معايير الترف

يتناهى إلى مسامع بعض الشباب توبيخ مفاده ضرورة التمسك بعادات متوارثة لا أشك في أن الكثير منها جيد، لكن في الغالب يشوب بعضها شيء من المبالغة. أحد أوجه التوبيخ أن الشباب لا يحرصون على إعداد الولائم للضيوف الآتين من خارج المدينة، ما يقلل من دورهم الاجتماعي.

فعل الشباب في جوهره متفق، إذ إن الطرفين ينطلقان من المنظور ذاته، فالجيل السابق تنافس أبناؤه فيما بينهم في تجسيد غناهم وترفهم من خلال بذل الطعام لأبناء القبيلة أو القرية، كون الطعام في تلك الفترة كان شحيحا، ومقدار ما يبذل منه كان يقابله شهرة تولدها ذهنية المديح التي يمارسها أفراد المجتمع المنتفعون، الأمر الذي تترتب عليه مكانة اجتماعية.

اليوم الصورة اختلفت بالنسبة إلى الجيل الجديد، فقد تراجع الطعام كقيمة في المؤشر المظهري، وأصبح متوفرا بكثرة لدى مختلف شرائح المجتمع، وحلت مكانه وسائل أخرى لإشعار الآخرين بالغنى والترف، وهي وسائل مختلفة تبدأ بالخادمة التي تحولت إلى ضرورة دون تقييم حقيقي لمدى الحاجة إليها، وتمر بالسيارة الفارهة، وإن كانت بالتقسيط، وأثاث المنزل الغالي وغير المريح، والهواتف الذكية الممنوحة لأطفال بعضهم لم يتعلم القراءة بعد، وغيرها من السلع التي تستهلك لاستجرار مديح الآخرين وإعطائهم انطباعا بالترف لتحصيل مكانة اجتماعية وفقا لمعايير الحاضر.

الإشكالية أن الحرص على المظهر العام بات يشكل ثقلا ماديا على الكثيرين من كلا الجيلين، فالآباء يجارون في ولائهم اليوم معايير ترف انقرضت وحال ضيق اليد سابقا دون تحقيقها، فأصبح سلوكهم تعويضيا، أما الشباب فيجارون معايير جديدة لا تنتهي. وكلما ظهر شيء جديد تساوى فيه الجميع بعد فترة قصيرة من الزمن، ما يستلزم البحث عن بديل آخر في سباق اجتماعي استهلاكي تشتد حدته كلما استعصى على المشاركين فيه الخروج منه، وتصعب أيضا مراجعته.

بقلم: منيف الصفوقي

المقترحات موجودة أيضًا لدينا..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
انتقل إلى أعلى