؤدي إلى الوفاة المبكرة عند مقارنتهم بأقرانهم الذين يحصلون على عدد ساعات النوم الكافية لمرحلتهم العمرية.
وأثبتت هذه الدراسة وغيرها من الدراسات الطبية الأقدم أن الذين ينامون أقل من المعدل الطبيعي وبالتحديد 5 ساعات يوميًا هم الأكثر عُرضة
للإصابة بالعديد من الأمراض المتشابكة والمترابطة مثل:
أمراض الجهاز الدوري كإرتفاع ضغط الدم، حيث ثبُت إرتفاعه بنسبة من 30 إلى 40% مقارنة بالآخرين الذين يحصلون على المعدل الطبيعي للنوم.
• الذبحات الصدرية والجلطات القلبية التي تنتج بالضرورة عن الإصابة بإرتفاع ضغط الدم.
• مرض السكري حيث ترتفع نسبة الإصابة به بين الذين لا ينامون بالمعدلات الطبيعية للفئة العمرية الخاصة بهم.
السمنة، بكل ما تشمله من مضاعفات على الجهاز الدوري والشرايين والقلب والدماغ.
• تأثر الجهاز المناعي وإنخفاض قدرته على مقاومة الأمراض والإلتهابات.
• إرتفاع نسبة الإصابة بالأورام السرطانية والأورام الحميدة لدى الجنسين، وبخاصة أورام الثدي عند النساء.

زيادة معدل الإصابة بالأمراض المرتبطة بالجهاز العصبي المركزي والذاكرة والتركيز، حيث لوحظ الإرتباط الواضح بين الحرمان من النوم والإصابة بأمراض فقدان الذاكرة والزهايمر مع تقدم العمر، واكتشف الباحثون أن أثناء النوم تحدث عملية كيميائية في المخ هدفها تنظيف كل المخلفات السامة التي تنتج من التفاعلات الكيميائية الحاصلة طوال اليوم، فقلة ساعات النوم تؤدي إلى قصور في هذه العملية الكيميائية، مما يؤدي إلى إصابة خلايا الذاكرة بالخلل، وبالتالي إضطراب الذاكرة وبالتأكيد الوصول بالإضطراب إلى الخرف والزهايمر كتطور طبيعي له.

وعلى نفس الجانب تنوعت الدراسات البحثية لتشمل فئات بعينها، فتخصصت إحداها في دراسة التحصيل الأكاديمي والنجاح في الإمتحانات، وإرتباطهما بعدد ساعات النوم، وأثبتت التناسب الطردي بينهم، فكلما قلت ساعات النوم قَلَّ معها التحصيل العلمي والتركيز والنجاح في الإمتحانات، والعكس هو الصحيح. فكل الطلاب المصابون بإضطرابات النوم أو الأمراض المسببة للحرمان من النوم أقل تحصيلًا من أقرانهم الذين ينامون بشكل طبيعي ولعدد ساعات كافي.

ولا نغفل أن نشير إلى تأثير الحرمان من النوم الطبيعي على الإصابة بالنوم أثناء القيادة، فهو عَرَض مُسبب للوفاة أيضًا وإن لم يكن مرضيًا.
نستخلص مما سبق أن الحرمان من النوم وقلة عدد ساعاته عن المعدل الطبيعي يؤدي إلى متلازمة من الأمراض العديدة جدًا المتعلقة بالجهاز الدوري والجهاز العصبي المركزي والجهاز المناعي، وما يسببه خلل هذه الأجهزة في تردي الحالة الصحية والنفسية للإنسان.

وقد وجدت أقدم الدراسات المعروفة في هذا المجال أن الفرق بين أعمار الذين ينامون ساعات كافية والذين ينامون أقل من 5 ساعات يوميًا هو أربع سنوات تقريبًا، أي يتوفاهم الله قبل أقرانهم بأربع سنوات تقريبًا، كأثر مباشر للإصابة بأحد الأمراض المشار إليها.

هل اختلاف توقيت النوم – ليلًا ونهارًا – مُسبب للأمراض المذكورة سابقًا؟

الشاهد أن نمط الحياة تغير كثيرًا خلال الثلاثين عامًا الأخيرة، فأصبحنا نرى العمل في ورديات، أضف إلى ذلك تخصيص أماكن للسهر والترفية الليلي، أو حتى السهر أمام الشاشات والأجهزة الذكية. لينقلب لدى الكثيرين الليل إلى نهار والنهار إلى ليل بالنسبة لعملية النوم.

والطبيعة الجسدية لهؤلاء الساهرون على الدوام – أي كان سبب السهر – نوضح أنهم حتمًا سيصابون بإضطراب الساعة البيولوجية للجسم، هذا الإضطراب قد يؤدي بالشخص إلى التكيف المبدئي والقدرة على نوم الساعات الكافية لفئته العمرية خلال النهار، ولكن بعد تخطيهم عمر الـ 35 عام سيفقدون هذه القدرة على التكيف وعلى النوم، الأمر الذي يحدث معه الإصابة بإضطرابات النوم والنقص في عدد ساعاته اليومية، وبالتدريج يقترب هؤلاء من الإصابة بالأعراض والأمراض المذكورة آنفًا.

ما أبرز النصائح لأصحاب النوم المضطرب؟

أردف “د. الدماس” النصيحة الأولى والأهم والأثمن هي (قبل أن تذهب للطبيب، عَدِّل نمط حياتك)، لأن نمط الحياة الصحي هو الوسيلة الأولى في الحصول على نوم صحي ومنع المضاعفات المرضية السالفة الذكر.

يشمل هذا التعديل المطلوب ما يلي:
عَدِّل النمط الغذائي، فلا تكون أبدًا وجبة العشاء دسمة وقبل النوم مباشرة، بل يجب أن تكون خفيفة جدًا ومبكرة جدًا.
تخلص من إدمان الأجهزة الذكية بكل أشكالها وأنواعها، لأنها عامل مباشر في زيادة السهر، وكذلك للحصول على نوم صحي وطبيعي وهاديء يجب إبعادها خارج غرفة النوم.

داوم على ممارسة جهد بدني يومي مثل الرياضة وبخاصة المشي، فهو أحد العوامل المساعدة على النوم الصحي.
لا تُفرط في تناول المنبهات كالقهوة والشاي والمشروبات الغازية ومشروبات الطاقة.

تلك النصائح البسيطة ستساعد على النوم الهاديء وبالقدر الكافي. أما إذا استمرت اضطرابات النوم أصبح ذلك مؤشرًا على وجود مشكلة صحية حقيقية تحتاج إلى طبيب متخصص في أمراض واضطرابات النوم، وهم كُثُر ويتواجدون في كافة المستشفيات، كما تتعدد مختبرات ومراكز دراسة النوم في كل الدول العربية.

ما هي النظرة الطبية لنوم القيلولة؟

أثبتت الأبحاث التي أُجريت على نوم القيلولة أهميتها وجدواها الصحية على جسم الإنسان، وأشارت إلى أن تحقيق الفائدة الصحية منها يكون بالنوم لمدة لا تزيد عن ساعة (يفضل من 30 إلى 45 دقيقة فقط) خلال الفترة من الواحدة والنصف إلى الثالثة ظهرًا.

الفوائد الصحية للقيلولة هي التي جعلت عمالقة صناعة التكنولوجيا في العالم مثل جوجل وفيس بوك وأبل يتجهون لتخصيص أماكن يأخذ فيها الموظفون قيلولتهم، حيث استشعروا الفارق الضخم في الإنتاجية ومستويات التفكير بين الموظفين الذين يحافظون على نوم القيلولة وبين غيرهم مما لا يُلقون لها بالًا.
ولا يُحبذ نوم القيلولة للذين يعانون من الأرق وصعوبة النوم ليلًا.

كيف نحكم على نوعية النوم وجودته؟

توجد مجموعة من المشاعر النفسية والحركات البدنية التي إن صدرت من الفرد كانت دليل على حصوله على نوم جيد وكافي، نذكر منها:
• عندما يستيقظ الشخص بسهولة في الصباح.
• عندما لا يعاني نفسيًا وبدنيًا أثناء مغادرة السرير.
• عند الإستيقاظ بمزاج جيد ولا تَشُوبَه العصبية والإندفاع.
• عندما يمارس عمله بإستيقاظ ذهني وجسدي.

أما إذا انقلبت هذه السهولة والسلاسة وهذا النشاط الذهني والجسدي بعد الإستيقاظ إلى صعوبات كان ذلك دليلًا على عدم الحصول على النوم الجيد. فكل من يستيقظون متعبين ومرهقين هم يعانون بالضرورة من اضطرابات النوم وعدم جودته، فإما أنهم لم يحصلوا على عدد الساعات الكافي، أو أنهم حصلوا على الساعات الكافية ولكن النوم نفسه غير جيد بالنسبة لأجسامهم.

ولكي نفهم الفرق بين النوم الجيد والغير جيد بغض النظر عن عدد الساعات، يلزمنا أن نوضح أن عملية النوم تتم على مرحتلين، الأولى وهي النوم الأولي، أما الثانية فهي النوم الحقيقي. لذا كان النوم الغير جيد هو النوم الذي تكون فيه مرحلة النوم الحقيقي بساعات أقل من الطبيعي، فقد ينام الفرد ثماني ساعات متصلة، ولكنه لم يستمتع بمرحلة النوم الحقيقي سوى لساعتين فقط من إجمالي الثماني ساعات، وهو القدر الغير كافي أبدًا والمسبب لشعور الإرهاق والتعب عند الإستيقاظ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: